خلصت الدراسة التي أعدها مجلس دبي الاقتصادي في نهايتها إلى أن القانون واجب التطبيق في المعاملات المالية الإسلامية عموما والدولية منها خصوصا يحتاج إلى موقف واضح. وأن الهيئات الشرعية في المؤسسات المالية الإسلامية تفطنت إلى الموضوع. وأن هيئة المحاسبة والمراجعة سوف تصدر معياراً في هذا الموضوع.

واقترحت الدراسة الإحتكام لمبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية وعدم تفويض القانون الوضعي ليحكم المعاملات المالية الإسلامية لما قد يصدر عن هذا القانون من إعادة تكييف للمعاملات يغير طبيعتها. ومن أمثلة ذلك تنظير الصكوك على السندات التقليدية.

وأوصت بالإهتمام بصياغة عقود المعاملات المالية الإسلامية لحمايتها من سوء التفسير ولتفادي النزاع، وذلك مهما كان القانون الواجب التطبيق وجهة فض النزاع.

ومن أمثلة الصياغة المفضية إلى حماية قانونية وشرعية اعتماد التفصيل الوافي في صياغة الشروط ولا سيما تلك التي تختلف فيها أحكام الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي اختلافا بينا. ومن أمثلة ذلك غرامات التأخير، ومفهوم الشرط التغريمي، والسداد المبكر في عقود البيع، وتعريف هامش الجدية، وتعريف الصكوك تعريفا يوضح الفرق بين الصكوك الإسلامية والسندات وغيرها.

وأشارت إلى ضرورة الحرص على التأهيل الشامل مع إعتماد التخصص. ومن أمثلة ذلك تأهيل خبراء لاقتراح الحلول وفض النزاعات ولا يتم ذلك إلا بالجمع بين التأهيل القانوني والتأهيل الشرعي.

وأفادت بأن المركز الإسلامي الدولي للمصالحة والتحكيم قد شرع وبالتنسيق مع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية في دورات تدريبية تهدف إلى تقديم تأهيل متكامل بغرض إعداد محكمين يجمعون بين الجوانب الشرعية والقانونية والإجرائية بحيث يمكّن التأهيل أصحاب الشهادات من معالجة المسائل القانونية والشرعية بيسر ووضوح.

 

العجز عن الوفاء

وتركز الحلقة الأخيرة من الدراسة على محور العجز عن الوفاء في الصكوك، وهي مسألة قانونية وشرعية، وتنظر الدراسة للموضوع ضمن مجموعة من التحديات التي تعترض الصناعة المالية الإسلامية عموما والمصرفية منها خصوصا.

وتشير الدراسة قبل حصر التحديات إلى أن المؤسسات المالية الإسلامية وإن كانت مرجعيتها الأساسية هي أحكام الشريعة الإسلامية إلا أنها تخضع في نفس الوقت لضوابط أخرى فهي بذلك تنشط تحت «تعدد الأنظمة»، ومن هذه الضوابط القوانين والنظم السارية في البلدان التي تنشط فيها (نظم المصارف.

وشركات التأمين، وشركات التأجير، وشركات التمويل، والصناديق وغيرها). رقابة الهيئات الشرعية التي تتبعها. المعايير والمبادىء الإرشادية التي تصدرها مؤسسات البنية التحتية (المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة، والمعايير والخطوط الإرشادية التي يصدرها مجلس الخدمات المالية الإسلامية). بالإضافة إلى المعايير الدولية التي تنظم كفاية رأس المال ومخاطر الإدارة، والتدقيق وغيرها.

ويعتبر استبعاد تطبيق أحكام الشريعة في العقود الدولية أول التحديات. وهذا الاستبعاد يمكن أن يأخذ صورتين الأولى تتمثل في عدم تطبيق أحكام الشريعة مطلقا، والثانية هي القبول بتطبيق أحكام الشريعة لكن بطريقة غير موفقة. وهذه تحديات ثابتة وواقعة وتعاني منها الصناعة المالية الإسلامية الآن وتحتاج إلى حلول عملية.

أما التحدي الثاني فمضمونه كذلك استبعاد تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، ولكنه استبعاد متوقع. ويكمن هذا التحدي في بعض المسائل المرشحة لتشكل تحديات عند عرضها على القضاء للنظر أو عند طلب الحصول على رخصة لممارسة النشاط المصرفي.

 

التحديات العامة

وبالرغم من نجاح الصناعة المالية الإسلامية عموما والمصرفية منها خصوصا في حشد المدخرات والودائع وتلبية حاجات الراغبين في التعامل وفق أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية في المجال المالي، إلا أنها أمام تحديات متنوعة منها ما هو قانوني ومنها ما هو إداري ومنها ما هو إجتماعي وتبرز تلك التحديات في ثنايا التطبيق.

وتتمثل التحديات القائمة في استبعاد تطبيق أحكام الشريعة في عقود المؤسسات المالية الإسلامية. ولا يخفى على الجميع أن المؤسسات المالية الإسلامية تعمل في محيط تسيطر فيه القوانين الوضعية، وهي عادة قوانين مصاغة في شكل مواد مبوبة ومترتبة في مجلات وهو ما يعرف بالتقنين (التدوين). وإلى جانب التقنين هناك فقه قضاء ثري وجرئ بفضل تراكم الخبرات. وبالتالي نحن أمام تنافس بين نظامين مختلفين.

ويسعى القانون إلى أن يغطي جميع المجالات بحيث لا يترك فراغا لغيره من الأنظمة إلا اليسير مثل الإشارة إلى العرف في المجال التجاري. وسعي القانون الوضعي لاستبعاد أحكام الشريعة الإسلامية ينقسم إلى صنفين هما استبعاد مطلق بحيث لا تطبيق الشريعة الإسلامية، واستبعاد يقبل بأحكام الشريعة لكن يطبقها على شاكلته بحيث يسئ تطبيقها.

كما تتمثل التحديات القائمة في الإستبعاد المطلــق باختيار القانون الوضعي بديلا عن أحكام الشريعة. فقد أصبح النص على تحكيم مبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية دون سواها من القوانين أمرا نظريا في العقود الدولية. وحل محل الشرط الموحد (وهو الكفيل بتطبيق أحكام الشريعة مطلقا) الشرط المزدوج وهو الشرط الذي يجمع بين الإحتكام للقانون الوضعي والشريعة الإسلامية. ومن أمثلة هذه الصيغ نجد:

(تخضع هذه الإتفاقية للقانون البريطاني بما لا يخالف أحكام الشريعة الإسلامية)، أو (تخضع هذه الإتفاقية للقانون البريطاني إلا إذا خالف أحكام الشريعة الإسلامية، عندها ترجح أحكام الشريعة الإسلامية).

وهذه الصيغة هي الأكثر انتشارا في عقود المؤسسات المالية الإسلامية والأكثر صعوبة عند التطبيق. إن سوابق تطبيق هذه الصيغة على الأقل كما جرت أمام المحاكم البريطانية، لم تكن منصفة للشريعة الإسلامية حيث استبعدتها المحاكم البريطانية.

 

تقنين أحكام الشريعة

الإستبعاد بسبب عدم تقنين أحكام الشريعة: في القضية المعروفة بقضية بنك الشامل - البحرين أشار القاضي البريطاني إلى أن التفسير الحرفي لعبارة (الشريعة الغراء) الواردة في النص المتعلق بالقانون واجب التطبيق تعني ذلك القانون السماوي المنصوص عليه في القرآن والسنة.

وأضاف: بيد أن معظم القانون الإسلامي للمعاملات التجارية والمالية لم يقنن في قانون أو أحكام محددة المعالم وإنما أسس القانون الإسلامي على الآراء المتباينة للمدارس الفقهية المختلفة التي نشأت ما بين ‬700 و‬850هـ.

وتعليقا على هذا التعليل يمكن أن نسلم إلى حد ما بأن عدم تقنين أحكام الفقه الإسلامي وخاصة في مجال فقه المعاملات (ونظرا لثراء الفقه الإسلامي حيث نجد أكثر من رأي في المسألة الواحدة) لا يساعد على سهولة البحث عن الحلول والإهتداء لها .

كما لو كانت تلك الأحكام مقننة مع الترجيح لحل يحظى بالإجماع ويعتمده الجميع، لكن الغرابة تكمن في أن الحجة تأتي من مدرسة قانونية لا يعتمد نظامها القانوني على التقنين، بل يعتمد على السوابق والأعراف، ونعني بذلك المدرسة القانونية البريطانية.

كما أن الحرص على إيجاد الحلول المناسبة والتقيد بشروط العقد يدفع بالقاضي إلى البحث على بعض المراجع العامة في فقه المعاملات وهي متاحة. ومن هذه المراجع القرارات الصادرة عن المجامع الفقهية. وقد شملت تلك القرارات مبادىء أساسية في فقه المعاملات، وهي قرارات عادة مترجمة إلى اللغة الإنجليزية.

 

تفسير الشرط المزدوج

الإستبعاد بسبب تفسير الشرط المزدوج على أنه اختياري: كثيرا ما تلجأ المؤسسات المالية الإسلامية إلى الشرط المزدوج كأن يصاغ الشرط كالتالي (يتم تطبيق القانون البريطاني بما لا يخالف أحكام الشريعة الإسلامية). إن مثل هذه الصياغة كانت سببا في استبعاد تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية وذلك بتأويل الشرط على أنه شرط اختياري بين أحكام الشريعة الإسلامية والقانون البريطاني.

وبما أن القاضي يفترض أن يكون ملما بقانونه الوطني قبل أي قانون آخر وهو ما فعله القاضي البريطاني حيث قام بتطبيق القانون البريطاني واستبعد غيره.

ولا يلام القاضي البريطاني على ذلك بالرغم من أن صياغة الشرط تقتضي من القاضي البريطاني أن يضع النص القانوني (وهو القانون البريطاني) المطبق على الوقائع في ميزان أحكام الشريعة الإسلامية كإجراء تمهيدي ولا يجوز له تطبيق القانون البريطاني مباشرة دون التأكد من مطابقته لأحكام الشريعة الإسلامية أولا. والفهم الأمين للشرط يؤدي إلى تطبيق مشروط للقانوني البريطاني.

 

التطبيق غير الموفق

الإستبعاد بالتطبيق غير الموفق من قبل القضاء: تم رصد الأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم في مجال المنتجات المالية الإسلامية المعاصرة للنظر في كيفية معالجة المحاكم لهذه المنتجات المستجدة. وقد تمت دراسة هذه الأحكام والتعليق عليها للنظر في مدى وجاهة التكييف الذي اتخذه القاضي ومدى استيعاب الضوابط الشرعية لهذه المنتجات من قبل القضاء.

وتقول الدراسة: عند تحليل الأحكام انطلقنا من أن عدم إدراك حقيقة المعاملة من قبل القضاء لا ينم بالضرورة عن عدم معرفة المنتجات معرفة جيدة، وإنما قد يعود ذلك إلى احتمال قراءة المعاملة من وجهة نظر أو أكثر، أو ان صياغة المنتج وكيفية تقديمه للمحكمة لم يتم بالوضوح الرافع للإلتباس، أو أن طلبات ودفوع أطراف النزاع هي التي وجهت القاضي إلى اعتماد تكييف معين للمعاملة.

والغرض من هذا الافتراض هو عدم حصر المسؤولية عن التباس الأمر عند القاضي (وما يترتب عنه من آثار قانونية وشرعية) في جهة واحدة بل توسيع دائرة المسؤولية إلى جهات أخرى غير قضائية ومنها المؤسسات المالية الإسلامية نفسها التي قد تقوم بممارسات خاطئة في إجراءات تنفيذ المعاملة من شأنها أن تشوش على المنتج، أو أن محامي المؤسسة المالية الإسلامية قد حصر طلبات مؤسسته في اتجاه معين أملى على القاضي البحث فيها.

ومن أمثلة ذلك تحويل المؤسسة المالية الإسلامية نصيبها في المشاركة المتناقصة إلى الحساب الخاص بالعميل (المشارك). فهذا الإجراء فضلا عن كونه لا ينم على حذر من قبل المؤسسة المالية الإسلامية (إما بسبب الإفراط في الثقة في الشريك، أو لغياب نظم داخلية تنظم كيفية الصرف لمثل هذه المعاملة)، لا يساعد القاضي على البحث والاجتهاد في مجالات اختلاف المعاملة المعروضة عليه للنظر عن القرض.

 

التحديات المتوقعة

وهناك مسائـل مرشحـة لتشكل تحديات مستقبلية. ومنها الإستعداد لمجابهة تكييف المؤسسات المالية بالمهني: فقد تبنت المحاكم في السنوات الأخيرة موقفاً متشدداً نسبياً إزاء المؤسسات المالية بوصفها مؤسسات مهنية (مصطلح يعني افتراض دراية واسعة للبنك أو المؤسسات المشابهة كمؤسسات التأمين في تقدير المخاطر إلى درجة افتراض مسئولية مدنية في بعض الحالات، مقابل افتراض عكسي إزاء العميل والذي يعامل بيسر لأنه لا يدرك إدراكا تاما لنشاط تلك المؤسسات ويحتاج للحماية) يدفع المؤسسات المالية الإسلامية إلى مزيد الحذر.

وقد صدرت عدة أحكام ضد البنوك تارة باسم التعسف، وتارة باسم التقصير في إسداء النصيحة، وتارة باسم عدم الإفصاح وغيرها من المآخذ. فعلى سبيل المثال يعد البنك متعسفا ويكون مسؤولا مسئولية مدنية إذا أقرض عميلا مبلغا من المال ولم يأخذ بعين الاعتبار قدرة العميل المالية على السداد لأن البنك بصفته مهنيا يحسن تقدير المخاطر. وفي تقدير المحاكم الإستجابة لطلب العميل وتمويله -وفق طلبه- فيه إضرار له ويوجب التعويض للعميل المتضرر.

فالبنك قد يجازف بمنح عميله قرضا قد يـتأخر العميل في سداده، لكن يسدده بعد عناء، ولكن قد يتزامن ذلك مع طلب المقترض التعويض على تصرف البنك الذي منحه قرضا يفوق قدرته المالية الشئ الذي جعله يعجز عن سداد الدين، ويتضرر من ذلك في معاملاته مع الغير (عدم استطاعته الوفاء بديون أخرى مما أدى إلى إفلاسه أو تضرر سمعته في السوق).