شهد الاقتصاد العالمي أزمة جديدة ضربت سلاسل التوريد والإمداد، حيث تكدست الحاويات في الموانئ، ما أدى إلى امتداد فترات الشحن لجميع المنتجات، بدءاً من السلع الإلكترونية، إلى خامات الصلب والألمنيوم، ومروراً بقطاع السيارات الذي أثرت عليه الأزمة بشكل مباشر، حيث ارتفعت أسعار المركبات بنسب وصلت إلى 6%.

ويمكن القول بأن اندلاع الأزمة بدأ مع تفشي فيروس «كورونا»، حيث خلفت الجائحة تداعيات جمة تعرضت لها شبكة الشحن العالمية، نتيجة الإجراءات الاحترازية والإغلاقات المتوالية في الوجهات الأساسية لتوريد السلع عالمياً، الأمر الذي وضع ضغوطاً كبيرة على الكلفة، ووضع قيوداً إضافية على انتقال السلع، ولا سيما من المزودين الرئيسيين عالمياً. وما زاد الأزمة تعقيداً الأزمة الروسية الأوكرانية، حيث باتت الشركات الصغيرة تكافح لتأمين مساحة على سفن الحاويات للحفاظ على حركة الإنتاج والمبيعات.

ولإدراك أبعاد الأزمة، يجب معرفة أن القطاع البحري يشكل نحو 90% من حركة التجارة العالمية، ما يعني أن هذه الاضطرابات اللوجستية سوف تؤدي إلى معاناة الشركات في جميع أنحاء العالم وفي جميع القطاعات.

500 ٪

واستمرت تداعيات الأزمة في اتجاهين رئيسيين، الأول ارتفاع كلفة الشحن بنسبة وصلت في بعض الأحيان إلى 500% مقارنة بالأسعار السائدة قبل جائحة كورونا، أما الاتجاه الثاني فتمثل في تأخير السفن بسبب انسداد الموانئ، ما زاد من تمزق عمليات الإمداد على مستوى العالم.

وقد أثرت تلك الأزمة على مختلف القطاعات الاقتصادية، وكان لقطاع السيارات نصيب كبير من هذا التأثر، حيث برز ذلك في جانبين: الأول التأخر الكبير جداً في عمليات تسليم السيارات إلى الوكلاء وبالتالي العملاء، أما الثاني فتمثل في ارتفاع أسعار السيارات بنسب وصلت إلى 6% في بعض الوكالات، ما سبب في النهاية ضغطاً أكبر على المستهلكين.مكونات

والتقت «البيان» ممدوح خيرالله، مدير عام «رولز - رويس موتور كارز»، المركز الميكانيكي للخليج العربي دبي والمناطق الشمالية، الذي تحدث باستفاضة حول هذه الأزمة شارحاً أسبابها وأبعادها، حيث قال: لقد أثرت هذه الأزمة بكل تأكيد على قطاع السيارات، فالسيارة هي في الأساس عبارة عن مكونات تأتي من أكثر من مكان للشركات المُصنعة، ومع تفشي أزمة «كورونا» واندلاع أزمة أوكرانيا تغيرت أسعار هذه المكونات بشكل تلقائي، وبالتالي أصبح لدى المصنعين 3 مشكلات رئيسية: الأولى تتعلق بالإمداد، والثانية بالتأخير في عمليات التسليم، والثالثة خاصة بالأسعار.

وأضاف: الأزمة حدثت بشكل مباشر نتيجة اهتزاز الأسواق الرئيسية للمواد الخام، وخاصة في البلاد التي بها تعدين مثل روسيا وأوكرانيا، وسلسلة بلاد حولها تأثرت بنفس الطريقة، وبالتالي هذه المواد الخام التي تؤثر على منتجات معينة بدأ التفكير في إيجاد بدائل لها، وللأسف هذه البدائل كانت أغلى وليست بنفس الجودة التي كانت مستخدمة في المواد الخام الأخرى التي كانوا يستعملونها لسنوات. وكوني مصنعاً قد أضطر إلى شراء المكون بأسعار مرتفعة تصل إلى 20% وأحياناً 30% في مكون معين حتى لا يتم تعطيل المنتح لدي بالكامل.

رفع السعر

وأوضح أن هناك تأثيراً بشكل مباشر يكون واقعاً على المستهلك، فارتفاع سعر المكونات لدى المُصنع يقوم بإضافته على سعر المنتج، ما يعني أن تقوم الشركة المصنعة للسيارة برفع السعر بشكل تلقائي، والذي يصل أحياناً إلى 8% في بعض الطرازات.

وتابع أن التأثير الثاني يتمثل في أن عمليات التوصيل تكون غير آمنة، وبالتالي توقيتات التوصيل هي الأخرى غير آمنة أو غير محددة، وأنا بصفتي مُصنعاً لن أتمكن من الالتزام بالمواعيد التي أعد بها العملاء، فمصانع السيارات التي كانت تخطط لستة أشهر أو تسعة أشهر أو سنة مستقبلاً، لم تعد قادرة على وضع خطط لثلاثة أشهر فقط الآن.

وضرب مثالاً بالقول: مثلاً خط الإنتاج لدى المصنع يعمل على إنتاج 1000 سيارة في الشهر، ومع تأخر تسليم المكونات سوف يقوم بإنتاج 800 سيارة فقط بسبب نقص المكونات، وحسب الخطة الموضوعة يجب في الشهر الثاني أن ينتج 1000 سيارة إضافة إلى 200 سيارة لم يتم إنتاجها في الشهر السابق، أي بإجمالي 1200 سيارة، لكن نقص المكونات يضطره إلى إنتاج 800 سيارة فقط، أي يكون هناك عجز عن إنتاج 400 سيارة في شهرين، وبالتالي تتراكم عمليات الإنتاج، وهذا ما تعاني منه مصانع السيارات حالياً منذ اندلاع أزمة كورونا والأزمة الأوكرانية وتأثيرها، وهذه كلها تأثيرات مرتبطة ببعضها، فحلقة واحدة منها تؤثر على باقي الحلقات، وهو ما يطلق عليه «تأثير الدومينو».

أزمة مستمرة

ونبّه خيرالله إلى أن تأخر عمليات الشحن وتأثيراتها سوق تبقى مستمرة ومتواصلة، والمشكلة الكبرى هي أنه لا أحد من المصنعين على مستوى العالم يعلم متى ستنتهي، وحتى لو انتهت الأزمة في أوكرانيا فأزمة الشحن لن تنتهي مباشرة، لأن المصانع التي كانت تنتج مكونات السيارات في أوكرانيا وروسيا باتت خارج إطار العمل تماماً، ولكي تدخل دائرة العمل مرة أخرى فهذا أمر يتطلب شهوراً في روسيا وسنوات في أوكرانيا.

ورداً على سؤال حول خيارات الحل، قال: على المستهلك دور مهم وكبير جداً في هذه الأزمة، ويتمثل في أن يطيل من فترة امتلاك سيارته ويقلل فترة التدوير عمليات الشراء حتى يتم إحداث التوازن المطلوب في معادلة العرض والطلب في السوق.

تكدس

من جهته، قال سليمان الزبن، مدير عام «هيونداي الإمارات» في مؤسسة «جمعة الماجد»: يتعامل قطاع السيارات في الإمارات بذكاء مع التحديات التي بدأت مع ظهور «كوفيد 19»، ويحرص الوكلاء على الاستجابة لمتطلبات عملائهم وتوفير احتياجاتهم من خلال العروض الموسمية، وإتاحة المزيد من الخيارات اعتماداً على طرح الطرازات والبدائل المتنوعة. وأضاف: لا يزال ارتفاع الأسعار في نطاقاته المعقولة إلى حد ما، ويتراوح من 3% إلى 6%، خاصة وأن الوكلاء يتغلبون على هذه المشكلة بالحملات، وتوفير المزيد من الخدمات والامتيازات والضمان لفترات طويلة. وفي الوقت نفسه يعمل المصنعون من جانبهم على إيجاد الحلول المثلى لنقص إمدادات أشباه الموصلات، والتنسيق مع شركات الشحن العالمية لدعم سلاسل التوريد والشحن والحفاظ على استمراريتها.

تكاليف

من جهته، قال ماركوس لايث، المدير الإداري لمجموعة «ستيلانتيس الشرق الأوسط»: تعتبر تكاليف الشحن جزءاً من مجموعة من العوامل التي تؤثر بالمحصلة على أسعار السيارات، بما في ذلك المواد الخام، والطاقة والوقود، إضافة إلى نقص قطع الغيار والمنافسة السعرية حولها.

وأضاف: نحن في «ستيلانتس» نضع أولوية لتقليل تأثير كل هذه العوامل على عملائنا من خلال التركيز على فلسفتنا المتمحورة حول العميل، التي تهدف إلى تقديم قيمة إضافية والاستفادة من خبرات المجموعة وابتكارها لتغيير مفهوم القيادة والتنقل.

وأعرب لايث عن اعتقاده بأن المخاوف الرئيسية في الوقت الحالي تتمحور في نقص قدرات سلاسل الشحن والتوريد العالمية متأثرة بتداعيات الجائحة، إضافة إلى ارتفاع أسعار النفط، والوضع الحالي في الصين ودول شرق آسيا الأخرى التي تقود استراتيجية مختلفة في ما يخص التعامل مع الجائحة مقارنة بالسوق الغربي.

وأضاف: أما التحدي الرئيسي الآخر فهو احتمالية الاضطراب الاقتصادي، والتضخم المتزايد الذي نشهده في جميع أنحاء العالم، والذي قد يؤدي إلى أزمة اقتصادية، وبالتالي يتسبب بفائض في السوق، وأعتقد أن هذا هو السبب في تحفظ شركات الشحن في ما يخص رفع كفاءتها التشغيلية.

وقال: بالنسبة لقطاع السيارات، يعتبر الشحن أحد المكونات في بيئة صناعية متكاملة، لذا نسعى في «ستيلانتس» إلى تأمين سعة الشحن مع موردينا مقدماً للحفاظ على مرونة في تنفيذ الأعمال.

تحديات

بدوره، قال ميشال عياط، الرئيس التنفيذي لشركة «عبد الواحد الرستماني للسيارات»: يعزى ارتفاع أسعار السيارات الجديدة إلى التحديات غير المسبوقة التي يشهدها سوق السيارات على المستويين المحلي والعالمي، ومع ذلك فقد أدى تخفيف القيود التي فرضتها الدول في أثناء انتشار الجائحة وحتى النصف الأول من العام الجاري، إلى توفير دفعة قوية من شأنها أن تبث المزيد من الأمل في نفوس الشركات والعملاء. ونلمس ذلك في السوق المحلي بفضل حزم الدعم التي أعلنت عنها الحكومة والتشريعات الجديدة لدعم الاقتصاد الوطني، والكثير من الحوافز الاقتصادية الأخرى.

وأضاف: الخلل الذي أصاب سلاسل الشحن والتوريد سوف ينتهي عند التغلب على أسبابه، ونعتقد بأن معدل الارتفاع لا يزال معقولاً عند الأخذ بالحسبان عدداً من العوامل، ومن أهمها معدل التضخم السنوي. ونحرص من جانبنا على تخفيف الضغط الذي يواجه المشترين، وذلك من خلال الحملات الترويجية المستمرة وتقديم أفضل العروض، بما يسهم في تعزيز حيوية هذا القطاع المهم في الإمارات.