لم تمر أيام عديدة بعد انقضاء عيد الربيع الصيني حتى توجه التجار ورجال الأعمال والعلماء والمسؤولون الحكوميون الى مدينتي كاشغار الإسلامية التاريخية وهورقوس التجارية الحدودية بمنطقة شينجيانغ ذاتية الحكم لقومية ويغور بشمال غربى الصين التي تعتبر من المناطق الأمامية وذلك نتيجة لانفتاح الصين نحو غربها.
كانت كاشغار نقطة مهمة للغاية في طريق الحرير القديم الذي كان يعتبر الشريان الاقتصادي الذي يربط بين الصين وآسيا الوسطى وغربها وأوروبا, وتحتضن كاشغار حاليا خُمس سكان شينجيانغ وخمسة منافذ على المستوى الاول وطنيا وتجاور ثمان دول في آسيا الوسطى وجنوبها, أما هورقوس تعد من أقرب وأسهل المخارج الصينية الى آسيا الوسطى ويتمتع منفذ هورقوس ذو الجمارك الرسمية بتاريخ 131 سنة.
وجذبت هاتان المدينتان القديمتان نظر الناس مرة أخرى بفضل قرار الحكومة الصينية المركزية في مايو عام 2010 لبناء منطقتي تنمية اقتصادية, فيهما على التوالي, حيث انها تتمتع بعدد من السياسات التفضيلية الخاصة سعيا وراء تعميق درجة الانفتاح الاقتصادي لمنطقة شينجيانغ ذات الغالبية المسلمة في الصين وتعزيز التبادلات المتنوعة مع الدول المجاورة عن طريقهما.
وفي أكتوبر عام 2011 الماضي, حددت بكين عشر سياسات تفضيلية خاصة تحتوي على مجالات الضريبة واستخدام الأراضى والطاقة والمالية والتكنولوجيا والتصدير والاستيراد وغيرهما , ما يشكل حزمة كبيرة من السياسات التفضيلية مطروحة على مدينة حدودية برية داخلية في تاريخ التنمية الصينية,ما شجع على تزايد رغبة الشركات في الاستثمار في تلك المدينتين بشكل كبير.
وفي الشهر نفسه, بعد طرح السياسات التفضيلية العشر رسميا, قام نحو مائة من رجال الأعمال القادمين من هونغ كونغ وشنتشن, وهي أكثر المناطق الاقتصادية نجاحا في الصين, قاموا بزيارة تجارية بشكل وفود الى كاشغار لبحث بيئة الاستثمار هناك.
وأثناء هذه الزيارة, تم توقيع خطاب نوايا للاستثمار بقيمة 3.7 مليار يوان (حوالي 587.6 مليون دولار أمريكي) في مجالات الطب والأدوية واللوجستيات والزراعة وتجارة السلع ومواد البناء وغيرها , ومن بينها وقعت شركتان من شنتشن اتفاقا رسميا لمشروعي حديقة اللوجستيات وقاعدة الصناعة لشاشات الصمام الثنائي الضوئي ((ال اي دي)) في كاشغار.
وذكر رئيس مجلس الدولة الصيني ون جيا باو في تقرير عمل الحكومة في الدورة البرلمانية السنوية المختتمة في مارس الماضي أن الصين تبذل جهودا لرفع مستوى الانفتاح وتحسين جودته لتشكيل صورة جديدة للاقتصاد المنفتح .
وفي هذا الإطار, أكد حاكم منطقة شينجيانغ نور بكري أن الحكومة المحلية تحث على اتخاذ الخطوات لانفتاح المنطقة على الخارج لتطوير شينجيانغ كممر استراتيجي سليم للموارد والطاقة بالصين وبوابة مهمة لانفتاح البلاد على الخارج وعلى الجهة الغربية بصورة خاصة, مشيرا الى أن تطورات منطقتي التنمية الاقتصادية في كاشغار وهورقوس تعطي دافعا وضمانا لهذا الهدف.
ويرى وانغ نينغ, النائب في المجلس الوطني لنواب الشعب, أن السياسات التفضيلية الخاصة المقدمة لكاشغار وهورقوس كانت واسعة التغطية وكبيرة الحجم, متوقعا أن تساهم بقوة كبيرة في بلورة الصورة المنفتحة المتوازنة على البر والبحر للصين.
ووفقا للخطة, يتوقع أن تتطور كاشغار الى مركز لوجستيات ومنطقة تجارية ومالية ومنطقة لصناعة الموارد الغنية المحلية باستغلال مركز الخزانة واللوجستيات في منفذ إيرقستان المجاور لقرقيزستان بقرب كاشغار, أما هورقوس بشمال غرب المنطقة والتي تجاور كازاخستان فتركز على الصناعة الكيميائية والدوائية البيولوجية والطاقة الجديدة والمواد الجديدة وصناعة الماكينات فضلا عن الصناعة المتقدمة للمنتجات الزراعية , حسبما قال مدير مكتب التجارة للمنطقة خه يي مينغ المسؤول عن الأعمال المعنية ببناء منطقة التنمية الاقتصادية الخاصة بكاشغار وهورقوس.
وأظهرت الارقام الإحصائية الى أن كاشغار تحيط بها أسواق كبيرة ذات 1.2 مليار نسمة من السكان, وبلغ حجم الطلب من أسواق الدول في آسيا الوسطى على اجهزة التلفزيون 1.2 مليون وحدة, وتلقى السلع الجيدة والرخيصة من الصين ترحيبا حارا في تلك الدول.
كما تمت عملية التوصيل لخط السكة الحديدية والطريق السريع بين الصين وكزاخستان من خلال هورقوس في ديسمبر العام الماضي, وتعد السكة الحديدية الصينية الثانية التي تفتح تجاه الغرب بعد ((جسر أوراسيا القاري الجديد)) الذي يبدأ من روتردام بهولندا ويقطع أكثر من عشرة آلاف كيلومتر ليصل الى ليانيونقانغ بشرق الصين. الى جانب ذلك والأهم , ان أنابيب النفط المستورد من آسيا الوسطى تدخل الصين من هنا.
وقال رئيس مجلس الشركة التي استثمرت في صناعة شاشات "ال اي دي" في كاشغار إنه قرر الاستثمار نظرا لموقع كاشغار الجغرافي المهم من جهة, اذ ترتبط بعدد كبير من الدول بآسيا, بيد انه ينقص المنطقة منتجات شاشات "ال اي دي", وكون لهذه السوق نطاق كبير للغاية من جهة أخرى, متوقعا رواج منتجاته في مناطق شمال غربى البلاد وحتى في الدول الأجنبية في كاشغار.
وتجاوز حجم الواردات والصادرات في منطقة شينجيانغ 20 مليار دولار أمريكي في العام الماضي ليصل الى 22.82 مليار دولار أمريكي بزيادة 33.2% عن العام الأسبق, ما سجل رقما قياسيا بصورة متتالية سنويا.
وما زالت كازاخستان أكبر شريك تجاري للمنطقة, ووصل حجم التجارة بين الصين وكازاخستان الى 10.6 مليار دولار أمريكي, بينما شكلت التجارة بين الصين ودول آسيا الوسطى الخمس وروسيا 78% من إجمالي حجم التجارة
الخارجية للمنطقة لتبلغ 17.9 مليار دولار أمريكي.
وكشف مكتب التجارة في شينجيانغ عن أن هيئات التجارة المحلية تعمل على المشاركة في 36 معرضا تجاريا لتوسيع نطاق التعاون الاقتصادي والتجاري مع دول غرب آسيا وجنوبها وروسيا وشرق أوروبا و الشرق الأوسط بالإضافة للأسواق الجديدة في أوروبا.
وأشار مسؤول من المكتب الى أن أعمال هيئات التجارة المحلية في العام الجاري تركز على توطيد الأسواق التقليدية في آسيا الوسطى والدول المجاورة لها, وعلى أساس ذلك, تبحث في تنمية الأسواق الجديدة مثل جورجيا. ا
لجدير بالذكر أن عددا من الشركات الصينية في مجالات صناعة الماكينات والصناعة الخفيفة قد دخلت سوق جورجيا من خلال شينجيانغ معتبرة جورجيا سوقا جديرة بالاهتمام والتطوير العميق, بينما فتحت شركة طيران جنوب الصين خطا مباشرا بين شينجيانغ وجورجيا في العام الماضي لسد الطلب المتزايد على الزيارات المكثفة بين الطرفين.
وتعتبر منطقة شينجيانغ أكبر منطقة حدودية على مستوى المقاطعة في الصين, اذ تتمتع بأكثر من 5000 كيلومتر من الحدود البرية وتجاور ثمان دول.
لذلك يعتقد كثير من المحللين أن المزيد من الانفتاح على الجهة الغربية للبلاد سيكون مهمة كبيرة واختيارا استراتيجيا للصين ولمنطقة شينجيانغ خلال الخمس سنوات القادمة وحتى فترة أطول في المستقبل, وسيعزز بلا شك التبادلات والتعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين والمناطق المجاورة ويدفع التنمية الاقتصادية وتحسين معيشة الشعب في منطقة شينجيانغ, بينما يعود بفوائد كبيرة على الدول المجاروة.
