يجري الاتحاد الأوروبي منذ تعرضه لأزمة ديون موهنة مستمرة منذ عامين مجموعة من الاصلاحات لتجاوز وقت المحنة وحفز النمو الاقتصادي . ولكن علاج الأزمة بشكل نهائي قد يستغرق سنوات.
يسير الاتحاد الأوروبي على الطريق الصحيح، بيد أن هذا الطريق لن يكون سلسا.
نهج التقشف :
كانت الحياة الرغدة السمة المميزة لأوروبا الحديثة. وفيما يلعب نظام الرفاهية الاجتماعية دورا إيجابيا في خلق المساواة والتناغم الاجتماعيين وتخفيف التوتر الاجتماعي ، أدى أيضا إلى استهلاك مفرط وادخار منخفض وكفاءة متدنية.
والأمر الأكثر أهمية أن هذه الرفاهية ابتلعت كما كبيرا للغاية من ثروة أوروبا ما أدى إلى مشكلة لم تعد الدول الأوروبية المثقلة بالديون قادرة على تجاهلها بعدما لعبت دورا إلى حد ما في تأجيج أزمة الديون السيادية.
يعتقد بشكل عام أن التقشف هو طوق النجاة. ولخفض الانفاق الحكومي وتقليل العجز في الميزانيات، لجأت دول مثل اليونان واسبانيا وأيرلندا وبريطانيا إلى إجراءات تقشفية شملت خفض الأجور القطاع العام وإلغاء وظائف، وتجميد معاشات تقاعد ، وزيادة سن التقاعد . وحتى إيطاليا، التي ظل سن التقاعد بها ما دون 60 عاما، قررت رفع الرقم إلى 67 عاما بحلول عام 2026.
غير أن هذه الإصلاحات قوبلت بمعارضة قوية وأثارت الغضب عبر أرجاء أوروبا. فنظم عمال بدول كثيرة مظاهرات واضرابات للمطالبة بالإبقاء على نظام الرفاهية واحتجاجا على التقشف.
ولفت خبراء إلى أن اصلاح نظام الرفاهية القديم ليس أمرا سهلا ، وقالوا إنه يتعين على الحكومات عمل توازن بين الحاجة الملحة إلى خفض العجز ومعارضة الشعوب لـ "تضحيات" التقشف، وبين الحاجة العاجلة إلى خفض الانفاق والرغبة القوية في تجنب الركود.
ولكن الاتحاد الأوروبي أثناء مكافحته لأزمة الديون يولي أهمية كبرى للنمو الاقتصادي الذي بدونه يصبح تخطي الأزمة أكثر صعوبة. وشددت الكتلة الاقليمية مرارا وتكرارا على أهمية استثناء الابتكار والتعليم من عملية خفض النفقات.
اصلاحات مالية ونقدية:
شرع الاتحاد الأوروبي منذ اندلاع أزمة الديون في إجراء اصلاحات مالية ونقدية بهدف منع الأزمة من الانتشار على الأمدين القصير والمتوسط وللمضي قدما باصلاحات نقدية لاقتلاع الأزمة من جذورها.
وفي مايو 2010 دشنت الدول الأعضاء في منطقة اليورو صندوق انقاذ مالي مؤقتا أطلقت عليه اسم "هيئة الاستقرار المالي الأوروبية "، والذي دعمته بالتزامات من دول منطقة اليورو بتوفير 750 مليار يورو (990 مليار دولار) على أن تصل قدرته الاقراضية إلى 440 مليار يورو.
والشهر الماضي اتفق وزراء مالية منطقة اليورو على تعزيز قوة هيئة الاستقرار المالي الأوروبية عن طريق جعلها كمؤسسة حماية توفر الوقاية من المخاطر جزئيا بنسبة تتراوح بين 20 و30 في المائة لحاملي الأسهم وعبر تشكيل صندوق استثماري يسمح للمستثمرين الأجانب بشراء سندات حكومية.
كما يحاول الاتحاد الاوربى اطلاق صندوق انقاذ دائم دون تأخير. وفى وقت سابق من هذا الشهر, اتفق زعماء الاتحاد الاوربى على المضى قدما فى اطلاق الية الاستقرار الاوربى بقوة اقراض تصل الى 500 مليار يورو, قبل عام من الموعد الاصلى المحدد سلفا فى يوليو 2012.
اضافة الى هذه الجهود الهادفة الى منع تفشى ازمة الدين، لجأ الاتحاد الاوربى الى تصحيح احد العيوب المؤسسية الجذرية فى الاتحاد الاوربى , تحديدا عدم التوافق بين نظام نقدى متكامل للغاية ونظام مالى مجزأ.
وقررت جميع دول الاتحاد الاوربى باستثناء بريطانيا اقامة "ميثاق مالى" بين الحكومات الاوربية لفرض ضوابط مالية اكثر صرامة, كخطوة رئيسية نحو اقامة "اتحاد مالى" فى المستقبل.
بيد ان هذه الخطوة لم تنجح بما يكفى لاقناع المانيا للموافقة على اصدار سندات اليورو واقناع البنك المركزى الاوربى بان يعمل "كملاذ اخير لاقراض" البنوك الاوربية وربما الحكومات.
تحولات سياسية
لقد زلزلت ازمة الدين ايضا المشهد السياسى الاوربى. وقامت القوى السياسية بتعديل مبادئ سياستها الخاصة بأزمة الدين الجارية من اجل كسب المزيد من الاصوات .
وخلال اقل من عامين، شهدت القارة انهيار سلسلة من الحكومات فى ايرلندا والبرتغال واليونان واسبانيا وايطاليا. ولجأت كلا اليونان وايطاليا الى قادة تكنوقراط لابعاد البلاد عن حافة الفوضى .
وفى البلاد التى كانت بمنأى عن تغيير السلطة, وقعت احزابها الحاكمة تحت ضغوط متزايدة كما حدث فى فرنسا والمانيا. وقد اضحت حكومة المحافظين التى وصلت الى السلطة فى بريطانيا العام الماضى اكثر محافظة.
وفى بعض الحالات، ساهمت التحولات السياسية بدورها فى حل الازمة بما جلبته من اصلاحات ضرورية.
وفى العامين الماضين، كانت اليد العليا لاحزاب يمين الوسط المؤيدة لالية السوق فى الانتخابات فى العديد من الدول, فى حين اصبحت الاستراتيجيات المقترحة من احزاب يسار الوسط خلال الحملات الانتخابية مماثلة على نحو متزايد لاستراتيجيات احزاب يمين الوسط من اجل التغلب على الازمة وكسب المؤيدين.
نكسات متوقعة
لا شك ان كل هذه الاصلاحات والتغيرات وضعت الاتحاد الاوربى على المسار الصحيح. بيد ان هناك احتمالا كبيرا بأن تواجه الاجراءات التى اتخذت بالفعل نكسات، وان تؤدى ازمة البنوك المتصاعدة الى صعوبة فى معالجة ازمة الدين.
وقال رئيس الاتحاد الاوربى هيرمان فان رومبوى الثلاثاء الماضى فى رسالة فيديو نشرت على موقع المفوضية الاوربية ان "الطريق طويل, اطول مما كنا نتوقع".
واضاف رومبوى "لكن لا يجب ان يكون هناك شك ــ هناك ارادة سياسية اساسية للمضى قدما كاتحاد يحترم تماما اوضاع بعضه البعض"


