يبدو واضحا أن عام 2011 بالنسبة للولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي هو عام محنة الديون.

بدأ العام بتدهور فى الوضع المالي الأمريكي وتفشي أزمة الديون  الأوروبية، ثم تحرك بتثاقل عبر جولات  كثيرة من المفاوضات الشاقة لحل الأزمة على جانبى الأطلسي، ولكن كان من المحتوم أن يوشك العام على  الانتهاء دون رؤية ضوء فى نفق الديون.
بيد أن هذه المقدمة الموجزة مجرد جزء صغير من القصة، إذ إن الجزء الأكبر يوضح أن الألم الذي يعذب القوة الكبرى الوحيدة في العالم  والكتلة الإقليمية الأكثر نجاحا على  المستوى العالمي، كان من الممكن أن يكون أقل حدة.

الموارد الاقتصادية والخبرة المالية لم تنفد فى واشنطن أو بروكسل، لكن المسارات المتشابكة لمحنة الديون لدى الجانبين توضح أن كليهما يعاني عجز ا شديدا في القيادة الفاعلة.

أدى الانقسام  السياسي والمنهجي المحدق إلى تقييد صناعة  القرار في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، كما أن شبح الانتخابات يقوض ما يبقى من رغبة  وقدرة على التوصل إلى اتفاق. وبالفعل يمكن القول ان العام المنصرف شهد عجزا في القيادة يفوق العجز المالي.

والتغيير الحقيقي الصادق وحده القادر على كبح جماح هذا التدهور الخطير. وعبر استعادة حاسة الاستعجال والمسؤولية فقط يمكن انقاذ اقتصادات جيدة من السياسات السيئة. ويمكن لروح التنازل فقط  اعادة الأمل في علاج  شامل وغير متأخر.
يتطلع العالم كله إلى وقوع تحول في واشنطن وبروكسل، إذ إن ثقلهما الاقتصادي  في عالم العولمة الحالي يعني أن سلامة  بقية الاقتصادات  تتأثر أيضا بأزمات الديون والشلل السياسي في الجانبين.

الولايات المتحدة- تناحر بين الحزبين الرئيسيين قبيل الانتخابات     انكشف الفصل الأسوأ سمعة في أزمة الديون بالولايات  المتحدة فى  أواسط الصيف الماضى عندما دخل الجمهوريون والديمقراطيون بعناد فى  لعبة تناحر بشأن سقف الدين الأمريكي فى حين كان بلدهم  ينزلق نحو تخلف كارثي عن سداد الديون.

وأضطر الحزبان المنقسمان بعمق بالفعل إلى التوصل لاتفاق  في  اللحظة الأخيرة لتجنب السيناريو المحرج لواشنطن المتمثل في عدم  استطاعتها  على دفع فواتيرها. غير أن الصراع  العنيف والطويل بين  الجانبين، والذى انتهى قبل يومين فقط من الموعد النهائي لإعلان   التخلف عن سداد الديون والموافق الثانى من أغسطس الماضي، أشار إلى انهما كانا يحاولان  فقط الحصول على الحد الأقصى من المكاسب السياسية عن طريق المساومة قبل أن يفوت أوان التوصل إلى اتفاق.

وأثرت سياسة حافة الهاوية السياسية هذه وتأثيراتها المزعزعة  للاستقرار على اتخاذ القرار فى الولايات المتحدة، وأججت القلق لدى  جميع العقلاء ، ودفعت مؤسسة ((ستاندرد آند بورز)) إلى اتخاذ خطوة غير مسبوقة إذ خفضت التصنيف الائتمانى الممتاز للولايات  المتحدة للمرة  الأولى  في 70 عاما.
 
علاوة على ذلك، وعلى  الرغم  من الابتعاد  مؤقتا عن التخلف عن سداد الديون، فشلت المناقشات التي استمرت 11 ساعة بين الحزبين  الرئيسيين بالولايات  المتحدة في التوصل إلى أمور تعد ضرورية للسيطرة على أزمة الديون التي تمر بها القوة العظمى في العالم على الأمد  الطويل. ومع اقتراب موعد  الانتخابات الرئاسية المقررة فى عام 2012،  ازدادت المخاوف من أن يصبح التوصل إلى اتفاق أكثر صعوبة فى الوقت  الذى يتحول فيه الحزبان إلى المزاج الانتخابي.

تحولت التكهنات القاتمة إلى حقيقة، ففى نوفمبر الماضى أعلنت لجنة بالكونغرس الأمريكي - كانت قد  تشكلت بموجب الاتفاق بشأن سقف الديون الذى تم التوصل إليه فى الصيف الماضى - أعلنت عن فشلها فى اكمال مهمتها الخاصة بصياغة حزمة من الاجراءات  التى من شأنها أن تؤدي إلى  خفض العجز في الميزانية الأمريكية  بواقع 1.2 تريليون دولار  على الأقل  فى غضون  الأعوام   الـ10 القادمة.

كانت اللجنة المكونة من 12عضوا من الحزبين الرئيسيين قد حصلت على سلطة استثنائية بشأن الميزانية الفيدرالية والصناعات  المعتمدة على  الأموال  الفيدرالية، وكانت توصياتها ستخضع ببساطة لتصويت بالقبول أو الرفض فى الكونغرس. غير أنها فشلت.

رفض الديمقراطيون أى اقتراح لإجراء  اصلاحات  هيكلية في البرامج  الكبرى، بينما أغلق  الجمهوريون الباب أمام أى إجراء قد يؤدى إلى رفع الضرائب. وكان كل منهما متعنت بشكل عميق لدرجة لا يمكن معها التوصل  إلى أرضية مشتركة. ويزعم  كل من الطرفين أن لديه الجواب الصحيح.     وفي هذا السياق أشارت مجلة (إيكونوميست)) البريطانية الأسبوعية   فى عددها الصادر في 26 نوفمبر الماضى إلى انه "حتى عندما تكون هناك  ظروف مناسبة للتوصل إلى اتفاق، لا يستطيع الجمهوريون والديمقراطيون  فعل هذا ... إن اخفاق الساسة الأمريكيين في التوصل إلى اتفاق حول إجراءات خفض العجز يسبب اخفاقا لبلدهم".


أوروبا - آلام  النمو المحتومة

إن الوضع على الجانب الآخر  من الأطلسي  في أوروبا لا يقل حدة عن نظيره في الولايات  المتحدة إن لم يكن أكثر فوضوية واثارة للقلق، إذ  فشلت سلسلة من الاجتماعات  والقمم في تسوية أزمة الديون السيادية فى  القارة العجوز.

ومن اليونان وأيرلندا والبرتغال، التى تعتمد حياتهم على الدعم،  إلى إيطاليا وأسبانيا اللتين انزلقتا فى طريق مماثل، تحولت الأزمة  التي استمرت طوال عام إلى دول محورية في منطقة اليورو التى تضم 17  دولة.

ومع انخفاض التصنيف الائتماني  وارتفاع  تكاليف الاقتراض، أضطر  صناع  السياسة فى أوروبا إلى التحرك سريعا إذ يدركون بشكل جيد مدى  خطورة التداعيات  المحتملة. وإذا لم يستطيعوا حل الأزمة، فقد تختار  حكومات معينة التخلص من اليورو. وكرد فعل متسلسل محتمل لذلك، قد  تنهار منطقة اليورو وربما يغرق الاتحاد  الأوروبي الأوسع نطاقا إثر  ذلك. وحينئذ، لا يمكن لأي  عضو في الاتحاد  الأوروبي  النجاة من التداعيات  المحتملة التالية، وسيتعرض الجميع للمعاناة.

وعلى  الرغم  من ذلك، لم يتحول هذا الوعي  إلى عمل فعال. وفي اجتماع  تلو الآخر، لم يستطع صناع  السياسة فى أوروبا التغلب على الخلافات  السياسية والمنهجية بينهم وتوصلوا فقط  إلى إجراءات مرحلية تكفي لوقف الانهيار الفوري فحسب. وظلت الثقة تتراجع باستمرار، فيما  يتزايد الشعور بالذعر.

وحدث تطور آخر فى أوائل ديسمبر الجاري حينما وضعت وكالة  ((ستاندرد آند بورز)) للتصنيف الائتماني جميع الدول فى منطقة اليورو،إلا  قبرص واليونان، على قائمة المراقبة السلبية. فكانت قبرص بالفعل  على القائمة، أما اليونان فلم تكن هناك حاجة لوضعها على القائمة بالأساس لأن  تصنيفها السيء  يشير الى "تخلف محتمل وكبير نسبيا عن سداد الديون على الأمد  القريب".

وبررت وكالة التصنيف قرارها استنادا إلى "الخلافات  المستمرة بين صناع  السياسة الأوروبيين حول كيفية تسوية أزمة الثقة لدى الأسواق  على الفور وفي الفترة طويلة الأمد، وكيفية ضمان الاندماج  المالي  والاقتصادي  الأكبر  بين أعضاء  منطقة اليورو".

 صدر التحذير من الخفض الشامل في التصنيف الإئتماني قبل أيام فقط  من اجتماع  الزعماء الأوروبيين فى يومي 8 و9 ديسمبر الجاري والذى  اعتبر على نطاق واسع "قمة لتقرير المصير". وحقق الاجتماع  تقدما بارزا، إذ اتفقت الدول الـ17 فى منطقة اليورو وست دول أوروبية أخرى على اتفاقية مالية لتعزيز القواعد الخاصة بالميزانية.
غير أن ((ستاندرد آند بورز)) ووكالتين رئيسيتين أخريين للتصنيف الائتماني  أوضحت أن القمة لم تتخذ مبادرة حاسمة وفشلت فى ازالة  الضغوط التي تفرضها الديون السيادية على منطقة اليورو.

وقالت وكالة  ((فيتش)) ان "الافتقار الى تسوية شاملة زاد الضغط قصير الأمد على  الأوضاع  والتصنيفات الخاصة بالديون السيادية لمنطقة اليورو".

لكن الصعوبة التي يواجهها الاتحاد  الأوروبي فى إتخاذ قرار  مفهومة. فالاتحاد  يتكون من 25 دولة ذات سيادة تختلف في أحوالها  ومصالحها وأولوياتها الوطنية إلى حد كبير. والأسوأ من هذا، فقد تم  تطبيق اليورو دون وجود آلية لضمان الرقابة المالية، كما أن قادة أوروبا  دائما ما يشعرون بالقلق إزاء الانتخابات.

تبرز العيوب الأساسية بشكل خاص فى الأوقات الصعبة. ودعوة رئيس الوزراء اليوناني السابق جورج باباندريو فى أوائل نوفمبر، والتي لم تكن متوقعة وتم التراجع عنها فى وقت لاحق، إلى إجراء إستفتاء حول حزمة الانقاذ  المالي صعبة المنال، ألقت الضوء على الأبعاد المعقدة الداخلية لعملية صنع السياسة في الاتحاد  الأوروبي .

التعويل على التخلص من القيود الذهنية

ما يحدث على جانبي المحيط الأطلسي يوضح أن الأزمات التى تعاني  منها الولايات  المتحدة وأوروبا هى بالأساس سياسية أكثر منها اقتصادية، ومنهجية أكثر منها مالية.

ومهما كانت أسباب الأزمات، أدى عجز واشنطن وبروكسل خلال  العام  عن القيام بعمل إلى تفاقم هذه الأزمات. ولأن  هذه المشكلات  تستهلك المزيد من الوقت والثقة، وصلت تكلفة ايجاد علاج  لها وتطبيقه إلى  معدل مرتفع.

وبناء على هذه الخلفية القاتمة، لا بد أن يشرع  صناع  السياسة في الولايات المتحدة وأوروبا في كسر الأغلال   الذهنية وتحرير أنفسهم من "السجون الفكرية" لصنع اختلاف  حقيقي للخروج من هاوية أزمة الديون. 

إن علاج  أزمات من هذا النوع  يتطلب اللجوء إلى الحنكة بدلا  من سياسات حافة الهاوية، كما يتطلب وجود شركاء مخلصين بدلا من المتحزبين المتصارعين.

قد يجادل البعض بأن أحد أسباب فشل واشنطن وبروكسل في إدارة  الأزمة  يتمثل في عدم وجود أي شعور حقيقي بالضرورة الملحة. وفيما  تزال سندات الخزانة تعد ملاذا  آمنا كما يظل اليورو يتنقل من يد إلى  يد، لا يعتبر السيناريو الحالي الأسوأ فيما قد يحدث.

ويشير المنطق فى هذا الاطار من وجهات النظر إلى أن الوضع الحالى  ما زال تحت السيطرة، وسوف يتخذ صناع  السياسات الاجراءات  اللازمة  عندما يظهر خطر حقيقى فى الأفق.

بيد أن هذا التفكير معيب إلى حد خطير ويحمل أعراضا  تشبه تماما  ما تمثله حافة الهاوية. وكل وضع يمكن السيطرة عليه إلى أن يخرج عن  نطاق السيطرة. وليس من المنطقي الزعم  بأن الأزمة  الحالية لا تشكل تهديدا حقيقيا على اقتصادات الولايات المتحدة وأوروبا.

حان الوقت للعمل، حان الوقت لأن  يشعر صناع  السياسات فى  الولايات المتحدة والاتحاد  الأوروبي  بالحاجة إلى عمل عاجل ولبذل قصارى الجهد لمنع أزمة الديون من الوصول إلى حالة أسوأ. كما حان الوقت لبناء جسور بين الفجوة السياسية والمنهجية، والعمل جنبا إلى جنب لوضع السياسات المالية من جديد على مسار التنمية المستدامة.

لدى الولايات المتحدة والاتحاد  الأوروبى  ما يكفى من الحكمة  والموارد لمعالجة المشكلات  الحالية باعتبارهما  مركزين قديمين  للبراعة الاقتصادية  والابتكار المالي. وطالما توفرت الإرادة السياسية، فهناك طريقة لعلاج  الأزمة.