ما شرعت الزكاة إلا لخير المجتمع وتقدمه وتأمينه ضد العوارض والأزمات التي تعصف به أحيانا وتحصينه ضد كل ما يعيق رقيه وازدهاره ورفده بكل أسباب تشجيع الإنتاج وتحقيق التكافل ومحاربة البطالة.

يقول سيد قطب رحمه الله (الزكاة تأمين اجتماعي للأفراد جميعاً، وهي ضمان اجتماعي للعاجزين، وهي وقاية للجماعة كلها من التفكك والانحلال).

النظام الاقتصادي الإسلامي لا ينكر التفاوت بين الناس في المعايش والأرزاق، لأنه يعود إلى تفاوت فطري في المواهب والقدرات، والاعتراف بهذا التفاوت ليس معناه أن يجعل الإسلام الغني يزداد غنيً والفقير يزداد فقرًا، فتتسع المسافة بين الفريقين، ويصبح الأغنياء طبقة كتب عليها أن تعيش في أبراج من العاج، تتوارث النعيم والغنى، ويمسي الفقراء طبقة كتب عليها أن تموت في أكواخ البؤس والحرمان.

بل أراد الإسلام من الزكاة أن تكون وسيلة للتقريب بين الأغنياء والفقراء في الأرزاق، وإلا فإنه لا فرق بينهما في الإنسانية وفي المكانة الاجتماعية، بل قد يكون الفقير أشد تميزًا من الغني عند الله وعند الناس ؟إن أكرمكم عند الله أتقاكم؟ الحجرات: 13.

وبالإضافة إلى دورها في التكافل الاجتماعي فإن للزكاة وظائف اقتصادية واجتماعية أخرى، منها: تأمين الإنتاج وزيادته. فقد جعل الإسلام الغارمين أحد مصارف الزكاة قال تعالى: ؟وفي الرقاب والغارمين؟ التوبة: 60 .

ومن جملة الغارمين مَن اقترض مالاً للإنتاج والاستثمار ومن اشترى سلعًا بأجل ولم يستطع الوفاء بالدَّيْن. وضمان توفية ثمن السلع المبيعة وضمان رؤوس أموال الإنتاج يضمن استمرار الإنتاج وزيادته بازدياد المساهمين في الإنتاج من غير أصحاب الأموال.

كما تضمن الملكية العامة تحقيق هدف الاقتصاد الإسلامي الكبير في تحقيق التكافل الاجتماعي، وذلك عن طريق التوازن الاجتماعي الذي تقوم به الدولة بالوكالة عن الأمة، غير أن الزكاة هي التي يُعوِّل عليها النظام الاقتصادي الإسلامي في نقل الفقراء من حالة الفقر إلى حالة الغنى، ومن حد الكفاف إلى حد الكفاية.

فالزكاة هي قَدْر معلوم يأخذه الحاكم بصفته الاعتبارية من فضول أموال الأغنياء ويرده على الفقراء. وقد ورد ذلك في قول الله تعالى: ؟خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصلّ عليهم إنَّ صلاتك سكن لهم؟ التوبة: 103 . وفي قوله تعالى: ؟والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم؟ المعارج: 24، 25

حد الكفاف

وقد أمر الرسول معاذ بن جبل عندما أرسله إلى اليمن أن يأخذ صدقة من فضول أموال الأغنياء ويردها إلى الفقراء. فإخراج الزكاة هو الذي يخرج الفقير من حد الكفاف ـ حيث لا يملك القدرة الشرائية، وحيث يكون الحد الاستهلاكي عنده صفرًا.

وحيث تكون الحاجة عنده إلى ضروريات العيش كبيرة جدًا ـ إلى حد الكفاية، حيث تتوفر لديه القدرة الشرائية ويستطيع أن يساهم في الدورة الاقتصادية، إذ إنه يصبح مستهلِكًا يحسب له حساب في الطلب الفعّال وهو الطلب الذي تسنده قوة شرائية.

وليس القصد من الزكاة هو سد حاجات الفقراء وإشباعها لبعض الوقت فقط، ولكن القصد منها هو إخراجهم من الفقر على الدوام، وذلك بتمليكهم الوسائل التي تحميهم من التردي في الفقر مرة أخرى وتنقلهم من الكفاف إلى الكفاية. وليست الكفاية إشباع حاجات الفقير الضرورية فقط بل تتجاوز ذلك إلى توفير الكماليات.

والتكافل معناه أن يكون الأفراد في كفالة جماعتهم ينصر بعضهم بعضًا، وأن تكون كل القوى الإنسانية في المجتمع متلاقية في المحافظة على مصالح الأفراد ودفع الأضرار عنهم، ثم المحافظة على البناء الاجتماعي وإقامته على أسس سليمة، قال رسول الله (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا) رواه مسلم.

إن هدف الزكاة هو إغناء الفقراء بالكلية وإخراجهم من الكفاف والحاجة إلى الكفاية الدائمة، وذلك بتمليك التاجر متجرًا وما يلزمه ويتبعه وتمليك الزارع ضيعة وما يلزمها وما يتبعها.

وهي بهذا تعمل على تقليل عدد الأجراء، والزيادة في عدد الملاك، ويحصل بهذا، التوازن الاقتصادي والاجتماعي العادل، ومقتضى هذا أن يشترك الناس في الخيرات والمنافع التي أودعها الخالق في هذه الأرض ولا يقتصر تداولها على الأغنياء وحدهم.

أحمد عبد المجيد