عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته : الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته؛ فكلكم راع ومسئول عن رعيته .

فى هذا الحديث الشريف : يذكر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن المسؤولية تقع على كل فرد من أفراد الأمة الإسلامية، فليست المسئولية قاصرة على الحاكم وحده، ولكنها شاملة لكل أفراد الأمة؛ فلئن كان الحاكم مسئولاً عن شعبه أمام الله تعالى.

فإن كل فرد من أفراد الأمة مسؤول كذلك عما اؤتمن عليه؛ كل في دائرة اختصاصه؛ فالرجل مسؤول عن أهل بيته، والمرأة مسئولة عن بيت زوجها، والخادم مسئول عن مال سيده.

وفيه من اللطائف البلاغية ما يلي:

1 - جاءت عبارات الحديث الشريف كلها أخبارا قوية مهمة؛ فكلها جمل اسمية، والجمل الاسمية تؤكد وأقوى من الجمل الفعلية؛ لدلالتها على الثبوت؛ وكلها مناسبة للمعاني التي أراد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يثبتها للمسلمين، وهى تحميل المسئولية لكل فرد من أفراد الأمة ؛ فكل فرد عليه مسئولية شخصية ثابتة لا تتعداه إلى غيره؛ وسوف يسأل عنها أمام الله تعالى يوم القيامة.

2 - إفراد الخبر في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (كلكم راع، وكلكم مسئول) فلم يقل (كلكم راعون) ولا (كلكم مسئولون) لكي تتحدد مسؤولية كل فرد على حدة؛ والمعنى: كل فرد من أفراد الأمة راع، وكل فرد من أفراد الأمة مسئول عن رعيته.

3 - حذف المتعلق من قوله: (الإمام راع) للعلم به ؛ والمقصود به جميع أفراد الأمة.

ولكن المتعلق قد ذكر في قوله: (والرجل راع في أهله) وفى قوله: ( والمرأة راعية في بيت زوجها) وفى قوله: (والخادم راع في مال سيده) لتحديد مسؤولية كل من الرجل، والمرأة، والخادم.

فالرجل: عليه المحافظة على أهله وأولاده، بالإنفاق عليهم، وتنشئتهم، وتربيتهم التربية الدينية الصالحة القائمة على الأخلاق الحميدة، والمبادئ الإسلامية السامية. والمرأة عليها المحافظة على بيت زوجها، وماله وعرضه. والخادم عليه أن يحافظ على مال سيده، وأن يكون أمينا في معاملته له.

4 - الإيضاح بعد الإبهام، أو التفصيل بعد الإجمال: فقد أبهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الرعاية أو أجملها، وكذلك المسؤولية في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) ثم أوضحها أو فصلها في بقية الحديث الشريف.

فبدا المعنى في صورتين مختلفتين: إحداهما مبهمة أو مجملة، والأخرى موضحة أو مفصلة؛ فازداد المعنى بذلك تقريرا، وتمكنا في النفس، وكملت لذة العلم به، وفخم الأمر في ذهن السامع وعظم، والمقام يقتضى هذا التفخيم، ويحتاج هذا التعظيم.

5 - ولا يخفى ما في الحديث الشريف من محسنات لفظية ومعنوية؛ كجناس الاشتقاق بين الراعي والرعية، والطباق بين الرجل والمرأة وبين السيد والخادم.

وكذلك نجد ما يسمى تشابه الأطراف ـ وهو نوع من أنواع ما يسمى بمراعاة النظير ـ وهو: أن يختم الكلام بما يناسب أوله؛ فقد بدأ الحديث الشريف بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته) وختمه بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (فكلكم راع ومسؤول عن رعيته).

د. حسن إسماعيل عبد الرازق