قال الشيخ:حديثي اليوم قد يثقل على البعض مع أنه محك الرجال والصدق في الأحوال والأعمال، وأذكر نفسي بأنني لست خيرا ممن أنصح وأعوذ بالله من أن أدعي ذلك، بل لعلي أكثر حاجة إلى من ينصحني من أجل تحقيق الإخلاص، فرب سامع خير من ناصح ورب منقول إليه خير من ناقل.

بل إنني سمعت واحدا من مشايخنا يقول: ان سكيرا يمضي الليل في الحانات وهو يعاقر الخمر أكثر عرضة لرحمة الله مني ان لم أتحقق بالإخلاص في نصحي وتربيتي لكم، أسأل الله أن يجعلني ممن يغمرهم برحمته وغفرانه، وليس العبرة في الكلام واعتلاء المنابر، وإنما هي في الصدق والإخلاص وعدم النظر إلى (انا) التي كثيرا ما تلقي بصاحبها في جهنم.

انه مما علم من الدين بالضرورة أن الله فعال لما يريد، وكم من نعمة أتت وراحت دون أن يكون للمرء حصة منها، وكم من محنة حلت وارتحلت دون أن تؤذي صاحبها، فان نظرنا إلى أفعال الخلق على أنها تجليات لأفعال الحق بطلت أسباب الهم والغم وحل محلها الطمأنينينة والسكون مع التسليم لله الحق القيوم في كل ما أراد وقضى.

روي عن حاتم بن عنوان الأصم أنه قال :كنت في بعض الغزوات فأخذني تركي وأضجعني للذبح فلم يشتغل به قلبي، بل كنت أنظر ما يحكم الله بيننا فبينما هو يطلب السكين من خلفه فأصابه سهم عربي فقتله فطرحه عني.

وان نظرنا إلى الموضوع بتجرد، ألا يمكننا القول إن لكل حياة أجل، وهذا يعني أن حاتم ما كان ينظر إلى التركي على أنه قاتله،لأنها ان كانت النهاية فبيده أو بيد غيره أو بدون يد أبدا وهو على سريره،وقل مثل هذا بالنسبة لكل فعل وحال.

أي لا تنسبهما لأحد إلا الحق سبحانه وتعالى، ولا تطلب العون والمدد إلا منه، فان كان عز وجل هو المحيي المميت والمعز المذل والخافض الرافع فانه يستخدم أفراد الخلق لتحقيق أفعاله، ومن علامة سلامة القلب ألا ترى الا الله وراء أفعال الخلق وأن تكون شاكرا وصبورا في كل الأحوال.

وسليم القلب لا تشغله النعم ولا المحن عن خالقها الحقيقي، وهو يعلم علم اليقين أن النعمة تستحق الشكر وهو ليس أهلا لها بل هي من فضل الله ونعمته، وأن المحنة هي من ذنب اقترفه، أو أنها ابتلاء من الله عز وجل لصبره وحبا لسماع ندائه.

فلا تشغله النعمة ولا المحنة عن واجب التقرب والعبادة في الوقت سيما وأن الموت لا موعد له قال بعضهم:(المؤمن يضع نفسه كأنها ليست له فتمر عليه المقادير على وفق إرادة من هي له، فانه سبحانه اشتراها فان شاء نعمها وان شاء ابتلاها).

فأول ما تقوم عليه سلامة القلب اليقين المستقر الذي لا يتزعزع بأن الله وراء كل فعل من أفعال الخلق وكل حال من أحوال العبد، وأن المرء ماله إلا التسليم أولا ثم معالجة الأمور بما يرضي الحق سبحانه وتعالى، لأنه قد أمر بذلك وليس لأنه الفاعل الحق، ثم يكون لله ما أراد ونعم ما يريد.

واعلم أن الناس لما شغلوا بالدنيا وجعلوها همهم الأول راحوا يحسبون للمحن فيها ألف حساب وقبل أن تقع، بل لعل البعض يركبه الخوف من شدة قد تقع بعد سنين طوال قد لا يمتد إليها أجله، وراح آخرون يطمعون بالنعم ويحسبون لها ألف حساب ويقصدون لها ألف سبيل وقد لا يبقى من أعمارهم ما يتيح لهم تحقيق مرادهم.

فلا تشغل نفسك إلا بساعتك التي أنت فيها شاكرا الله على ما أنعم صابرا محتسبا على ما منع،عاملا على زراعة الآخرة التي إليها مآلك في كل الأحوال، مستسلما لله فيما حكم وقدر، واعلم أنك ان وعيت ما أقول وسلمت نفسك لبارئها ومعطيها تذوقت في هذا حلاوة في قلبك لا تعدلها حلاوة إلا حلاوة اللقاء يوم الحساب.

حديث الشيخ ماهر سقا أميني