طالت مصر خلال العام 2010 بوادر انتعاش اقتصادي بعد الأزمة العالمية لكنه لم يؤثر فعلياً في تخفيض عجز الموازنة أو خفض نسبة البطالة، أو تخفيض الأسعار التي بلغت أرقاما قياسية ولم ينعكس على أحوال الطبقة الوسطى والفقراء ما أثار المخاوف من ثورة جياع. وزادت في العام الحالي إيرادات القطاعات الرائدة في الاقتصاد مثل قناة السويس والسياحة وتحويلات المصريين العاملين بالخارج إلاّ أن هذا الوضع لم ينسحب على قطاع العقارات الذي عانى من بطء في النمو وهو الذي يمتص القدر الأكبر من العمالة المصرية ناهيك عن الارتفاع الجنوني للأسعار.
مؤشرات إيجابية
وحققت إيرادات قناة السويس نمواً بلغ 12% في الفصل الأول من العام المالي الحالي 2010-2011 مقارنة بانخفاض إيراداتها بنسبة 3% في العام المالي 2009-2010. وحققت نمواً في الإيرادات حتى نهاية نوفمبر بلغ 3. 10%. وبلغ معدل النمو في قطاع السياحة في الفصل الأول 1. 12% مقارنة بحوالي 3. 1% عام 2008-2009، فيما سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج ارتفاعاً كبيراً في العام الحالي فتجاوزت 75. 9 مليارات دولار.
وبلغ معدل نمو الاقتصاد المصري في نهاية الفصل الأول 6. 5% مرتفعاً عن 3. 5% في العام المالي 2009-2010. وكان معدل النمو تراجع إلى 7. 4% في 2008-2009 في ذروة الأزمة المالية العالمية، بعد ثلاث سنوات سجل خلالها نمواً تجاوز 7%.
وتراجع معدل التضخم في نوفمبر الماضي 2. 10% إلى أدنى مستوى له منذ أغسطس 2009 حينما بلغ 9% على أساس سنوي. وعلى صعيد الطاقة والمعادن خطت مصر بقوة باتجاه إقامة أولى محطاتها النووية، واختارت موقع الضبعة في الشمال لإنشائها، كما ستجري في ديسمبر الجاري مناقصة عالمية لاختيار الشركة المنفذة. وشهد يناير من العام 2010 بدء تشغيل منجم السكري للذهب في مرسى علم حيث تعدى إنتاجه 7 أطنان هذا العام على أن ينتج 8 أطنان عام 2011 مما يرشحه لدخول قائمة أكبر 10 مناجم في العالم. ويتوقع الخبراء أن يبلغ إنتاج مناجم الذهب في مرسى علم ألف مليار دولار.
عجز الموازنة
لكن هذه المؤشرات الإيجابية لم تنعكس فعلياً في تخفيض عجز الموازنة أو خفض نسبة البطالة، أو تخفيض الأسعار التي بلغت أرقاما قياسية وتهدد، حسب مراقبين بثورة جياع في ظل ضعف الأجور التي تصل في بعض الوظائف إلى 17 دولارا شهرياً. وكشف تقرير صادر عن البنك المركزي المصري عن ارتفاع عجز الموازنة العامة خلال الفصل الأول من العام المالي الجاري الذي بلغ 6. 6 مليارات دولار، مقابل 3. 6 مليارات دولار للفترة نفسها من العام السابق.
واعترف الرئيس المصري حسني مبارك، في بداية حملة الانتخابات البرلمانية للحزب الوطني الحاكم التي جرت في نوفمبر الماضي، بأن عدداً كبيراً من المصريين لم يستفيدوا من معدل النمو الأسرع. وأكد تقرير لغرفة الصناعات الغذائية باتحاد الصناعات المصرية استمرار الارتفاع الجنوني في أسعار السكر والقمح والأرز في الأسبوع الأول من ديسمبر فيما شهد الجنيه المصري معدلات هبوط قياسية أمام العملات الرئيسية كالدولار واليورو والين الياباني.
العقارات والاستثمارات
وشهد قطاع العقارات، الذي يستوعب أغلبية القوى العاملة تباطؤاً في النمو بخاصة مع بدء فصل الشتاء الذي يقل فيه نشاط السوق وتراجعت مبيعاته بنسبة بلغت 40% مقارنة بالعام الماضي نظراً لارتفاع الأسعار، ولأن المعروض من الوحدات السكنية أكثر من الطلب. واعتبر صلاح حجاب الخبير العقاري ورئيس لجنة التشييد بجمعية رجال الأعمال المصريين أن أسواق العقارات شهدت العام الماضي مزيداً من العرض للإسكان فوق المتوسط والفاخر، والذي يعتبر مستهلكوه من الأغنياء.
وقال حجاب ليونايتد برس انترناشونال أن هناك حاجة لتطوير العرض كي يلبي حاجات الفئات التي لا يمكنها شراء عقارات فاخرة. كما تراجعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مصر بنسبة 7. 16% وبلغت نحو8. 6 مليارات دولار مقابل1. 8 مليارات دولار خلال السنة المالية السابقة، في ظل تضارب التصريحات الحكومية حول إمكانية وضع خطة جديدة للتحفيز الاقتصادي. ورفض الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد والتمويل بجامعة القاهرة رشاد عبده الربط بين تراجع الاستثمارات المباشرة والمخاوف من انتقال السلطة التي تصاعدت العام الماضي بعد تقارير عن اعتلال صحة الرئيس المصري. وقال عبده إن تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة ناجم عن الشح الاقتصادي.
ومع تفاقم المخاوف من ضعف نمو الاقتصاد العالمي، الذي قد يؤثر في تباطؤ النمو الداخلي، قالت الحكومة المصرية في أكتوبر الماضي إنها تدرس وضع خطة تحفيز مالية جديدة لمواجهة أي تداعيات سلبية للأزمة المالية العالمية على اقتصادها في الفترة المقبلة. وكانت الحكومة ضخت 25 مليار جنيه في إطار خطة لتحفيز الاقتصاد تمت على مرحلتين عقب تفاقم الأزمة المالية العالمية، ونجحت في تجنيب الاقتصاد الكثير من سلبيات الأزمة.
لكن وزارة المالية قالت أنها ستعتمد خلال الفترة المقبلة على مشاريع تشاركية مع القطاع الخاص بخاصة في البنية التحتية ما يسهم في زيادة معدلات النمو وإيجاد فرص العمل مما يؤدي إلى تحفيز الاقتصاد. ورأى عبده أن الفترة المقبلة تتطلب تنشيط المجتمع الاقتصادي وتسليف الهيئات والأفراد والشركات بما يساعد على حل مشكلة البطالة وزيادة عائدات الضرائب، متوقعاً أن تساهم خطة التحفيز المقبلة في استمرار ارتفاع معدلات النمو لتتجاوز 6% بنهاية العام 2010-2011. وفي نهاية العام 2010 يبقى الأمل مع توقعات استمرار ارتفاع معدلات النمو، بوصول ثمار الانتعاش الاقتصادي لمحدودي الدخل والطبقة المتوسطة، بما يعوضهم عن عناء عامين من الشح.
