قال الشيخ: ذكرنا أن الحقائق واضحة جلية لمن قصدها ومع ذلك فإننا لا نسلك في حياتنا بمقتضاها، وأن أكثر ما نتصف به في هذا الزمان هو كثرة العلم وقلة العمل، الأمر الذي لا ينسجم إلا مع من فقد عقله وأضاع رشده، ولكننا جميعاً بفضل الله عقلاء فما الذي يجعلنا لا نقصد ما أمرنا به في كل حال وفيه راحة الدنيا وفوز الآخرة؟

الأمر ببساطة هو أن للقلب حجباً لا تتيح لأنوار الحق ـ وهي غذاؤها الذي يحقق فيها الحياة ـ أن تدخل فيه، وأول هذه الحجب حب الدنيا والركون إليها والاكتفاء بها، ذلك أن من رأى في الدنيا ما يحقق مراده ويشبع توقه ويجعله ممن يركن إليه ويكتفي به عميت بصيرته وصار كمن نزلت غمامة سواد على عينيه تراهما من الخارج سليمتين وهما عليلتان لا تقدران على البصر، ويتبع ذلك خسة في الهمة تنجم عن خسة المهتم به، فمن أين لمثل هذا أن تدفعه همته إلى السلوك في طلب مرضاة الله والعيش على معاني القرب في الدنيا والطمع به في الآخرة.

وأسوأ ما يمكن أن ينزل إليه المرء هو انحطاط الهمة والاكتفاء بمتاع الدنيا إذ ماذا تنفع المعارف من لا يبحث أصلاً عن شيء ينقصه ويتوق إليه، وأكثرنا اليوم ممن اكتفى بدنياه ورأى ما فيها يستحق أن تبذل له كل الجهود ويطرق إليه أوعر الطرق، وهذا يعني أننا قد ضللنا الطريق ولم ندرك قيمة الوقت القصير في هذه الدنيا من أجل إعمار آخرة لا تنفد.

هذا الضلال أن نظر إليه بميزان العقل وجدناه أقرب إلى الجنون أو الإعاقة العقلية، لأن الميزان لا يمكن في حال من الأحوال أن يرجح كفة الدنيا ولو صفت كأحسن ما يكون الصفاء لصاحبها على كفة الآخرة، بل لا يمكن أن يرجح كفة الحياة الحسية في الدنيا نفسها على كفة الحياة مع التقرب إلى الله ومعانيه مما أطلق عليه اسم جنة المعارف، مثل قليل الهمة هذا وقليل التطلع وقليل الطمع ما قعد به عند الأدنى إلا عبودية للهوى وللذات القريبة الآجلة.

قال بعضهم: (ترى للرجال صوراً متقنة جميلة وألسنة ناطقة بالعلم فصيحة فإن وزنوا بميزان الحقيقة وقعت الفضيحة).

يقول الحق سبحانه وتعالى: (الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا)؟ فذلك هو غطاء الغفلة الناجم عن كفر ـ والعياذ بالله ـ أو عن استغراق في حب الدنيا والسعي لما فيها، والغطاء هنا مله عن الذكر بمعنى الفكر وبمعنى العبادة وبمعنى تصحيح النية وعقد القصد وراء كل عمل أن يكون لله وبالله وإلى الله، وكم هو شقي من ألهته دنياه عن ذكر مولاه.

ومن أعظم أسباب انحطاط الهمم والعلم بلا عمل الاستغراق في السعي إلى الرزق والاهتمام لذلك، فتلك هي فتنة الفتن التي لا يداويها إلا صحيح الإيمان، فالرزق أشد طلباً للعبد من أجله، وفي القرآن الكريم: (وفي السماء رزقكم وما توعدون، فورب السماء والأرض انه لحق مثل ما أنتم تنطقون) وما أعظم هذا القسم وأجله! وما أغبى من لا يؤمن بما أقسم به الحق سبحانه وتعالى بنفسه، فالسعي للرزق مأمور به ولكن الاهتمام له والانشغال به عن كل شيء أمر يتنافى مع حقائق الإيمان، أما إن كان طلب الرزق يعني عدم القبول بأقل ما يطمع إليه المرء مهما عظم فذلك نوع من الاستغراق في عبودية الدنيا مما لا يمكن أن تحمد عواقبه.

كما تنحط الهمم عندما يريد المرء أن يعيش إيمانه بنفسه دون صحبة صالحة ودون مرب خبير بأحوال القلوب، وأن يكتفي بقليل علم قد ينفعه في إتمام عباداته دون نقص ولكنه لا يمكن أن يكون غذاءً دائماً للروح والوجدان، فما مثل مجالس العلم تبقي القلب يقظاً حياً نابضاً بحب مولاه وذكره، وما مثلها يزيد في ورع المرء وخشيته وتقواه، ودروس العلم اليوم أكثرها مهجور بينما المقاهي تعج بالعابثين من مضيعي الأوقات والأعمار، فكيف يحيا قلب امرئ ترك جلسة العلم في المسجد وجلس في المقهى يلعب النرد ويدخن (الأرجيلة) تحت أي عنوان وبأي تبرير؟! نسأل الله العافية.

ماهر سقا أميني