كلما اشتدت أزمات الأمة، وكادت الحيرة تعصف بأولي الألباب فيها عادت الأمة إلى سيرة نبيها العطرة تلتمس أسباب الهداية ومفاتيح الرشد، وتضع أيديها على الدروس النافعة في كل حدث، استنهاضاً للهمم، وتزكية للعزائم، ودفعا لليأس، وتقوية للأمل والرجاء.

إن الإخلاص للّه تعالى في كل عملٍ هو أساس قبوله، ومحور صلاحه، وقد كانت الهجرة درساً بليغاً في ذلك، وكان التأكيد على الإخلاص فيها أشد، حتى اختصت الهجرة من بين سائر الأعمال الصالحة بأن ضُرِب بها المثل في ذلك.

فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن عُمر بْن الْخطّابِ رضي الله عنه قال: سمِعْتُ النّبِيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقُولُ: «يا أيها النّاسُ إِنّما الأعْمالُ بِالنيّاتِ، وإِنّما لِكُل امْرِئٍ ما نوى، فمنْ كانتْ هِجْرتُهُ إلى الله ورسُولِهِ فهِجْرتُهُ إلى الله ورسُولِهِ، ومنْ هاجر إلى دُنْيا يُصِيبُها أو امْرأةٍ يتزوّجُها فهِجْرتُهُ إلى ما هاجر إِليْهِ».

وكان المهاجرون الكرام ـ رضوان الله عليهم ـ على تمام العلم بذلك، وعلى كمال الإخلاصِ في هجرتهم، كما وصفتهم بذلك الآيات والأحاديث الكثيرة.

أجل، خرجوا يريدون وجه الله، لا ينتظرون أجراً ممن سواه وشهد لهم بذلك رب العزة جلّ وعلا، فقال: «لِلْفُقراءِ المُهاجِرِين الّذِين أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ يبْتغُون فضْلا من الله ورِضْوانا وينصُرُون الله ورسُولهُ أُوْلئِك هُمُ الصّادِقُون» (الحشر: 8). ولعل أعظم دروس الهجرة والتي لا تخفى عن أحد هي المحبة لبعضنا البعض ولوطننا ولديننا وللقيم والمبادئ والمثل العليا، فكلما كانت المحبة عنوانا نستهدي بها كلما كانت الألفة والانتصارات أكبر.

وصدق الرسول الكريم حين قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».

فلنجعل من هذه الذكرى المباركة فرصة طيبة لأن يراجع كل منا نفسه أين أخطأ بحق نفسه أولاً وبحق أسرته وجاره ومن ثم بحق الوطن والأمة ويتراجع عن هذا الخطأ بكثير من الشجاعة والمحبة والإيثار وبذلك يكون قد أدى جزءا من الرسالة والتي هو مؤتمن عليها. فبالمحبة يبنى الوطن ويزدهر، وبالمحبة نعرف أنفسنا ونسامح بعضنا وتسمو أنفسنا، فهجرة نبينا كانت نحو السمو والألق ونحو النور الإلهي ومكارم الأخلاق، وعلينا الاستفادة من وحي ذكراها الخالدة.

إن الإحياء الحقيقي للهجرة هو إحياء السنة، وإحياء ذكرى الهجرة، وتعليم ذلك لأبنائنا، وتعريفهم بالجهود المستفادة من الهجرة، واتباع خطى الحبيب المصطفى في أقواله، وأفعاله، وهجر الأشياء، والعادات السيئة إلى العبادات، والعادات الطيبة في حياتنا، واتباع أوامر المولى عز وجل والانتهاء عن نواهيه مثل: هجر السيئات إلى الحسنات، والمعاصي إلى الطاعات، والكبر إلى التواضع، والكذب إلى الصدق، والغيبة والنميمة إلى المصارحة والمكاشفة.

والربا إلى التجارة الطيبة، والظلم إلى العدل، والكسل والإهمال، إلى النشاط والدقة، والتواكل إلى التوكل، وعقوق الوالدين إلى برهما، والخلافات الأسرية إلى المودة والرحمة، والرشوة إلى المال الحلال، والكره إلى الحب، والتخاصم إلى التصالح، وجحود النعم إلى الاعتراف بها، ومهاجمة الدين بحجة التمدن والرقي والتقدم إلى الدفاع عنه واحتضانه والتمسك به، فهو طوق النجاة في يوم لا ينفع فيه مال، ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم

أحمد عبد المجيد