أعادت مؤسسة التصنيف الائتماني موديز الأسواق إلى دائرة الهلع مجدداً أمس وتراجعت الاسهم الاوروبية حيث هبط مؤشر ايبكس للاسهم الاسبانية 5. 1% بعدما قالت المؤسسة انها وضعت تصنيف اسبانيا قيد المراجعة لخفض محتمل بسبب ارتفاع حاجاتها التمويلية وشكوك بشأن قطاعها المصرفي وأوضاعها المالية المحلية. وتراجعت أسهم بانكو سانتاندر وبي.بي.في.ايه 7. 2 و2. 2 بالمئة على الترتيب.

وفي إحدى مراحل التداول تراجع مؤشر يوروفرست 300 لاسهم الشركات الاوروبية الكبرى 3. 0 بالمئة الى 67. 1128 نقطة بعدما ارتفع لسبع جلسات متتالية في أطول موجة صعود له على مدى ستة أشهر مسجلا أعلى مستوى اغلاق فيما يقرب من 27 شهرا. وفور صدور الإعلان تراجع اليورو وسجل الفرنك السويسري مستوى قياسيا امام العملة الأوروبية بعدما شجعت المخاوف بشأن مشكلات ديون بعض دول أوروبا المستثمرين على خفض تعرضهم لاصول محفوفة بمخاطر أكبر في منطقة اليورو والبحث عن بدائل أكثر أمنا. وساهم في تراجع اليورو ارتفاع الدولار بوجه عام بدعم من صعود عوائد السندات الأميركية بعد بيانات اقتصادية متفائلة في الولايات المتحدة مما عزز الاقبال على العملة الأميركية.

وبرزت مؤشرات على استمرار أزمة دول منطقة اليورو حيث وضعت وكالة موديز انفستور سرفيس التصنيف الائتماني لاسبانيا والبالغ أيه أيه ون قيد المراجعة لاحتمال خفضه متعللة بمخاوف بشأن تضخم ديون البلاد وحاجاتها التمويلية في 2011. وفي الجانب الآخر أظهرت بيانات أن الدين العام لايطاليا بلغ 5. 2 تريليون دولار في أكتوبر الماضي الأمر الذي أثار مزيدا من المخاوف.

تصنيف أسبانيا

وأشارت موديز الى مخاوف بشأن مدى سيطرة الحكومة المركزية في أسبانيا على السلطات المحلية في تنفيذ اصلاحات هيكلية على الاوضاع المالية العامة لاسبانيا. وقالت كاثرين ميولبرونر كبيرة محللي موديز لاسبانيا: تعتقد موديز أن المخاطر النزولية سالفة الذكر تستلزم وضع تصنيف اسبانيا قيد المراجعة لاحتمال اجراء خفض. لكن تود موديز أيضا أن تؤكد على أنها مازالت ترى أن وضع اسبانيا الائتماني أقوى بكثير من دول أخرى تتعرض لضغوط في منطقة اليورو. ويظهر هذا في التصنيف الاعلى بكثير للدين السيادي الاسباني. لذا من المرجح أن تخلص مراجعة موديز الى استمرار تصنيف اسبانيا في نطاق أيه أيه. وكانت ستاندرد اند بورز خفضت أول من أمس الثلاثاء نظرتها المستقبلية لتصنيف بلجيكا لمخاوف بشأن توقعات الوضع المالي العام.

وكانت الوكالة خفضت في نهاية سبتمبر علامة اسبانيا من العلامة القصوى ايه ايه ايه اثر عملية مراجعة بدأتها في نهاية يونيو. وبعد فترة من الذعر في الربيع بشأن خطة انقاذ اليونان والتي فاقمت بقوة اصدار السندات الاسبانية، عاد الوضع وهدأ في الصيف. غير ان توترا عاد ليبرز في الاسابيع الاخيرة حيث استمرت الاسواق في التشكيك في متانة اسبانيا المالية وهذه المرة بسبب خطة انقاذ ايرلندا، ما ادى الى عودة نسب الفوائد على السندات الاسبانية للارتفاع. وكانت وكالتا التصنيف الاخريان ستاندرد اند بورز وفيتش سحبتا بدورهما العلامة الاعلى لاسبانيا التي تظل مع ذلك تحتفظ بتصنيف جيد.

ديون ايطاليا

وسجّل الدين العام الإيطالي في أكتوبر من العام 2010 الجاري ارتفاعاً وصل إلى 120% من الناتج المحلي الإجمالي ليبلغ 5. 2 تريليون دولار مقابل 4. 2 تريليون دولار في سبتمبر الفائت. وانخفضت العائدات الحكومية 8. 1% في الأشهر العشرة الأولى من العام الجاري إلى 3. 294 مليار يورو أي 8. 393 مليار دولار بانخفاض 3. 5 مليارات يورو اي 7 مليارات دولار مقارنة بـ 6. 299 مليار يورو اي 400 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام 2009 الفائت. ويعتبر الخبراء أن البطالة الحالية التي يصل معدلها إلى 5. 8% هي المثير الأكبر للقلق.

عام كارثي

وكان العام 2010 كارثيا بالنسبة لاوروبا على الصعيد الاقتصادي مع الازمة المالية التي حلت باليونان وايرلندا واستوجبت اقرار خطتي لانقاذ البلدين تقابلهما خطتا تقشف ما ارغم منطقة اليورو على بدء حملة اصلاح معمقة لتخطي المحنة. واعلنت المستشارة الالمانية انغيلا ميركل ملخصة الوضع ان فشل اليورو فان اوروبا هي التي ستفشل. والواقع ان الازمة مستمرة منذ العام 2008. وبدأت الازمة مصرفية ومالية وقد صدرتها الولايات المتحدة الى اوروبا اثر افلاس مصرف ليمان براذرز، ثم تحولت الى ازمة اقتصادية مع حصول اخطر انكماش اقتصادي عرفته اوروبا منذ العام 1945، واتخذت هذه السنة منحى ماليا واجتماعيا تحت تاثير تزايد العجز في الميزانيات والديون، فارضة على جميع البلدان ضبط النفقات. والتقشف على اشده في اليونان التي وصلت الى شفير الافلاس، وفي ايرلندا حيث تم الحد من المساعدات الاجتماعية وتخفيض اجور موظفي الدولة وزيادة الضرائب. وهو الثمن المتوجب تسديده للحصول على مساعدة الاتحاد الاوروبي وصندوق النقد الدولي اللذين خصصا قروضا بقيمة 110 مليارات يورو لليونان في مايو وقروضا بقيمة 85 مليار يورو لايرلندا في نوفمبر.

مخاوف العدوى

وفي هذه الاثناء تراقب الاسواق الدول المرشحة لانتقال العدوى اليها وفي طليعتها البرتغال واسبانيا. وهذه الازمة جاءت بمثابة صفعة قوية لاوروبا التي تشعر بتراجعها ازاء القوى الناشئة. فصندوق النقد الدولي لم يهرع هذه المرة لمساعدة دول مثل المكسيك والارجنتين واندونيسيا، بل دول اوروبية. وفي سياق البحث في التطورات التي اوصلت الامور الى هذا الحد، يشار الى ان المساعدات العامة للمصارف التي تسببت بنشوء الازمة اساسا، تلقي اليوم بثقلها على مالية الدولة. لكن الامر لا يقتصر على ذلك. فاوروبا تدفع ثمن تزايد بطيء وثابت في دينها منذ السبعينات وانتهاء مرحلة النمو الاقتصادي القوي في الفترة ما بين 1945 و1974، وهي منذ ذلك الحين تقترض للحفاظ على مستواها المعيشي. وقال دبلوماسي اوروبي ان الاسواق اعطت اشارة بانتهاء العطلة.

المرحلة المقبلة

وبعد الازمة الاجتماعية التي ظهرت جليا في بلدان عدة مع التظاهرات العنيفة في لندن ضد رفع الاقساط المدرسية والجامعية واحراق مصرف في مايو في اليونان ما تسبب بسقوط قتلى والاضطرابات حول اصلاح النظام التقاعدي في فرنسا، من المحتمل ان تقضي المرحلة المقبلة بقيام ازمة سياسية. وقال الرئيس السابق الفرنسي للمفوضية الاوروبية جاك دولور مبديا قلقه ان اوروبا تتراخى وتعبرها تيارات شعبوية وقومية. وفي هذا السياق يسجل بروز اليمين المتطرف مع تحقيقه اختراقا تاريخيا في السويد عام 2010 وتقدما في دول مثل هولندا والمجر. ويبدي المسؤولون الالمان في الجلسات الخاصة مخاوف من ان يغتنم الشعبويون ازمة اليورو في بلادهم ايضا ويستفيدون من المعارضة الشعبية المتزايدة لدفع ديون دول الجوار.

تجنب التفكك

وسعيا منها لتجنب التفكك باشرت منطقة اليورو التي تعتبر من ابرز مشاريع الاتحاد الاوروبي عملية تحول من اجل اصلاح نقاط الخلل المتوارثة منذ تأسيسها من خلال اقرار اصلاحات لم تكن لتخطر في بال احد قبل فترة قصيرة.

وقام الاتحاد النقدي بازالة الحاجز الالماني الذي كان يمنع اي الية تضامن مالي بين الدول وتم اقرار صندوق انقاذ بقيمة 750 مليار يورو بشكل عاجل في مايو في ختام سباق ضد الساعة لانقاذ اليورو. وسيتم تثبيت هذا الصندوق من خلال تغيير للمعاهدة الاوروبية يبدأ العام المقبل. كما سيتم تشديد شروط الانضباط في الميزانية. وستلزم الدول الاوروبية اعتبارا من العام 2011 بالحصول على موافقة بروكسل على مشاريع ميزانياتها الوطنية قبل طرحها على البرلمان لاقرارها، ما يعتبر بمثابة ثورة حقيقية. وسيترافق هذا الشرط مع تشديد العقوبات بحق الدول المتساهلة بهذا الصدد.

تخطي المحرمات

وبعدما اعتبر لفترة طويلة من المحرمات بدأت ملامح اتحاد مالي تلوح في قلب القارة العجوز. وكتب دومينيك هيرليمان الباحث في معهد بيرتلسمان في دراسة: قبل اشهر قليلة كانت قلة من انصار اوروبا المتحمسين يجازفون بالكلام عن الولايات المتحدة الاوروبية غير ان الاتحاد الاوروبي بات اليوم قريبا من هذا المشروع، ليس بدافع