أطلق مجلس دبي الاقتصادي أمس أول كتاب له بعنوان «الاتحاد النقدي وقضايا سعر الصرف: دروس لدول مجلس التعاون الخليجي» بحضور سمو الشيخ ماجد بن محمد آل مكتوم، رئيس هيئة دبي للثقافة والفنون، وجمعة الماجد رئيس مجلس دبي الاقتصادي، ومجموعة كبيرة من خبراء الاقتصاد والباحثين في قضايا العملات العالمية. وكرم سمو الشيخ ماجد بن محمد آل مكتوم محرري الكتاب وهما د. رولاند مكدونالد، أستاذ الاقتصاد في جامعة غلاسكو في المملكة المتحدة، ود. عبد الرزاق الفارس، كبير المستشارين في الأمانة العامة لمجلس دبي الاقتصادي.
ويستعرض الكتاب عدة دراسات قام بها متخصصون في السياسات النقدية وقضايا أسعار صرف العملات التي تواجه المجتمع الدولي بشكل عام ومنطقة الخليج بشكل خاص. وأقام مجلس دبي الاقتصادي ندوة حول الكتاب وقضايا حرب العملات التي تلقى اهتماما كبيرا من المجتمع الدولي في الوقت الحالي بفعل تداعيات الأزمة المالية العالمية، حيث قال الأمين العام لمجلس دبي الاقتصادي هاني الهاملي أن الأزمة أثرت بصورة مباشرة على اقتصادات الدول المتقدمة والنامية على حد سواء، وسيكون لها دور هام في تحديد معالم الوضع الاقتصادي في العالم في المستقبل.
وأشار إلى ما أسماه بظاهرة «البلورة الإقليمية» والمتمثلة بالتجمعات الإقليمية العملاقة، وأهمها الاتحاد الأوروبي الذي يعد أحد أهم عمليات التغيير الكبرى التي حصلت في القرن الماضي، إضافة إلى منطقة التجارة الحرة لشمال أميركا، ومنطقة التجارة الحرة الأوروبية، ورابطة دول جنوب شرق آسيا.
وذكر الهاملي أن مجلس التعاون لدول الخليج العربي جاء كأحد أهم التكتلات الإقليمية التي استطاع العرب تحقيقها في القرن العشرين، حيث يسعى إلى إيجاد أسس للتعاون في مختلف المجالات وتوحيد مواقفها.
الوحدة النقدية
ومن بين أهم المواضيع المتعلقة بدول الخليج موضوع الوحدة النقدية الخليجية وعلاقته بأسعار الصرف، حيث أصبح بنداً جوهرياً في أجندة أعمال دول مجلس التعاون الخليجي، وتندرج الوحدة النقدية في إطار مشروع التكامل الاقتصادي الخليجي الذي تنشده دول المجلس لتعزيز صوتها الموحد في إدارة الحوار والعلاقات مع التجمعات الاقتصادية الإقليمية والعالمية.
ورأى الهاملي أن التطورات الاقتصادية على مستوى العالم تفرض على دول المنطقة مراجعة سياسات الصرف الحالية المتبعة في ظل اعتمادها بصورة كبيرة على صادراتها من الطاقة الهيدروكربونية والتي تقّوّم بالدولار، حيث ترى الأمانة العامة لمجلس دبي الاقتصادي أن كل ما يحصل هو بمثابة تحدٍ أمام دول المنطقة.
وقال إن الكتاب الجديد هو حلقة في مسلسل الحراك العلمي الذي تقوم به الأمانة العامة للمجلس وفي إطار أبحاث السياسات الاقتصادية التي تصدرها حول مختلف القضايا الاقتصادية ذات البعد الاستراتيجي لاقتصاد الإمارات ودبي على وجه الخصوص.
حرب العملات
كما تطرق الهاملي إلى حرب العملات على الساحة العالمية على خلفية الخلاف الحاد الذي تصاعد في الآونة الأخيرة في اقتصادات العالم الكبرى. وقال هناك إجماع على أن دخول دول العالم في سباق حرب عملات ستترك آثاراً وخيمة على الاقتصاد العالمي من حيث زعزعة النظام المالي والتجاري، واحتمالية عودة الحمائية التجارية. وأشار إلى تقديرات الاونكتاد حول تراجع في حركة الاستثمارات الدولية خلال الربع الثاني من العام الحالي بلغ 25%.
وأضاف أن مجلس دبي الاقتصادي يسعى إلى دراسة الآثار المحتملة لهذه الظاهرة على اقتصادات منطقة الخليج وخاصة من خلال قناتي التجارة الخارجية وأسعار الصرف، الأمر الذي يستدعي التعرف على هذه الظاهرة ومضامينها.
وشهدت الندوة آراء مختلفة حول قضية الارتباط بالدولار، حيث رأى البعض أن هناك وحدة نقدية في منطقة الخليج بسبب ارتباط عملات المنطقة بالدولار، وحتى الكويت التي تخلت عن هذا الارتباط ما زال الدولار يمثل حوالي 80% من سلة العملات التي يرتبط بها الدينار الكويتي. وأشاروا إلى الآثار السلبية لهذا الارتباط خاصة فيما يتعلق باختلاف الدورات الاقتصادية بين المنطقة والولايات المتحدة.
لكن جمعة الماجد، رئيس مجلس دبي الاقتصادي، دافع بقوة عن ايجابيات الارتباط مع الدولار، مؤكدا أن الاقتصاد الإماراتي استفاد من هذا الارتباط، حيث ان استقرار سعر صرف العملة أدى إلى زيادة المصداقية والثقة في الاقتصاد الإماراتي وجذب رؤوس الأموال والاستثمارات العالمية على الدولة.
خيار استراتيجي
وأكد عبد الرزاق الفارس، كبير المستشارين في الأمانة العامة لمجلس دبي الاقتصادي، أن خيار العملة الخليجية الموحدة يجب أن يظل خيارا استراتيجياً لدول المنطقة على المدى البعيد بالرغم من وجود عقبات كثيرة تواجه المشروع وعدم جاهزية المؤسسات في المنطقة لإدارة عملة موحدة.
وأوضح أن عملية التوصل إلى عملة موحدة بين دول المنطقة يتطلب اتخاذ إجراءات كثيرة لتوحيد الأنظمة والقوانين والسياسات النقدية وبالتالي فإن العملية تحتاج إلى جهود كثيرة.
وقال إن اهتمام دول الخليج بالتوصل على عملة موحدة كان له دور ايجابي كبير في تسريع التنسيق بين السياسات والقوانين والإجراءات المتبعة في دول المنطقة، وهو الأمر الذي يعزز مسيرة مجلس التعاون لدول الخليج. وبناءً عليه يجب أن تظل العملة الموحدة هدفا استراتيجيا لدول المنطقة على المدى البعيد. لكن نعتقد أن هذا المشروع سيحتاج إلى سنوات كثيرة للتوصل إلى صيغته المناسبة.
وأشار الفارس إلى أن دول الخليج اتبعت نفس السيناريو الذي اتبعته دول الاتحاد الأوروبي من أجل الوصول إلى اليورو، لكن النموذج الأوروبي قد لا يكون صالحا لدول المنطقة بسبب الاختلافات الاقتصادية الكبيرة بين المنطقتين.
قضيتان
وقال ان هناك قضيتين حول العملة الموحدة، الأولى مدى استفادة المنطقة من هذا المشروع ونحن نرى أن المشروع جيد، حيث أدى إلى محاولات ناجحة لتوحيد البيئة الاقتصادية والمعايير التي تتبعها الدول الأعضاء. أما الثانية وهي مدى استعداد المنطقة لمثل هذا المشروع ونحن نرى أن المنطقة ليست مستعدة بعد وعلينا أن نعيد النظر في المعايير التي تم إنشاء على المشروع على أساسها.
واستعرض الفارس كتاب «الاتحاد النقدي وقضايا سعر الصرف: دروس لدول مجلس التعاون الخليجي»، حيث تطرق إلى مدى جاهزية الآليات المؤسسية الضرورية للاتحاد النقدي المقترح، بالإضافة إلى قضية سعر الصرف الثابت والارتباط بالدولار، سعر صرف ثابت لعملاتها المحلية مع الدولار، خاصة وأن دول المنطقة تعتمد بشكل رئيسي على عائدات صادراتها من النفط والتي تقوم بالدولار.
وأوضح أن الكتاب يضم أبحاثا بدأت في عام 2007 عندما ظهر نقاش قوي حول فك ارتباط الدرهم بالدولار في ذلك الوقت، حيث تتناول الايجابيات والسلبيات التي تنطوي عليها قرارات الاستمرار في الارتباط بالدولار أو التخلي عن سعر الصرف الثابت.
كما أن الأبحاث تقدم رؤية وأفكارا حول السياسات والإجراءات التي يجب أن تتخذها حكومة الإمارات في حال قررت التحول من سياسة سعر الصرف الثابت إلى سعر صرف متحرك.
ارتباط الدرهم بالدولار مستمر حالياً
أكد هاني راشد الهاملي، الأمين العام لمجلس دبي الاقتصادي، أن السياسة النقدية للإمارات هي قرار يرجع للقيادة السياسية في الدولة، وهي سياسة واضحة تؤكد استمرار الارتباط مع الدولار في الوقت الحالي.
وأشار إلى أن ما يقوم به مجلس دبي الاقتصادي هو طرح مختلف الآراء والتوجهات على الساحة العالمية، بحيث تتضمن تصور الايجابيات وسلبيات كل سياسة نقدية بشفافية، وفي النهاية فإن القرار السياسي يعتمد على دراسة عميقة لهذه الايجابيات والسلبيات واختيار ما يناسب الدولة.
وأوضح أن وجود اختلافات جوهرية في الدراسات المطروحة في كتاب «الاتحاد النقدي وقضايا سعر الصرف: دروس لدول مجلس التعاون الخليجي» من حيث رؤيتها للسياسات النقدية في منطقة الخليج، خاصة فيما يتعلق بقضية ارتباط معظم عملات المنطقة بالدولار والايجابيات والسلبيات لكل سياسة، هي اختلافات تعكس مختلف التحليلات الاقتصادية، حيث أعدها نخبة من الخبراء في مجال السياسات النقدية على مستوى العالم وفي منطقة الشرق الأوسط.
وقال إن هذه الاختلافات تعكس مناخا صحيا، حيث تقدم لصانعي القرار مجموعة متنوعة من الآراء وعلى الدولة أن تختار ما يناسبها.ويتناول الكتاب مقترحات حول الإجراءات التي يجب أن تتخذها الحكومة في حال قررت فك الارتباط مع الدولار. لكن الهاملي أكد أن هذه المقترحات تعكس رؤية الخبراء في الإجراءات الفنية والتنظيمية لعملية فك الارتباط مع الدولار، وهذا وضع صحي بحيث تكون لدى الحكومة رؤية واضحة حول هذه الإجراءات في حال تغيرت الظروف على مستوى العالم وكان هناك ضرورة لاتخاذ مثل هذا الإجراء.
وقال إن الخبراء المشاركين في الدراسات لديهم خبرة طويلة في المجال الاقتصادي وقاموا بدراسات مستفيضة حول مختلف الجوانب في السياسات النقدية.وأكد الهاملي أن قضية الارتباط بالدولار أو فك هذا الارتباط ليس هو جوهر القضية بقدر الدراسة المتأنية للمنافع والخسائر الناتجة عن كل خيار وبالتالي يجب النظر إلى المنافع والخسائر المترتبة على الاستمرار في الارتباط بالدولار أو اتخاذ قرار بفك هذا الارتباط.
وقال نحن في مجلس دبي الاقتصادي دورنا تكميلي واستشاري، حيث نطرح تصورات لضمان استمرارية النمو الاقتصادي في الدولة وتأثيرات التطورات العالمية على سلامة الأداء الاقتصادي. نحن نقدم هذه الدراسات إلى حكومة دبي وهي تقوم بالتواصل مع الحكومة الاتحادية من خلال المشاورات.
وأكد أن قضايا حرب العملات تدور بقوة على المستوى العالمي، وبالتالي فإن حكومة الإمارات تقوم بدراسة هذه السياسات التي تؤثر على الاقتصاد في الدولة بحيث تستطيع التعامل مع هذه الأوضاع. وأشار إلى أن جهات تدرس حاليا تأثيرات حرب العملات على الاقتصاد الإماراتي، خاصة فيما يتعلق بالتجارة.
دبي ـ محمد القاضي


