أجمعت آراء مصرفيين وخبراء ماليين على أن عام 2011 سيشهد تحولات جوهرية في القطاع المصرفي في الدولة، أهمها تراجع معدلات المخصصات وارتفاع أرباح المصارف وعودة النمو في الإقراض.

ورأى المشاركون في استطلاع لتوقعات المصرفيين والخبراء الماليين حول الأداء المصرفي في عام 2011 أن القطاع تجاوز مرحلة الأزمة العالمية ويتحرك الآن في مرحلة ما بعد الأزمة بمعايير ورؤية جديدة بعد أن اتضحت الصورة في كثير من الأمور العالقة وبخاصة توصل «دبي العالمية» إلى تسوية مع الدائنين.

وتتجلى أهم التأثيرات التي تلعب دوراً خلال هذه المرحلة في وجود مؤشرات قوية على صمود الاقتصاد في وجه تداعيات الأزمة المالية العالمية والإجراءات التي اتخذتها الحكومة لدعم الاقتصاد منذ بداية الأزمة والتي من المتوقع أن تؤتي ثمارها العام القادم، فضلاً عن استمرار التحسن في مناخ الأعمال بشكل عام.

وكانت قضية الارتفاع في مخصصات المصارف خلال العام الجاري على قمة أولويات أغلب المشاركين، حيث اعتبروها حالة استثنائية لن تتكرر في النظام المصرفي، وأن المخاوف حول الأداء الاقتصادي لعبت دوراً مهماً في قرارات المصارف بشأن زيادة مخصصاتها. وأكد المشاركون أن مستويات المخصصات التي تم تجنيبها العام الجاري يصعب تكرارها، حيث ان البنوك أصبح لديها مستوى مقبولاً من المخصصات في الوقت الحالي ولن تحتاج إلى تجنيب مبالغ كبيرة من المخصصات في المستقبل القريب. وحسب بيانات المصرف المركزي، فإن إجمالي مخصصات الديون المتعثرة والمخصصات العامة بلغ 1. 54 مليار درهم بنهاية أكتوبر الماضي، حيث شهدت زيادة بلغت 8. 10 مليارات درهم مقارنة بإجمالي مخصصات بلغ 3. 43 مليار درهم بنهاية 2009. ويؤكد المشاركون أن المخصصات خلال 2010 كان لها دور رئيسي في الضغوط على أرباح المصارف. ورغم ذلك استمرت معظم المصارف في تحقيق أرباح مقبولة في ظل الأزمة المالية العالمية والصعوبات التي تعرض لها القطاع المصرفي بشكل عام.

وأدت توقعات التراجع في المخصصات العام المقبل إلى ارتفاع التفاؤل حول أرباح المصارف في المستقبل، حيث ان المصارف لن تحتاج إلى تجنيب جزء كبير من أرباحها مقابل الديون المتعثرة، وبالتالي فمن المتوقع أن تعلن عن نمو في أرباحها خلال العام المقبل يصل إلى 10%، خاصة خلال النصف الثاني من 2011.

ويرى المشاركون أن ضغوط المخصصات قد تستمر خلال الربع الأول من العام القادم، حيث ان تعليمات المصرف المركزي الجديدة بشأن تصنيف القروض المتعثرة أدت إلى تخفيض مدة الإفصاح عن القروض المتعثرة من 180 يوماً إلى 90 يوماً وهذا ما سيؤدي إلى استمرار المخصصات عند مستويات مرتفعة على المدى القصير.

ومن بين التحولات التي من المتوقع أن يشهدها القطاع المصرفي هو عودة محفظة القروض إلى النمو من جديد العام القادم بعد أن شهدت تراجعات قوية في 2010 بفعل مخاوف البنوك من توسيع عمليات الإقراض في ظل حالة التشاؤم التي كانت سائدة في الأسواق.

ويرى المشاركون أن عودة المصارف لتوسيع محفظة القروض من جديد ستتميز بقواعد جديدة أهمها التركيز على الملاءة المالية للعملاء الأفراد والأوضاع في القطاعات التي تعمل بها الشركات، حيث من المتوقع أن يستمر التركيز على قطاعات معينة أهمها التسهيلات الائتمانية لتمويل التجارة. كما أنه من المنتظر أن تشهد عمليات التمويل العقاري تحركات جديدة العام القادم، خاصة مع عودة شركة «تمويل» إلى العمل من جديد والتوقعات بشأن حل مشكلة شركة «أملاك» قريباً. ويرى المشاركون أن أسعار العقارات في الدولة وصلت إلى أدنى مستوياتها وبالتالي تراجعت المخاطر على التمويل العقاري، الأمر الذي سيشجع البنوك على زيادة حصة التمويل العقاري في محفظة القروض، خاصة في ظل المنافسة القوية من المصارف الأجنبية والتي بدأت بالفعل في زيادة عروض التمويل العقاري في الدولة.

بل إن البعض حذر المصارف المحلية من أنها ستفقد جزءاً كبيراً من سوق التمويل العقاري لصالح البنوك الأجنبية في حال تأخرت عن الدخول إلى السوق من جديد وبسرعة.

ضخ مزيد من السيولة

وتوقع محمد نصر عابدين، الرئيس التنفيذي لبنك الاتحاد الوطني، أن تحافظ المصارف العاملة بالدولة على نفس مستويات أدائها خلال العام المقبل، معرباً عن اعتقاده بأن القطاع المصرفي بحاجة إلى ضخ مزيد من السيولة خلال العامين المقبلين للتمكن من زيادة الإقراض نظراً لأن شح السيولة في السوق عموماً يعني أن تظل المصارف متحفظة في الإقراض لضمان استعادة أموالها عند منح أي تسهيلات مصرفية مالية.

وقال عابدين إن من شأن المنافسة بين المصارف سواء أكانت محلية أم أجنبية أن تحسن من الأداء وتمنح المتعاملين أفضل الخدمات، مؤكداً أن ذلك يعد أمراً صحياً وطبيعياً في سوق مفتوح يعتمد سياسة العرض والطلب.

وتوقع أن تكون نتائج مصارف الإمارات إيجابية للعام الجاري مكتملاً وألا يشهد الربع الأخير منه تغييرات كبيرة مقارنة بالأرباع الثلاثة الأولى وأن يشهد العام المقبل تحولات طفيفة نحو التعافي، مشيراً إلى أن هناك مؤشرات محدودة على التغيير الإيجابي لمحاولة الخروج من الوضع الناتج عن الأزمة المالية العالمية، متوقعاً أن يستغرق الأمر فترة أطول خلال عام 2011.

معدلات المخصصات

ويرى سليمان المزروعي، رئيس الاتصال المؤسسي في بنك الإمارات دبي الوطني، أن معدلات المخصصات في النظام المصرفي في الدولة ستتراجع بشكل ملحوظ في 2011 بعد أن استطاعت كثير من المصارف تجنيب مخصصات مقابل الديون المعدومة والديون المتعثرة في 2010، خاصة خلال الربعين الثاني والثالث.

وأشار إلى ضرورة أن تستمر المصارف في اتخاذ مخصصات مقابل الديون المشكوك فيها، مؤكداً أن السياسات الحالية التي تتخذها المصارف هي سياسات رصينة يجب استمرارها إلى أن تشهد مستويات الديون المتعثرة المشكوك فيها حالة من الثبات عند مستويات طبيعية.

وأوضح أن كل مصرف يتخذ من الإجراءات ما يراه مناسباً لوضعه بحيث يوازن بين الأرباح والمخصصات والتوزيعات على المساهمين في آن واحد، بالإضافة إلى متطلبات الاحتياطي القانوني والاحتياطي العام ومتطلبات رفع رأس المال.

وأشار إلى أن أداء القطاع المصرفي يمكن أن يشهد تغييراً في الصورة بعد تراجع الضغوط التي خلفتها الأزمة، مؤكداً أن نتائج القطاع المصرفي خلال الربعين الثاني والثالث من العام الحالي جاءت مقبولة بالنسبة للظروف التي مر بها القطاع.

كما أوضح أن جميع القطاعات الاقتصادية مترابطة ومتداخلة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، الأمر الذي يجعل من الصعوبة التكهن بأوضاع قطاع بشكل منفصل. وقال إن قطاع التجارة كان متماسكاً خلال الأزمة لكن أجزاء من هذا القطاع، خاصة تجارة مواد البناء، تأثرت بالصعوبات التي يواجهها القطاع العقاري. كما أن قطاع السياحة مرتبط بشدة بالقطاع العقاري. وهذا التداخل بين القطاعات يجعل النمو في أحد القطاعات ينشط النمو في القطاعات الأخرى. وأضاف ان القطاع العقاري بدأ يشهد نمواً في الطلب خلال عام 2010 بنسب قليلة تتراوح بين 5. 2-3% ولكن هذه النسبة مقبولة في ظل ظروف الأسواق حالياً، خاصة أن الإمارات تعتمد على الطلب من الخارج، حيث تأتي الشركات الأجنبية وتعمل في الدولة وبالتالي يكون هناك طلب على العقارات. ونظراً لظروف الاقتصاد العالمي فإن هذه الحركة ما زالت بطيئة، الأمر الذي يلعب دوراً في استمرار المخاوف بين البنوك حول التمويل العقاري.

انفراجة في الإقراض

من جانبه توقع عبدالله بن خلف العتيبة، المدير العام للمجموعة المصرفية للشركات ونائب مدير عام القطاع المصرفي للشركات والاستثمار ببنك أبوظبي الوطني، أن يشهد العام المقبل انفراجاً نسبياً في تشدد البنوك العاملة بالدولة في منح القروض وخطوط الائتمان في القطاعات المختلفة، مشيرين إلى أن التشدد الذي ازداد بصورة ملحوظة عقب اندلاع الأزمة المالية العالمية يتجه للتخفيف ولكن البنوك ستظل متحفظة خصوصاً بالنسبة للقروض الشخصية بهدف تقليل نسبة المخاطرة.

وقال انه يرى من وجهة نظره الشخصية ان القطاع المصرفي الإماراتي من الممكن أن يحقق نمواً في أرباحه خلال عام 2011 يدور حول 10%، معرباً عن اعتقاده ان أداء المصارف العاملة بالإمارات كان جيداً بشكل عام في عام 2010 إذا ما أخذ في الاعتبار معطيات الأسواق في ظل عدم تحسن أوضاع أسواق الأسهم المحلية بصورة كبيرة على مدار العام وكذلك في ظل عدم تحسن المردود بالقطاع العقاري. وتوقع أن يكون عام 2011 عام الرؤية الواضحة التي سيمكن من خلالها تحديد بوصلة القطاع المصرفي وما إذا كان سيحقق نمواً صحياً أم انه سيشهد تباطؤاً في أدائه وذلك بعد أن تتضح الرؤية بالنسبة للمشاريع التي كانت مطروحة عام 2008 وما تم اكتماله منها خلال عامي 2009 و2010.

التمويل الإنتاجي

وأكد العتيبة أن البنوك التي التزمت بالشفافية الكاملة في أنشطتها خلال عام 2010 ستشهد تحسناً في نتائجها خلال عام 2011، معرباً عن اعتقاده ان القواعد الجديدة التي وضعها المصرف المركزي من شأنها أن توفر قدراً أكبر من الانضباط بالقطاع المصرفي وان تساعد على إظهار صورة أكثر واقعية وشفافية لأوضاع المصارف العاملة بالدولة.

وشدد على ضرورة أن تتخلى البنوك العاملة بالدولة خلال عام 2011 عن الحذر المبالغ فيه، فيما يتعلق بمنح القروض وخطوط الائتمان وعدم إغلاق مصادر التمويل عن قطاعات الاقتصاد الحقيقي، مؤكداً ضرورة عدم إهمال تمويل القطاع الخاص والتركيز فقط على التمويل الحكومي.

وأضاف انه على البنوك أن تولي اهتماماً خاصاً للتمويل الإنتاجي الذي يستهدف مشروعات تحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني ومنها على سبيل المثال القطاع الصناعي والقطاع التجاري.

تنظيم محفظة القروض

وتوقع صالح عمر عبدالله، مدير معهد الإمارات للدراسات المصرفية والمالية في أبوظبي، أن تتجه البنوك العاملة بالدولة خلال العام المقبل إلى إعادة تنظيم محفظة القروض لتتجه لقطاعات أقل مخاطرة وأكثر عائداً، مشيراً إلى أن الأزمة المالية دفعت المصارف إلى العودة إلى أساسيات العمل المصرفي بعيداً عن المخاطرة والمرونة المفرطة في منح التسهيلات المالية، متوقعاً أن تتساوى قيمة المخصصات التي سيتم تجنيبها العام المقبل مع نظيرتها في العام الجاري ما لم تظهر حالات تعثر تنكشف عليها مصارف.

وأكد أن التحرك الحكومي القوي السريع على المستويات الاتحادية والمحلية منذ بداية الأزمة حتى الآن أعاد الأمور إلى وضعها الصحيح حيث تميز بالمرونة والايجابية والتفاعل الواقعي مع التطورات مما كان له أثر إيجابي كبير على الاقتصاد الوطني عموماً والقطاع المصرفي خصوصاً. وقال إن الإمارات في أسلوب تعاملها الحكيم مع الأزمة المالية العالمية أثبتت للعالم انها قادرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب وان لديها من الإمكانيات البشرية والإدارية والمادية لمواجهة الأزمات أكثر بمراحل مما لدى الكثير من دول العالم المتقدم. وتوقع أن تركز البنوك خلال عام 2011 على سياسات إقراض متوازنة، مشيراً إلى أن عامي 2009 و2010 كانا عامين استثنائيين بكل المقاييس، فيما يتعلق بالأوضاع الاقتصادية على مستوى العالم وكانت لهما آثار سلبية على مختلف القطاعات بكل دول العالم إلا أن هذه الآثار كانت بنسب متفاوتة في حجمها من بلد لآخر ومن مؤسسة مالية لأخرى.

وقال انه على مستوى الدولة تأثرت القطاعات الاقتصادية بدرجات متفاوتة ولكن التأثير السلبي في مجمله بالإمارات يعد الأقل على مستوى معظم دول العالم بما فيها الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي. وكان للقرارات التي اتخذتها الحكومة الاتحادية والمصرف المركزي والحكومات المحلية في بداية اشتعال الأزمة العالمية الأثر الأكبر في المحافظة على استقرار أوضاع البنوك العاملة بالدولة، والمحافظة على مكتسباتها لذلك كان القطاع المصرفي الإماراتي من بين أقل القطاعات المصرفية بالعالم تأثراً بالأزمة وتمثل هذا التأثر في زيادة حجم الديون المصنفة، وبالتالي مضاعفة المخصصات وترتب على ذلك انخفاض الأرباح بنسب متفاوتة في بعض البنوك.

الخدمات المصرفية للشركات

أكد حسان جرار، رئيس الخدمات المصرفية للشركات والبنوك في الإمارات في بنك ستاندرد تشارترد، أن الخدمات المصرفية للشركات في الدولة ما زالت تمثل الجانب الأكبر من عمل القطاع رغم الصعوبات التي واجهت هذا القطاع خلال الفترة الماضية.

وأشار إلى أن قطاع الخدمات المصرفية للشركات ما زال يتمتع بدرجة مخاطر أقل من الخدمات المصرفية للأفراد، موضحاً أن أي شركة لديها علاقات واسعة مع عدة بنوك قد تصل إلى 15 مصرفاً في آن واحد وبالتالي لديها القدرة على التحرك والحصول على التمويل الذي تحتاج إليه من عدة مصادر وبالتالي تأثيرات المشكلات التي يمكن أن تواجه خدمات الشركات تأخذ وقتاً طويلاً نسبياً. كما أن الشركات لديها أدوات عديدة للسيطرة على التدفقات النقدية لديها مثل تخفيض التكاليف والنفقات غير الضرورية وتقليص عدد الموظفين.

وأوضح جرار أن قطاع الخدمات المصرفية للشركات شهد تحولات مهمة خلال العامين الماضيين، حيث ان جزءاً كبيراً من التسهيلات الائتمانية للشركات كان يذهب إلى قطاع المقاولات خلال السنوات الماضية، ووصل في بعض المصارف إلى 40% من محفظة التسهيلات للشركات، وهذا القطاع واجه مشكلات، وبالتالي حصلت المصارف على هذه التسهيلات ولم تقوم بتجديدها مرة أخرى وهنا تكمن القضية، حيث ان المصارف لديها سيولة ولكن لا تجد القنوات المناسبة لاستثمارها. كما أكد جرار أن التسهيلات الائتمانية لقطاع التجارة في الإمارات يشهد نمواً متواصلاً وتوقع أن يستمر هذا النمو في عام 2011، مشيراً إلى أن قطاع التجارة في الدولة، خاصة في دبي، يمثل جزءاً كبيراً ومهماً من محفظة الخدمات المصرفية للشركات.

كما توقع جرار أن تتراجع المخصصات خلال 2011 بشدة مقارنة بمعدل المخصصات في 2010. وقال عام 2010 كان عاماً استثنائياً بالنسبة للمخصصات ولا نتوقع أن يتكرر مثل هذا الوضع، حيث ان عملية جدولة ديون «دبي العالمية» لعبت دوراً مهماً في تحسن ثقة المستثمرين والمصارف، وبالتالي فإن هذا العام شهد أسوأ مستوى من المخصصات ولا نتوقع استمرار هذا المستوى العام المقبل. أتصور أن الفترة الصعبة بالنسبة للشركات الكبرى في دبي قد مضت في 2010 وستعاود هذه الشركات نشاطاتها مما يدعم الثقة خلال العام المقبل.

وحول التمويل العقاري، أكد جرار أن معظم البرامج الحالية تركز على توفير تمويل للعقارات المنتهية أو في السوق الثانوي. كما أن معدل الإقراض بالنسبة لقيمة العقارات انخفض بشدة ويصل حالياً في أفضل الحالات إلى 70% من قيمة العقار، حيث ان المصارف ما زالت حذرة ولا نتوقع أن يعود الوضع إلى مستويات سابقة عندما كانت تقدم المصارف تمويل يصل إلى 95% من قيمة العقار.

رسملة جيدة

وترى نانسي فهيم، المحللة الاقتصادية في بنك ستاندرد تشارترد، أن البنوك في الإمارات ما زالت تتمتع برسملة جيدة، الأمر الذي يمكنها من مواجهة أي تحد في المستقبل.

وأشارت إلى أن ظروف الائتمان لا تزال صعبة بسبب نسبة القروض للودائع. وقالت تظهر البيانات الأخيرة تحسناً ملحوظا، ولكنه من المتوقع أن تبقى ظروف الائتمان صعبة نسبياً خلال العام 2011 وذلك بسبب استحقاق عدد من الديون خلال العام. ويشهد الاقتصاد مؤخراً تعافياً تدريجياً وسيستمر ذلك خلال العام 2011 غير أنه من المستبعد أن يحصل تحول سريع في سوق العقارات الذي فيه وفرة من العرض.

تراجع المخصصات

ويتوقع محمد علي ياسين، رئيس شؤون الاستثمار في كاب إم للاستثمار، أن يشهد عام 2011 تراجعاً كبيراً في معدلات المخصصات في القطاع المصرفي وبالتالي سيؤدي إلى ارتفاع ملحوظ في الأرباح. وأكد أن عام 2010 شهد قاع التراجع في أداء المصارف في الدولة بحيث سيشهد القطاع حالة من الاستقرار خلال النصف الأول من 2011 ومن ثم يعاود الارتفاع في النصف الثاني من العام القادم.

وقال إن القطاع المصرفي كان متماسكاً بشكل عام خلال العامين الماضيين منذ بداية الأزمة المالية العالمية. وشهد القطاع ضغوطاً على الأرباح بسبب المخصصات الكبيرة التي جنبها خلال الفترة الماضية، لكن نتوقع تراجع المخصصات خلال العام المقبل وبالتالي سنشهد نمواً قوياً في صافي أرباح المصارف خلال 2011.

كما توقع ياسين أن تستمر المصارف في التركيز على توسيع الخدمات المصرفية للأفراد في النصف الأول من 2011، مشيراً إلى أن هامش الربحية العالي الذي يأتي من القروض الشخصية وقروض السيارات والبطاقات الائتمانية يدفع البنوك إلى التركيز على هذه الخدمات لتحقيق عائدات سريعة على رأس المال.

الودائع تتجاوز القروض

ويقول سانجوي سين، رئيس الخدمات المصرفية للأفراد في سيتي بنك الشرق الأوسط، إن محفظة الودائع في النظام المصرفي الإماراتي تجاوزت محفظة القروض في أكتوبر الماضي لأول مرة خلال 23 شهراً وهذا مؤشر جيد على التعافي في القطاع المصرفي، حيث يُظهر أن المصارف تتلقى تدفقات نقدية جديدة إلى محفظة الودائع لديها في حين أن معدلات القروض تنخفض.

لكنه يرى أن ارتفاع محفظة الودائع يرجع بشكل رئيسي إلى مخاوف المستثمرين الذين يبتعدون عن الأسواق الاستثمارية ويفضلون الودائع المصرفية الآمنة، بالإضافة إلى لجوء عملاء المصارف إلى زيادة نسبة الادخار في الودائع الثابتة.

وأكد سانجوي سين ارتفاع حدة المنافسة بين المصارف العاملة في الدولة لكن ما زالت حدود المنافسة في إطار الحد المقبول، حيث ان الجميع لديه حصة من السوق. وفي المقابل أصبح العملاء أكثر حساسية بالنسبة لسمعة المصرف واستقراره المالي وقوته عند اختيار وضع الودائع فيه. وبناءً عليه فإن المصارف التي تستطيع تقديم خدمات متميزة وقيمة مضافة، مثل حلول إدارة الثروات والخدمات المصرفية عبر الهاتف وسهولة إدارة السيولة وما إلى ذلك من الخدمات، أصبحت تجتذب انتباه المودعين ونجد أنها تتلقى تدفقات من الودائع بغض النظر عن مستويات الفائدة التي تقدمها للمودعين.

وقال لذلك فإن الفروق بين المصارف في السوق المحلي ستتركز على قدرتها في تقديم خدمات مبتكرة ومرونة وراحة للعملاء. أيضاً المصارف التي لديها معدلات سيولة جيدة لن تكون بحاجة إلى تقديم مستويات فائدة مرتفعة للحصول على ودائع عملائها الأفراد. وبالنسبة للقروض يرى سانجوي سين ان الصعوبات التي واجهت قطاعات الأعمال والمخاوف من انهيار قيمة الأصول لعبت دوراً كبيراً في الضغوط على عمليات الإقراض في الإمارات منذ بداية الأزمة المالية العالمية في النصف الثاني من 2008. ولكن في مرحلة ما بعد الأزمة حيث ان المصارف مازالت تركز على المخاطر، فإن قدرة العملاء، سواء أفراداً أم شركات، في الحصول على قروض بمعدلات فائدة جيدة ستكون اللاعب الأساسي في زيادة محفظة القروض في الدولة خلال 2011. وأعرب سانجوي سين عن اعتقاده بأن تحسن الأوضاع الاقتصادية في الدولة بالإضافة إلى تحسن رغبة الأفراد والشركات في الحصول على تمويل وزيادة قدرة المصارف على تقديم خطوط ائتمانية سيؤدي إلى تحسن وضع محفظة القروض خلال العام المقبل. وقال بالنسبة للخدمات المصرفية للأفراد نتوقع ارتفاع الطلب على القروض بفضل ارتفاع معدلات الثقة بين المقيمين في الدولة وزيادة إنفاق المستهلكين وبالتالي سيزداد الطلب على القروض الشخصية وبطاقات الائتمان.

توسيع الخدمات

ويعتقد رتشارد مستي، مدير عام بنك لويدز تي اس بي الشرق الأوسط، أن عام 2011 سيشهد تراجعاً ملحوظاً في معدلات المخصصات في النظام المصرفي الإماراتي مقارنة بالمعدلات المرتفعة التي شهدها القطاع خلال 2010.

وقال إن النظام المصرفي سيستمر في مواجهة تحديات خلال العام القادم لكن بمستويات أقل من التي شهدناها هذا العام. كما أن المصارف ستركز على علاقتها مع عملائها وتقديم خدمات عالية الجودة لعملائها المتميزين.

كما توقع مستي استمرار توسع البنوك في الخدمات المصرفية للأفراد على حساب الخدمات المصرفية للشركات، رغم أنه أكد أن خدمات الشركات هي الجانب الأهم في العمل المصرفي في الإمارات وفي منطقة الخليج بشكل عام.

وتوقع نمواً ملحوظاً في تمويل قطاعات معينة في الخدمات المصرفية للشركات، خاصة تلك التي تعمل في مجال التجارة والاستيراد والتصدير وإعادة التصدير. وأضاف أعتقد أن طلب القطاع التجاري على التسهيلات الائتمانية من المصارف سيرتفع، حيث تسعى هذه الشركات إلى الاعتماد على المصارف لضمان دفع المستحقات وحماية نفسها ضد تعثر عملائها وبالتالي تلجأ للمصارف لتقديم تسهيلات في هذا الجانب.

كما توقع مستي أن تؤدي التطورات الإيجابية في القطاع العقاري، خاصة مع عودة شركة تمويل إلى العمل من جديد وتوقعات عودة شركة أملاك في الربع الأول من 2011، إلى تخفيف المصارف العاملة في الدولة من شروط تمويل القطاع العقاري. وأكد أن عمليات التمويل العقاري الجديدة خلال العام القادم ستركز على المستخدم النهائي للعقارات في حين ستبتعد المصارف عن المضاربين في العقارات.

نمو التجارة

ويتوقع طارق الرفاعي، رئيس إدارة العملاء الدوليين في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا في بنك بي إن واي ميلون، أن يستمر النمو في الخدمات المصرفية لقطاع التجارة في المنطقة، مشيراً إلى أن أسعار النفط في الأسواق العالمية والتي بلغت 90 دولاراً للبرميل حالياً ستؤدي إلى مزيد من الانتعاش الاقتصادي في منطقة الخليج وبالتالي ستعزز من التجارة التي تمر عبر الإمارات.

وتوقع أن تواصل أسعار النفط ارتفاعها لتصل إلى حوالي 100 دولار في 2011، الأمر الذي سيعزز دور الإمارات في التجارة الإقليمية وبالتالي سيرتفع الطلب على التسهيلات الائتمانية لقطاع التجارة في الدولة، مشيراً إلى أن قطاع تمويل التجارة في الدولة يمثل جزءاً مهماً جداً من الخدمات المصرفية للشركات.

كما أكد طارق الرفاعي أن ارتفاع المخصصات في القطاع المصرفي يعتبر ظاهرة صحية سواء للقطاع أو للاقتصاد بشكل عام، حيث سيؤدي إلى بناء سيولة لدى المصارف وزيادة ملاءتها المالية.

من جانب آخر، رأى الرفاعي أن عمليات التمويل العقاري ستستمر في مواجهة ضغوط بسبب ارتفاع المخزون من العقارات في الدولة مقابل طلب ضعيف. وأشار على أن الطلب هو اللاعب الرئيسي في المعادلة حالياً، حيث ان ارتفاع الطلب على التمويل العقاري سيؤدي إلى زيادة عروض التمويل من جانب المصارف.

ارتفاع معدلات الثقة

وترى صوفيا البوري، محللة الشؤون المصرفية في شعاع كابيتال، أن النظام المصرفي في الإمارات شهد تحركات إيجابية جداً خلال الربع الأخير من العام الحالي، حيث قفزت الودائع في شهر أكتوبر الماضي بمعدل 40 مليار درهم لتصل إلى 053. 1 تريليون دولار. وأضافت ان إحصائيات المصرف المركزي تشير إلى أن الجانب الأكبر من هذه الزيادة في الودائع جاء من الودائع طويلة الأجل والودائع الثابتة، والتي تعكس ارتفاع معدلات الثقة في الاقتصاد الإماراتي بعد توصل مجموعة دبي العالمية إلى اتفاق على إعادة هيكلة الديون وما أعقبها من نجاح لسندات حكومة دبي. لكنها أشارت إلى أن معظم هذه الودائع اتجهت في الغالب إلى المصارف الأجنبية العاملة في الدولة وليس المصارف المحلية. وأشارت صوفيا البوري إلى أن الارتفاع الملحوظ في محفظة الودائع لم يتحول إلى ارتفاع مماثل في محفظة القروض التي تراجعت مما أدى إلى انخفاض نسبة الودائع إلى القروض من 5. 102% في سبتمبر إلى 5. 98% في أكتوبر وهو أدنى مستوى في ثلاث سنوات.

المركزي يتخذ إجراءات لتعزيز أداء البنوك

اتخذ المصرف المركزي عدة خطوات خلال العام الجاري لتعزيز الأداء في القطاع المصرفي أهمها وضع نظام جديد لتصنيف القروض وتحديد مخصصاتها، حيث يرتكز النظام على تحديد خمسة مستويات لتصنيف القروض تبدأ من القروض العادية تليها تحت المراقبة، ثم دون المستوى العادي تليها المشكوك في تحصيله، وأخيراً القروض الخاسرة.

كما طالب المصارف بتحديد مخصصات تتراوح بين 25-100% حسب كل فئة وبشكل ربع سنوي، أي بمعدل 90 يوماً، وذلك بدلاً من 180 يوماً في النظام السابق.

هذا التغيير في مواعيد تصنيف المخصصات يراه المحللون سبباً رئيسياً لاستمرار المخصصات عند معدلات مرتفعة حتى نهاية الربع الأول من العام المقبل، حيث يتعين على المصارف تقليص فترة السماح للمقترضين قبل تصنيف القروض على أنها متعثرة من ستة أشهر إلى ثلاثة أشهر.

كما أن المصرف المركزي طالب البنوك بأخذ مخصصات لديون دبي العالمية، لكن المحللين يرون تأثير ذلك ضعيفاً، حيث ان البنوك اتخذت مخصصات بالفعل منذ بداية العام الجاري.

الصيرفة الإسلامية تنمو بمعدل 20% سنوياً

توقع محمد أميري، نائب الرئيس التنفيذي في مصرف عجمان، أن تشهد الصيرفة الإسلامية نمواً بمعدل 20% سنوياً خلال الأعوام القادمة، بحيث يتضاعف حجم قطاع الصيرفة الإسلامية في الإمارات خلال خمس سنوات.

وأكد أن عام 2011 سيكون عام استعادة النمو في اقتصاد الإمارات بشكل عام والقطاع المصرفي بشكل خاص، حيث أشار على وجود مؤشرات التعافي في القطاعات الاقتصادية المختلفة وتحسن أداء الاقتصاد العالمي تقود إلى عودة الاقتصاد الوطني لتسجيل معدلات نمو قوية اعتباراً من العام المقبل تقترب نسبتها من 4%.

وقال أميري شهدت القطاعات الاقتصادية بشكل عام خلال الربع الأول من العام الجاري علامات استقرار مبكرة، حيث ظهرت بوادر لتزايد النشاط الاقتصادي بوجه عام، مما عزز التفاؤل باستمرار التعافي الاقتصادي. ولا شك في أن الدعم المستمر من قبل الحكومة للقطاعات الاقتصادية والمالية، والقرارات الحكيمة التي اتخذت منذ بداية الأزمة المالية، قد ساهم بشكل كبير وفعال بحفز النمو الاقتصادي في هذه المرحلة.

كما أشار إلى تحسن في نمو القطاع التجاري بإمارة دبي الذي يمثل نسبة كبيرة في الناتج المحلي للإمارة، وزيادة في حركة تجارة الصادرات وإعادة التصدير، ونمواً في حركة الشحن، وقطاع التجزئة، وحركة السياحة والإشغال الفندقي.

وأضاف ان التحسن في أسعار النفط وزيادة الإنفاق الحكومي وعودة التدفقات التجارية إلى طبيعتها تعطي مؤشرات على التحسن الاقتصادي بشكل عام خلال 2011. وقال هناك ارتفاع قوي لأسعار النفط وصل إلى أكثر من 90 دولاراً للبرميل، مما يعزز الفوائد المالية المحققة للدولة خلال العام المقبل، إضافة إلى التحسن الملحوظ في حركة التجارة الخارجية المباشرة، ولكن يبقى القطاع العقاري العامل الوحيد الذي مازال يشكل ضغطاً على النمو.

كما أوضح أن القطاع المصرفي في الإمارات بشكل عام يشهد استقراراً على صعيد المواءمة بين القروض والودائع، وكذلك التخلص من عبئ الديون المتعثرة في العام 2010، مما يدفع القطاع للنمو العام القادم، مع وجود مؤشرات عودة البنوك تدريجياً إلى الإقراض ومنح التسهيلات المالية للمؤسسات والقطاع الخاص.

وقال أميري كذلك الحال بالنسبة للبنوك والمصارف الإسلامية فقد بدت بوادر إيجابية للانتعاش في الظهور في النصف الأول من عام 2010. فأحد السيناريوهات المحتملة للقطاع يُظهر أن المصارف الإسلامية يمكنها مضاعفة أرباحها خلال الأعوام الخمسة المقبلة من خلال إدخال التحسينات التشغيلية والسعي نحو فرص جديدة للنمو، وعليها أن تستكشف الفرص في مجال شرائح السوق بشكل عام

أبوظبي- عبدالفتاح منتصر - دبي - محمد القاضي