رأى أحمد بن سليم الرئيس التنفيذي الأول لمركز دبي للسلع المتعددة أنه غير ممكن استنساخ نموذج مركز دبي للسلع المتعددة بكامل حذافيره، حيث تمكن من تطوير خبرات ومشروعات جعلت منه منطقة متكاملة ومتفردة لتجارة السلع لا يوجد ما يضاهيها على مستوى العالم، وأنه من الجائز أن يكون بمقدور الآخرين تنفيذ مشروع أو اثنين من مشروعات المركز، بيد أنه من المستعصي نقل وتنفيذ التجربة قلبا وقالبا.


ولكنه قدر بأن المركز حريص على إفادة الآخرين بخبراته، وأرجع أسباب انتفاء قدرة الآخرين على تكرار نموذج المركز إلى توافر دعامتين نهض عليهما المركز غير ممكن توافرهما في أي بقعة أخرى من العالم، تتمثلان في «رؤيتي» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس الوزراء حاكم دبي، والمرسوم الذي تم بموجبه تأسيس المركز، واعتبر أحمد بن سليم «رؤيتي» بأنه لم يشكل نقطة تحول مفصلية في مسيرته المهنية والشخصية فحسب.

بل مثل كذلك الأساس الفكري الذي اعتمد عليه في صياغة إستراتيجية إدارة المركز، والنبراس الذي أضاء له معالم الطريق في التعامل مع التحديات والأوقات الصعبة، واعتبر كذلك مرسوم تأسيس المركز بأنه عمل عبقري جاء صدوره في توقيت مثالي، فإذا ما تم إصداره في وقت تالٍ على تاريخ صدوره، سيكون التوقيت متأخرا، وسيكون مبكرا، إذا ما جرى إصداره في تاريخ سابق.

كتاب رؤيتي

يتناول أحمد بن سليم في حديثه الخاص لـ «البيان الاقتصادي» الدعامة الأولى التي ينهض عليها مركز دبي للسلع المتعددة والتي تكسبه وضعية متفردة ومتميزة تجعل من المستعصي على الآخرين تقليده كاملا، وهي «رؤيتي» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس الوزراء حاكم دبي بقوله: تعلمت الكثير من فنون وأساليب الإدارة من كتاب رؤيتي الذي شكل منعطفا فارقا في حياتي المهنية والشخصية، واستقيت منه نهجي في التعامل مع الشدائد والمسرات، فعلى سبيل المثال، تعلمت من الكتاب أهمية تنويع العلاقات التجارية والشركاء والأسواق، وعدم وضع البيض كله في سلة واحدة، وهو الدرس الذي خلص إليه مجتمع الألماس العالمي في التعامل مع تداعيات الأزمة المالية العالمية، حيث أدركوا مخاطر الاعتماد المفرط على السوق الأميركي، نحن تعلمنا هذا الدرس من كتاب رؤيتي الذي حفزنا على مد العلاقات مع أسواق مختلفة من بينها السوق الصيني والهندي وغير ذلك، حيث يشارك في مزادات الألماس لفيف متنوع من التجار الذين يجلبون أحجار ألماس جرى استخراجها من مناجم عديدة في العالم ككندا وأستراليا، كذلك بالنسبة لي، استوحيت من كتاب صاحب السمو أهمية تنويع المشاريع والنشاطات المرتبطة بتجارة السلع، فأطلقنا بورصات السلع والذهب والألماس واللؤلؤ ومركز دبي لتجارة الشاي.

عبقرية المرسوم

وينتقل أحمد بن سليم إلى تناول الدعامة الثانية وهي المرسوم الذي بموجبه تم تأسيس مركز دبي للسلع المتعددة مثمنا إياه بأنه يشكل الأساس الذي نهض عليه بنيان المركز ومنطقة أبراج بحيرات الجميرا، ويمثل في الوقت ذاته سببا جوهريا للنجاحات التي تم تسجيلها، فهو يشكل ـ من وجهة نظره - الركيزة المفصلية التي انطلق منها المركز نحو تأسيس مركز عالمي متكامل لتجارة السلع في منطقة أبراج بحيرات الجميرا، وذلك من خلال فتحه الباب لاستقطاب الشركات العالمية العاملة في تجارة السلع جنبا إلى جنب مع الشركات الخدمية المساعدة، كتلك العاملة في مجال الرعاية الصحية والمحاماة وغير ذلك من الأنشطة، بما في ذلك الأنشطة الإعلامية، وهو ما يتجلى ـ على حد قوله - في قيام وكالتي رويترز وبلومبيرغ العالميتين بتقديم خدمات إعلامية مرتبطة بتجارة السلع انطلاقا من منطقة أبراج بحيرات الجميرا، وتستهدف هذه الخدمات شريحة معينة من الجمهور، وهي المعنية بتجارة السلع، وفي رأيه، أكسب تواجد الشركات الخدمية المساعدة منطقة أبراج بحيرات الجميرا المزيد من الجاذبية والقيم المضافة، بحيث أضحت المنطقة بمثابة مدينة تحفل بخدمات وتسهيلات تتيح لقاطنيها بيئة جاذبة للعيش والعمل معاً.

ويعتبر أحمد بن سليم مرسوم تأسيس المركز بأنه عمل عبقري، موضحا أن عبقرية المرسوم تجلت في تحديده الواضح والصريح للرؤية المنشودة والأهداف المرجوة التي يتمثل جوهرها في تأسيس منطقة حرة لتجارة السلع خالية من كافة أشكال الضرائب، وبالتالي، أرسى المرسوم قاعدة صلبة وقوية انطلق منها المركز في تأسيس مشروعات تسهم في تطوير تجارة السلع من جانب، وتخلق من جانب آخر منصات لمزاولة أعمال السلع غير الموجودة على مستوى المنطقة برمتها، كتأسيس بورصة دبي للذهب والسلع وبورصة دبي للألماس وبورصة دبي للؤلؤ ومركز دبي للشاي، ورغم أن المرسوم لم يأت على ذكر هذه المشروعات بالاسم، إلا أنها لم تخرج من وجهة نظر أحمد بن سليم عن إطار المرسوم الذي أعطى مجالا رحبا للإبداع والابتكار من دون الخروج عن مضمونه، حيث جرى التركيز كليا على ما أسماه بـ «جوهر أعمال المركز» أي تجارة السلع، ومن ثم، نأى المركز بنفسه عن الدخول في مجالات أعمال غير ذات صلة بجوهر أعماله، ولم ينجرف نحو الدخول في أنشطة أخرى، رغم انطواء بعضها على إغراءات كثيرة.

أحدث هذا التركيز ـ والكلام مازال له ـ تأثيرا ضخما على مسيرة مركز دبي للسلع المتعددة، فمن شأن التركيز على الأنشطة اللصيقة الصلة بالدور الذي من المفترض القيام به أن يساهم في حدوث نمو مضطرد ومتواصل في أنشطة المركز، وتجسدت تجليات وتعبيرات هذا النمو على أرض الواقع، حيث بات بالإمكان رؤيتها بالعين المجردة.

ويرصد أحمد بن سليم معلما آخر من معالم «عبقرية المرسوم» وهو إعطاء القائمين على تنفيذه قدرا كبيرا من المرونة بما يعينهم على التكيف والتأقلم مع التغيرات والتقلبات في تجارة السلع، وهو ما استلزم ـ من وجهة نظره ـ إجراء تغييرات متواصلة ومستمرة في إطار عمليات التكيف والتأقلم مع مختلف الظروف والمتغيرات التي تزخر بها بيئة الأعمال في كل مرحلة من مراحل تطور المركز، ومن شأن استحداث هذه التغييرات أن ساهم في جعل المركز كيانا يتمتع بالمرونة الكافية في التعامل والتعاطي مع تطورات بيئات الأعمال على مختلف الأصعدة العالمية والإقليمية والمحلية.

التطوير المتواصل

وفي رأي أحمد بن سليم، يمثل التطوير الدائم لفريق العمل دليلا على التعامل الحذق مع التغييرات والمستجدات في بيئات تجارة السلع، ويشرح هذه النقطة بقوله: لابد أن يتوافر لدى فريق العمل الذهنية والعقلية التي تؤهله من التعامل مع البيئات المتغيرة وشرائح السوق المختلفة، وهو ما يظهر سمة أخرى من سمات عبقرية المرسوم، فهو لم يرسم الأساس لرؤية طويلة الأجل تعين على التخطيط الاستراتيجي البعيد المدى فحسب، بل وفر كذلك إمكانيات التعامل مع الحاضر بمختلف تعرجاته وتضاريسه، ولقد تجلت عبقرية المرسوم في الوقت الحالي أكثر من أي وقت مضى، فرغم الأزمة المالية العالمية، وما صاحبها من تداعيات ومضاعفات، إلا أن هذه التأثيرات لم تنل من حيوية ونشاط مركز دبي للسلع المتعددة، بل زادت جاذبيته وقدرته على استقطاب شركات عالمية من الوزن الثقيل تعمل في مختلف شرائح أسواق السلع، هو ما يتضح بجلاء في زيادة معدل تسجيل الشركات بدءا من عام 2010 إلى 60 شركة شهريا مقارنة بمعدل بلغ 30 شركة شهريا قبل التاريخ المذكور.

ويتطرق أحمد بن سليم إلى الأثر الضخم الذي أحدثته هاتان الدعامتان في بنيان مركز دبي للسلع المتعددة، من زاوية تأسيس نموذج غير قابل للتكرار أو النسخ، ويستعرض في هذا المجال معالم نجاح هذا النموذج بقوله: لم تكن مدينة أبراج بحيرات الجميرا بهذا الشكل الذي هي عليه الآن، ولم يكن مجتمع الشركات بحجمه الحالي، فنحن إزاء معالم صورة لمنطقة تجارة حرة بمدينة أبراج بحيرات الجميرا آخذة في الاكتمال، فمن شأن توالي النجاحات وتراكم الخبرات أن يساهم في زيادة أعداد الشركات الراغبة في الانضمام والتي يزيد عددها في الوقت الحالي على 2500 شركة، وزيادة كذلك أعداد الساكنين فيها الذين تجذبهم مزاياها من ناحية البنية التحتية وموقعها الجغرافي المتميز بالقرب من شارع الشيخ زايد.

ويستدرك في قراءته لمعالم نموذج مركز دبي للسلع المتعددة قائلا: لقد ركزنا في البداية على بناء أبراج الذهب والألماس والفضة، ومع اكتمال الأبراج، اختلفت الأولويات، فالصورة آخذة في الاكتمال باتجاه خلق بيئة مواتية للأعمال، ولست مفاجئا إزاء قدوم موجة من شركات الإعلام المرتبطة بالسلع إلى مركز دبي للسلع المتعددة.

ويسوق أحمد بن سليم مشهدين مختلفين للتدليل على اختلاف وضع مركز دبي للسلع المتعددة في الماضي والصورة التي هو عليها الآن قائلا: منذ أربع سنوات مضت، كنت ألقي محاضرة في مجلس الأعمال البريطاني عن مشروع المركز، وما حدث مؤخرا وعلى وجه التحديد منذ عام مضى انه تم عقد اجتماع مماثل، ويتمثل الاختلاف هنا في أنه جرى عقد الاجتماع الأخير في برج الألماس، فلم يعد المشروع حبرا على ورق، بل أضحى حقيقة موجودة على الأرض، ويمكن رؤيتها بالعين المجردة من خلال تتبع مشاهد الاجتماعات التي تعقد في قاعة المؤتمرات ببرج الألماس والمزادات التي يجري تنظيمها من وقت لآخر في بورصتي الألماس واللؤلؤ، ويتدفق التجار هنا وهناك.

ويضع أحمد بن سليم في صدارة أولوياته مسألة الحفاظ على كفاءة قنوات الاتصال والتواصل مع الشركات الأعضاء في مركز دبي للسلع، سواء تلك المتواجدة بالفعل أو تلك التي بصدد الانتقال إلى المركز، بحيث يكون متاحا لهؤلاء إمكانية نقل وجهات نظرهم وطلباتهم وآرائهم إلى مختلف المستويات الإدارية في المركز بسلاسة وسهولة، ويرى أنه من المتعين أن تكون هذه القنوات مفتوحة على الاتجاهين، بحيث تكون قادرة على نقل تقييمات الشركات الأعضاء، بما في ذلك الانتقادات الإيجابية والبناءة، إلى أعلى المستويات في الإدارة، وأنه شخصيا يتعامل معها بعقلية منفتحة وروح إيجابية.

ورغم قناعة أحمد بن سليم الجازمة بصعوبة استنساخ نموذج مركز دبي للسلع المتعددة، إلا أنه يبدي حرصا على إفادة الآخرين بالخبرات التي تم اكتسابها على مدار السنوات التالية على تأسيسه، وذلك من خلال إطلاع الآخرين على أنشطة المركز وخدماته، وعليه، يجري تنظيم اللقاءات مع مختلف مجالس الأعمال والغرف التجارية بغرض التعريف بأوجه التطورات والمستجدات في المركز، وتزويد الجهات المعنية والمهتمة بأنشطة المركز بمختلف البيانات والمعلومات، إلى جانب التوقيع على العديد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم مع الهيئات المنظمة لتجارة السلع وبورصات السلع.

ويخلص أحمد بن سليم بعد استعراضه لمعالم هذه المشاهد إلى القول: من الصعب أن يتكرر نموذج مركز دبي للسلع المتعددة، فهو عبارة عن مشاريع متعددة مكتفية ذاتية ومتكاملة مع بعضها البعض، فهو يمثل مظلة ينضوي تحتها بورصات ومنصات عمل ومجتمع، وهو أمر غير قابل للتكرار في أي منطقة أخرى من العالم، فرغم وجود محاولات لاستنساخ بعض مشروعات المركز في نيويورك ولاس فيجاس، إلا أن الأمر ينطوي على صعوبات وتحديات ضخمة، ونحن بدورنا منفتحون على إفادة الآخرين بخبراتنا.

ملتقى الاتحاد الخليجي لمصنعّي البتروكيماويات يبدأ غداً في دبي

يشارك مركز دبي للسلع المتعددة، للمرة الخامسة على التوالي، في ملتقى الاتحاد الخليجي لمصنعي البتروكيماويات والكيماويات السنوي الخامس، أكبر تجمع لمصنعي البتروكيمايات في منطقة الشرق الأوسط. وسينعقد المؤتمر، الذي تشارك فيه نخبة من الشركات العاملة بالقطاع، غداً وحتى 9 من شهر ديسمبر الحالي في فندق انتركونتيننتال دبي فيستفال سيتي.

وقال مالكوم وول موريس، الرئيس التنفيذي للمركز: غدت المنطقة الحرة لأبراج بحيرات الجميرا بمثابة المقر الإقليمي للعديد من الشركات العالمية العاملة في قطاع البتروكيماويات والطاقة، مثل شركة ريلاينس وشركة بي بي تي وشركة إس جي جي. وقد استمرت المنطقة الحرة باستقطاب الشركات العاملة في هذا القطاع إليها ليرتفع عدد الأعضاء منها بنسبة قدرها 63% عن عددها العام الماضي، وهو ما نتوقع أن يستمر نظراً لموقعها الاستراتيجي وقربها من معبر دبي للنقل والخدمات اللوجستية، دبي لوجستكس كوريدور، فضلاً عما تتميز به من تنظيمات تشريعية شفافة وبنية تحتية عصرية، بالإضافة إلى ما توفره لأعضاء أبراج بحيرات الجميرا من خيارات التملك الحر وخدمات ومنتجات القيمة المضافة.

دبي ـ مجدي عبيد