كان أداء الأسواق المحلية الأسبوع الماضي متراجعاً متأثراً بانعكاس أزمة ديون ايرلندا على الأسواق، وذكر المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للاوراق المالية الدكتور همام الشمّاع في تقريره الأسبوعي حول أسواق الأسهم المحلية أن هذه الأزمة سوف تضيف عبئاً جديداً على تعافي الاقتصاد العالمي والمحلي، كونها ستؤدي إلى تزايد صعوبات التمويل من الأسواق الدولية، التي تعول عليها الأسواق المحلية في مواجهة التزامات ومستحقات حانت آجال سدادها.




وكانت الأسواق والمستثمرون قد تفاءلوا كثيراً إثر توصل دبي العالمية إلى اتفاق مع الدائنين لتسوية ديونها، مما أتاح الفرصة لإصدار سندات تهافت المستثمرون عليها، خصوصاً تلك التي أصدرتها حكومة دبي وشركة ماء وكهرباء دبي، الأمر الذي أوحى بإمكانية القيام بخطوات مماثلة من قبل الشركات والمؤسسات المالية التي تعاني من مشكلات في إحداث المواءمة بين تدفقاتها النقدية الداخلة والخارجة. فقد استعدت العديد من المصارف لإصدار سندات باليورو وغيرها من العملات الدولية، إلا أنها عادت وأجلت هذا الإصدار حالياً وربما نهائياً إذا ما تفجرت أزمات أخرى في أوروبا.

وأضاف: يؤشر تراجع قيم التداولات إلى تراجع السيولة، والذي نعتقد أنه جاء كنتيجة لعودة المصارف إلى إظهار التشدد تجاه القروض الجديدة، بل وميلها نحو إطفاء ما يمكن إطفاؤه من القروض القديمة، وقد أظهرت بيانات المصرف المركزي لشهر أكتوبر الماضي تراجع القروض المصرفية، وإن بصورة طفيفة، وذلك في وقت ارتفعت فيه الودائع بصورة غير مسبوقة منذ أكثر من عامين حيث زادت بمبلغ 5. 40 مليار درهم في شهر أكتوبر بالمقارنة مع الشهر السابق وبما يشكل نسبة 8. 3% من إجمالي الودائع المصرفية.

رسالة المصارف إلى الأسواق

وأرسل التراجع الطفيف في قيمة الإقراض المصرفي لشهر أكتوبر والارتفاع غير المسبوق في قيمة الودائع رسالة إلى الأسواق مفادها ان المصارف ليست في وضع مالي يمكنها من تيسير القروض للعملاء، حتى وإن زادت الودائع على القروض بمبلغ 16 مليار درهم لأول مرة منذ عدة سنوات. والرسالة قرأتها السوق على انها تحسب من قبل المصارف لمستحقات مالية حانت آجالها.

وقال الدكتور الشمّاع: بغض النظر عن مصدر أو مصادر الزيادة غير المعهودة في الودائع المصرفية، والتي فاقت كل الزيادات السابقة التي حدثت بعد الأزمة المالية العالمية، حيث كانت أقصى زيادة في الودائع دون الثلاثين مليار درهم، وذلك في شهر مارس من العام 2009. فإن لهذه الزيادة في الودائع تأثيراً سلبياً على الأسواق.

وأضاف: إن الارتباط العكسي القوي مع مؤشر سوق الإمارات ومع مبيعات العقار في دبي هو حالة منطقية اقتصادياً ناجمة عن الرسالة السلبية التي قرأتها الأسواق من موقف المصارف، وخصوصاً تجاه تجميع السيولة، فالزيادات في الودائع الثابتة والزمنية في وقت تراجعت فيه القروض يعني تجميعاً للسيولة. وإذا ما استبعدنا الودائع الجارية وخصوصاً التي ترتبط بعلاقة موجبة مع المؤشر العام للسوق فسنصل إلى معامل ارتباط عكسي (سالب) قوي جداً.

الودائع والأزمة الأيرلندية

وتابع التقرير: لقد ارتفعت مختلف أنواع الودائع لدى الجهاز المصرفي العامل في الدولة بنسبة 4. 3% خلال شهر أكتوبر الماضي وكانت اكبر نسبة للارتفاع من نصيب الودائع الخاصة، التي ارتفعت بنسبة 6. 4%، تليها الحكومية التي ارتفعت بنسبة 1. 3%، ثم الجارية الدائنة بنسبة طفيفة هي 01. 0%. وأغلب الظن أن هذا الارتفاع في الودائع قد حدث خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر أكتوبر، عندما بدأت تلوح في الأفق بوادر أزمة الديون الأيرلندية في بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي «يوروستات» في منتصف أكتوبر.

وقد وصل إجمالي ديون أيرلندا خلال عام 2009 إلى 5. 65% من إجمالي الناتج المحلي للبلاد، لتصبح بذلك من بين الدول المخالفة لمعاهدة ماستريخت، التي تنص على ألا تزيد نسبة ديون أي دولة من دول الاتحاد الأوروبي على 60% من إجمالي ناتجها المحلي.

ومعلوم أن هذه التطورات السلبية جاءت نتيجة لاضطرار حكومة أيرلندا إلى ضخ مليارات اليورو لإنقاذ مصرف أنغلو أيريش من الانهيار. ولكن السؤال المهم الذي تجدر الإجابة عليه هو ما هي العلاقة بين أزمة ديون ايرلندا ومصرف انجلو ايريش من جهة وبين ارتفاع الودائع المصرفية في الإمارات. وما الذي يجعل الودائع ترتفع في وقت تتعرض فيه مصارف حول العالم لمشكلات خطيرة كما هو الحال مع بنك انجلو ايريش.

تجنب المخاطرة المتوقعة

وأجاب الدكتور الشمّاع: إننا نعتقد أن ارتفاع الودائع في المصارف الإماراتية جاء بفعل عاملين، الأول هو تجنب المخاطرة المتوقعة نتيجة توقع انعكاس أزمة ديون ايرلندا، والتي تفجرت بفعل تعرض أكبر المصارف فيها لأزمة دفعت الحكومة الأيرلندية لتقديم الدعم له بمليارات اليورو. فتعثر مصرف في دولة مثل ايرلندا يمكن أن يطيح بالعديد من المصارف الأوروبية (على الأقل من وجهة نظر متحوطة) مما يقود بالتالي إلى سلسلة تراجعات في أسواق المال الدولية تنعكس في النهاية على الأسواق المحلية.

وخلال الفترة من 4 أكتوبر 2010 وحتى نهاية الشهر تراجع مؤشر داوجونز بنسبة 4%. فالأسواق لا تزال تتذكر انهيار بنك ليمان برذرز الأميركي وما تبعه من سلسلة تراجعت في كل مناحي الحياة الاقتصادية. وتتالي الأزمات الفرعية سيؤخر مسيرة التعافي للاقتصاد العالمي، وقد كان للارتفاعات الحادة والقوية لليورو ايبور، والذي ابتدأ منذ نهاية شهر سبتمبر الماضي، الأثر الواضح في تعزيز سلوك تجنب المخاطر في الأسواق المحلية.

فقد ارتفع ايبور اليورو بنسبة قاربت الـ 8% منذ نهاية سبتمبر وحتى منتصف أكتوبر، حيث وصل الى المستويات المرتفعة نسبياً، والتي كان عليها في يونيو 2009، والتي انخفض عنها خلال العام 2010 بنسية 26%. وأعاد الارتفاع الكبير نسبياً لليورو ايبور إلى مستويات منتصف العام 2009 لأذهان المستثمرين المحليين المخاوف المتعلقة بأداء الأسواق المحتمل.

الضمان الحكومي للودائعألا

وتابع التقرير: العامل الثاني الذي دفع باتجاه زيادة الودائع للمصارف هو غياب المخاطرة في الودائع المصرفية الإماراتية بسبب وجود ضمان حكومي للودائع، في الوقت الذي يتوقع فيه المستثمرون أن ترتفع الفوائد على الدرهم مع توقع ارتفاع الفائدة الأوروبية في وقت لا تزال الفائدة على الدولار صفرية.

وأضاف: ارتفاع الودائع، والذي يعتبره البعض ظاهرة طبيعية، يحمل في طياته العديد من السلبيات، وخصوصاً عندما يتزامن مع تقلص الإقراض المصرفي. ولأول مرة منذ أكثر من سنتين، أي منذ أغسطس 2008، وحتى الوقت الحاضر تصبح الودائع أكبر من القروض. غير أن الأصل هو انه عندما ترتفع الودائع، وخصوصاً الثابتة، يرتفع الإقراض.

ولكن أن يكون الفرق بينهما أكثر من 16 مليار درهم لصالح الودائع نتيجة لتراجع الإقراض المصرفي بحوالي المليار درهم، في حالة ما إذا استبعدنا الزيادة في القروض الشخصية وبنسبة 07. 0%، فإن هذا الفرق ستكون له آثار انكماشية على الحياة الاقتصادية في ظل تراجع القروض. وسيبقى الفرق، وهو 16 مليار درهم، في خزائن المصارف وقسم منها في خزينة المصرف المركزي بصورة شهادات إيداع، والتي ارتفعت في أكتوبر الماضي بمقدار 8 مليارات درهم.

وطبعاً لا يعقل أن المصارف ستجمد 8 مليارات في خزائنها، وهي بالتأكيد ستستخدمها في أغراض أخرى نعتقد أنها ستكون لتسديد التزامات مستحقة عليها لجهات خارجية. إذن فنحن أمام ظاهرة تراجع السيولة المتاحة للأسواق.

وظهور فائض في الودائع بالنسبة إلى القروض هو العملية العكسية لما كان يحدث في السابق عندما كانت القروض تتفوق على الودائع، وبما كان يحدث ضغوطاً تضخمية وأضراراً قادت في النهاية إلى اقتصاد الفقاعة العقارية.

الآن هو الاتجاه المعاكس، حيث تقوم المصارف باستخدام الفروق بين الودائع والقروض لتسديد ما كانت تقترضه في السابق لتمويل قروض بأكثر من الودائع. إذن الأثر المتوقع الآن هو أثر انكماشي بدأت آثاره في الظهور في أسواق الأسهم ومبيعات العقار في دبي، ومنه قد تنتشر إلى بقية القطاعات ما لم تتخذ الإجراءات المناسبة للحد من الظاهرة.

التخفيف الكمي وموارد النفط

وحول الإجراءات المناسبة قال الدكتور الشمّاع: مراراً كنا قد تناولنا ضرورة التخفيف الكمي كوسيلة لمواجه الأزمة التي تنعكس على اقتصاد الدولة إلى جانب ضرورة استخدام كل موارد النفط في تمويل الإنفاق الحكومي وتأجيل الاستثمار الخارجي وادخارات المستقبل لما بعد تعافي الاقتصاد. وديون دبي التجارية والسيادية وديون الشركات الإماراتية الأخرى مهما ارتفع حجمها فإنها بالتأكيد تبقى أقل من قيمة الأصول القائمة للحكومات والشركات، وهو ما يبرر هذين الأسلوبين في مواجهة الوضع المالي الشائك حالياً.

فاستخدام كامل إيرادات النفط في تنشيط الحياة الاقتصادية هو بمثابة الاقتراض من الادخارات المستقبلية بضمان الأصول المادية القائمة بشكل بنية تحتية عامرة. ومع ذلك فقد دلت التجارب على عدم تجاوب الاقتصاد بالسرعة المطلوبة مع الدعم والتحفيز الحكومي حيث ان التحفيز الحكومي قد يأخذ وقتاً حتى يتم تداول النقد في الأسواق، وذلك لأن معظم الخطط الحكومية التي وضعت كانت عبارة عن استثمارات حكومية في الاقتصاد، إلا إن الاقتصادات سريعة الحركة والنشيطة تحتاج إلى نقد مباشر وسيولة لتنشيط التداول في الأسواق المالية، والتي بدورها ستحدث شعوراً بالإثراء ينعكس على مستويات الإنفاق، وبالتالي النمو.

دبي - «البيان»