قال الشيخ: ذكرنا أن أول خطوة في طريق معرفة الله النظر فيما أنعم علينا من نعم كثيرة قد لا تكون لدى غيرنا، وقد تكون لديهم ولكنهم لا يشعرون بها ولا يقدرونها حق قدرها، ثم إن المرء لا يملك إلا أن يشكر الله على ما أنعم به وقد عرفه بأسمائه المنعم الرحيم الجواد الرزاق اللطيف الكريم، وهنا يجدر بالمرء أن ينتقل خطوة إلى معرفة الله لما تفضل به ولكن ليس من أجل النعمة ودوامها، وإنما حبا ورغبة بمن بيده ملكوت كل شيء وقد غمر الخلق بعطائه ورحمته وكرمه، فهو اله يحب ويعبد لذاته وليس لمجرد كسب الخيرات وجني الثمار في الدنيا والآخرة.
وهذا الذي نقول مما فطرت عليه النفوس السوية التي جبلت على حب العطاء ثم حب المعطي الذي أعطى وأجزل في عطائه، ومثل هذا الحب يستدعي الحياء من الله ألا نستخدم عطاياه في مساخطه، وألا نبارزه بعدما أكرمنا وأنعم علينا دون سابق سبب منا، فان استقر الحب والحياء في قلب المؤمن فتح عليه بأنوار معرفة أسماء الله وصفاته حتى يصير حبه لله وحده دون النظر في عطاياه، فمتى انتقل القلب من حب العطاء إلى حب المعطي، ومن حب النعمة إلى حب المنعم لم يحسن منه أن يعود فيلتفت إلى العطية والنعمة وعندها يصل إلى مرتبة (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين).
ثم إن المرء عندما يثبت وحدانية الله عز وجل فانه بهذا يعاين وحدة الأخذ والعطاء ووحدة اللطف والقهر، ووحدة الإعزاز والإذلال، ووحدة التقدير والتدبير، ومثل هذه المعاينة لا تبقي في القلب رجاء ولا تعلقا إلا بالله وحده، ويكفي أن يعاين المرء أفعال الله التي لا تنفك عن حكمته ولطفه حتى يسلم لله في كل الأمور، بل في دنياه وآخرته، فمن عرف الله حق المعرفة لم يعامل غيره إلى أن يلقاه.
قال بعضهم إن للمعرفة درجات: أولاها معرفة التوحيد بحقه، أي بما يتطلبه وينجم عنه من طاعة والتزام، وثانيها معرفة الحكمة والبيان، وهي الأشراف على حكمة الله فيما شرع وأمر، وفيما قضى وقدر، فان استحكمت الثانية في قلب المؤمن انتقل إلى معرفة المحبة والتسليم، حيث لا يملك من عاين التوحيد والحكمة إلا أن يحب الله بكمالاته التي لا تحد، شاهدا ومتذوقا لكرمه ولطفه فيما بان له، مسلما لمن هو أرحم به وأكرم عليه من نفسه فيما لم يبن له.
واعلم أن لهذه المعرفة أنوار تعشق لحسنها وجمالها، فرأس مال المؤمن هذه المعرفة وحقها السرور والاكتفاء بها عما سواها.
وقال بعضهم: إن العارف لله لا تستكثر الجنة في جنب معرفته فكيف بالدنيا وما فيها، فمن تعلق قلبه بالله هانت الدنيا في عينه ولم يبق لشيء من متاعها سطوة على قلبه، قال أحدهم لما قال له صاحبه أحبك: إن كنت عرفت الله تعالى فحسبك الله، وان لم تعرفه فاطلب من يعرفه حتى يدلك عليه وتتعلم منه حفظ الحرمة لمولاك.
ذلك أن صاحبنا قد استكثر على نفسه أن يزاحم حبه حب الله تعالى في قلب صاحبه، وتلك حال مرت به لا تنفي أنك إن أحببت امرء في الله وحده لا لشيء سواه كان هذا سببا في رضوان الله تعالى عليك، وفي أن تكون تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، وحب أخيك في الله من ثمرات حبك لله فلا يزاحمه في قلبك مادام هو أصله ومبعثه.
قال أحدهم: خرج أكثر أهل الدنيا ولم يذوقوا أطيب شيء فيها، قيل: وما هو؟ قال: سرور المعرفة، وحلاوة المنة، ولذائذ القربة، وأنس المحبة.
ذلك أن الحق سبحانه وتعالى خلق لنا متعة الحواس عينة مخففة لتكون دليلا على متاع الآخرة، فكيف كان يمكن أن نقدر ما في جنة الخلد من طعام وشراب وعسل ولبن وحور عين لولا طعام وشراب ونساء هذه الدنيا مع الفارق الذي لا يحد. وخلق لنا الأنس بالمخلوقين عينة مخففة لتكون دليلا على الأنس به سبحانه وتعالى، وقد راح أكثر الناس يلهون ويكتفون بالدليل وينسون المدلول، فخرجوا من الدنيا ولم يذوقوا أطيب ما فيها ورحلوا إلى آخرة لا يذوقون أعذب ما فيها.
ماهر سقا أميني
