هل نعي فعلاً أن القرآن العظيم مصدر لكل القيم الاجتماعية والاقتصادية النبيلة؟

القرآن الكريم ينظر إلى الأفراد في المجتمع الإنساني على أساس رابطهم التكويني في الخلق وهو رابط الإنسانية، وهذا الرابط الإنساني يجمع الأفراد في شتى المناسبات من أفراح وأتراح وتعارف، فالفرد بغض النظر عن نوعية ارتباطه الفكري والعقائدي بالآخرين، يعيش بالدرجة الأولى ارتباطاً إنسانياً معهم. فيشير القرآن إلى هذا المعنى عندما يتحدث عن دعوة الأنبياء، فيقول: (وإلى ثمود أخاهم صالحاً) الأعراف: 73، (وإلى مدين أخاهم شعيباً) الأعراف: 85.

فمنطوق الآيتين الشريفتين يدل على أن القاسم المشترك والقدر الجامع بين كفار ثمود ومدين من جهة، والنبيين صالح وشعيب من جهة أخرى هو اشتراكهم جميعاً في الأخوة الإنسانية، على اختلاف ميولهم العقائدية ووظائفهم الاجتماعية.

وبطبيعة الحال، فان تصميم القرآن الكريم على فهم الرابط الإنساني الذي يربط الأفراد دون النظر إلى منشأهم وعقيدتهم، ضروري ضمن النظرية الإسلامية في تكامل النظام الاجتماعي ؛ لأن الإنسان ـ حسب تلك النظرية ـ مصمم منذ نشأته الأولى على التحسس والشعور والانفعال والتفاهم والتغير، وهي أمور يتميز بها الأفراد عن غيرهم من الكائنات.

وهذه الرابطة الإنسانية التي يعلنها الإسلام بكل صراحة ويطبقها في كل أحكامه وتشريعاته، تميزه عن بقية الأديان والعقائد في الاهتمام بكرامة الإنسان وإشباع حاجاته الأساسية، فيصرح القرآن المجيد بكل وضوح منادياً: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم)، الحجرات: 13 فالتفاضل الإلهي بين الأفراد يستند ـ في الأصل ـ على الجهد البشري في العمل الاجتماعي والصفاء الروحي والشخصي للفرد، وحق الطاعة للخالق عز وجل ؛ لأن جعل الأفراد عن طريق الاجتماع شعوباً متميزة يحتاج بصورة أساسية إلى جهودهم في التعاون والتكاتف لبناء صرح الأنظمة الاجتماعية العظيمة.

ولما كان المجتمع الإنساني مبنياً على تفاوت قابليات الأفراد في التحصيل وبذل الجهد أولا، ولما كانت الثروة العينية والقيمية في تحرك وتداول مستمر بين الأفراد ثانياً، أصبح نشوء الاختلاف في تملك الثروة وبذلها أمرا حتمياً. ويدل هذا الاختلاف على تنوع وتفاوت الأدوار والوظائف الاجتماعية بين الأفراد؛ وهذا التنوع يتطلب اختلافاً في درجات العيش ضمن الطبقة الواحدة فحسب، ولا يتطلب تعدداً للطبقات الاجتماعية كما تؤكد المدرسة التوفيقية الغربية .

وبطبيعة الحال، فان الإسلام لم يتعامل مع مشكلة الفقر تعاملاً هامشياً، بل دخل في معترك الصراع الاجتماعي مسلحاً بضوابطه الشرعية الدقيقة في تضييق الفوارق الطبقية. فشرع إشباع حاجات الأفراد الأساسية من الطعام واللباس والسكن، وأمضى ما أقره العقل فيما يتعلق بالخدمات الصحية، والخدمات الأساسية الأخرى كالنقل ونحوه. ومن ثم قرر أن للفقراء حقاً في أموال الأغنياء: ( والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) المعارج 24 ـ 25، ففرض ضرائب على الثروة الحيوانية والزراعية والمعدنية والنقدية ونحوها، وبذلك تعامل الإسلام مع صميم المشكلة الاجتماعية بهدف إزالة أسباب الفقر والحرمان، واقتلاع جذور الفساد الاقتصادي.

فالزكاة التي أوردها القرآن الكريم: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) التوبة: 103 و(إن تبدوا الصدقات فنعما هي وان تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) البقرة : 271 هي ضريبة عينية أو قيمية محددة بنسبة مئوية في كل ما تجب فيه الزكاة في الأنعام الثلاثة : الإبل والبقر والغنم، وفي الغلات الأربع : الحنطة والشعير والتمر والزبيب، وفي النقدين الذهب والفضة وهي في حد ذاتها تشبع الفقراء من المأكل والملبس وتسد حاجاتهم الأساسية الأخرى. والخمس في قوله تعالى: (واعلموا إنما غنمتم من شيء فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) الأنفال: 41

وهو إخراج عشرين بالمائة من الواردات السنوية، خمس الغنيمة كانت أو خمس الربح، كالمعادن المستخرجة من الأرض وما يخرج من البحار وما يعثر عليه من الكنوز، وما يفضل من مؤونة سنة الأفراد.

إنها تعكس حقيقة مهمة في فكرة العدالة الاجتماعية وهي أن خمس الثروة الاجتماعية يجب أن تذهب لمساعدة الفقراء والمشاريع والخدمات الاجتماعية التي ترفع من مستواهم وتمنحهم فرصاً حقيقيةً للعمل والإنتاج، وتساعد الدولة أيضاً على بناء المدارس والمستشفيات ووسائل التدريب والتأهيل الاجتماعي. هذا إضافة إلى أن الضرائب التي فرضها الإسلام كالصدقة الواجبة : (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها) التوبة: 60، والكفارات: (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وانتم حرمٌ ومن قتله متعمداً فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هدياً بالغ الكعبة أو كفارةٌ طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً) (2) المائدة: 95، والأضحية: (فصل لربك وانحر) الكوثر: 2.

(فان أحصرتم فما استيسر من الهدي) البقرة: 196، والضرائب التي شجع الأفراد على دفعها بدافع الاستحباب كالصدقة المستحبة والإنفاق في سبيل الله: (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) البقرة: 274 (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) الحشر: 9 كلها ترفع حوائج المعدمين وتسد رمقهم وتشبعهم.

ولعل الواقع يشير إلى أن المجتمع الإسلامي يصرف أكثر من خمسة وعشرين بالمائة من ثرواته العينية أو النقدية على الطبقة الفقيرة، في سبيل رفعها إلى مستوى الطبقة الاجتماعية الواحدة التي صممها الإسلام في نظامه الاجتماعي. وهذا الوارد الضخم الذي يخرج من جيب الطبقة الغنية ليدخل في دخل الطبقة الفقيرة يساهم مساهمة عظيمة في تضييق الفوارق الطبقية بين الأفراد حتى يمحوها محواً من الخارطة الاجتماعية، ويضع بدلها نظاماً إنسانيا عادلاً مؤلفاً من طبقة موحدة مختلفة الدرجات.

أحمد عبد المجيد