لقد كان الناس قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم في جاهلية جهلاء وفتن وشر، القوي فيهم يقهر الضعيف، إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وقد بلغ الظلم قبل البعثة مدى بعيداً حتى أصبح من شيم النفوس عندهم: إن من لم يظلم فإنما ذلك لعلة فيه منعته من الظلم الذي هو محل افتخار عندهم في الجاهلية حتى قال قائلهم:

ألا لا يجهلن أحد علينا

فنجهل فوق جهل الجاهلين

ظلم في الدماء، وظلم في الأعراض، وغش في المكاييل والموازين، واحتقار للمرأة؛ حتى وئدت وهي حيّة فقتلت، وسيسألها ربها: بأي ذنب قتلت؟!.

فكان أن الله سلطهم على بعضهم البعض، فأهلكتهم الحروب، وتوالت عليهم الفتن والنكبات، وعجب أنهم لم يهتدوا إلى ما يقربهم من الله وقد قال الله عنهم: «أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون». حتى بعث الله رسوله بالهدى ودين الحق، فدعا إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأخرج الناس من عبادة العباد إلى عباد رب العباد، من جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، فأقام العدل ودعا إلى التوحيد، ونهى عن الشرك بالله، ومنع الظلم والبطش والعدوان، وأكرم المرأة فجعل النساء شقائق الرجال، وقال مؤكداً: «استوصوا بالنساء خيراً». وأبطل فوارق الجاهلية؛ فلم يفرق بين أبيض وأسود، ولا بين عربي وأعجمي، إنما قال: «وكونوا عباد الله إخوانا».

فصار صلى الله عليه وسلم داعياً إلى ما أوحى إليه ربه ومولاه بقوله: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم...»، فأمرهم بالتعارف لا بالتنافر، وبالتناصر لا بالتخاذل، وجعل الميزان هو تقوى الله، فهي التي رفعت بلالاً الحبشي وأردت أبا لهب في نار ذات لهب.

نعم إنه الإسلام الذي جمع الناس بعد فرقة، وأعزهم بعد ذلة، ونصرهم بعد هزيمة، وألف بين قلوبهم بعد تنافر. كما قال سبحانه: «وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم».

إنها الوحدة الإسلامية بكل ما تعنيه هذه الكلمة. الوحدة التي جمعتهم على إله واحد ورسول واحد وكتاب واحد، حتى صارت أمة الإسلام كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

وإلى هذا أشار القرآن الكريم في قوله تعالى: «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها..».

لقد أشار القرآن الكريم إلى المعجزة التي حققها الإسلام، حيث وحد الصفوف، وألف بين القلوب بعد التمزق والعداوة والبغضاء، ولا شك في أن هذا كلف عملاً متواصلاً سنين عديدة، يربي النفوس على التواصل مع كتاب الله تعالى، والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم المربي لهذه الأمة، فكل من تمسك به خرج من وحل الجهل والرذيلة إلى ساحة الأمان والنعمة الإلهية التي تتحقق بالارتباط بالله تعالى.

يقول جان ديون يورث: «لقد حول محمد صلى الله عليه وسلم، العربي البسيط، القبائل المتفرقة والجائعة الفقيرة إلى مجتمع متماسك منظم، امتاز فيما بعد بين شعوب الأرض بصفات وأخلاق عظيمة وجديرة، واستطاع في أقل من ثلاثين عاماً وبهذا الطريق أن يتغلب على امبراطوريات عديدة..».

والإسلام اتخذ من الشعائر الإسلامية وسيلة لتقوية هذه الوحدة وتوثيقها، فكل شعيرة من شعائر الإسلام لها دور تقوم به. فالصلاة، مثلاً وخصوصاً صلاة الجماعة، حين يجتمع المسلمون فيها دليل على تماسكهم وترابطهم ووحدة صفوفهم. فيا له من اجتماع فيه يتعارف المسلمون، وتقوى روابط العقيدة، لذا حث النبي صلى الله عليه وسلم على صلاة الجماعة، وهمّ أن يحرق على قوم بيوتهم لأنهم يتخلفون عن الجماعة.

الصيام، به تتحقق الوحدة والمحبة والإخاء والألفة. فيه يشعر المسلم بشعور المحتاجين، ويحس بجوع الجائعين، فهذا كله لتوحيد الأمة.

الزكاة أيضاً تدعونا إلى الوحدة، فهي توحد بين الأغنياء والفقراء، حتى لا يحقد الفقير على الغني، ولا يطمع محروم في غير ماله، وبهذا يترابط الجميع.

والحج مؤتمر إسلامي عام تتلاقى فيه الشعوب مختلفة الألوان، مختلفة الأعراق، مختلفة الطبقات، متفاوتة، كل هؤلاء يجمعهم صعيد واحد وشعارهم واحد ونداؤهم واحد ولباسهم واحد.

فالشعائر الإسلامية كل شعيرة منها تقوم بدور في التقريب بين الأمة، وبعضها البعض، فالإسلام أمرنا بالاتحاد واجتماع الكلمة، وجعل لذلك ثواباً عظيماً، فمن لازم الجماعة كان جزاؤه جنة واسعة، كما اتسع قلبه لإخوانه.

قال صلى الله عليه وسلم: «من أحب منكم أن ينال بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد».

والله عز وجل مع الجماعة؛ يؤيدها ويحميها ويقويها، قال صلى الله عليه وسلم: «يد الله مع الجماعة».

إن الاتحاد واجتماع الكلمة كانت أول وصية نبوية أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه. حيث قال: «وأنا آمركم بخمس أمرني الله بهن، وذكر منها الجماعة».

وكما حثنا الرسول صلى الله عليه وسلم على الجماعة لأهميتها، حذرنا من الفرقة والخلاف لخطورتهما، ولأن الفرقة والتنازع والتقاتل عنوان الفشل وسرّ الهزيمة وسبب الخسران، قال تعالى: «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين».

لذا شدد الإسلام الإنكار على من فرقوا دينهم وتنازعوا في اعتقادهم، قال تعالى: «إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء».

ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم حريصاً كل الحرص على أن تظل الجماعة المسلمة حصنا منيعا لا يقدر أحد من الأعداء أن يخترقه، وأن يكون صفهم مرصوصا، وبناؤهم متينا، لا يدعون ثغرة لشيطان من شياطين الإنس أو الجن، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعجبه ولا يرضيه أن يرى أي تفرق بين المسلمين، فعن ثعلبة الخشني قال: كان الناس إذا نزل رسول الله منزلا تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال: إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان، فلم ينزل بعد ذلك منزلا إلا انضم بعضهم إلى بعض، حتى يخال لو بسط عليهم ثوبا لعمهم.

فانظروا كيف كره الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته وللمسلمين هذا التفرق الذي لا يصل إلى شغاف القلوب، فما بالكم إذا كان هذا التفرق تتصدع به القلوب، ويتساقط به البنيان، ويشتد به العداء. إن لزوم الجماعة فرض ليس لمسلم أن يكون له فيه خيرة من أمره، بل إنه يحصد ثمرات عظيمة من الاتحاد، ومنها:

القوة والعزة:

إن اجتماع القلوب ووحدة الصف قوة وعزة ونصر على شياطين الإنس والجن، وإن الحكمة لتقول «إن الاتحاد قوة».

الأمن والأمان:

ففي الاتحاد الأمن والأمان، لأن كثرة العدد تؤدي إلى الأمان والسلم والسلام والراحة والاطمئنان.

قال صلى الله عليه وسلم: الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة ركب.

رضا الله عز وجل:

وفي هذه الأيام تشرق على هذا الوطن ذكرى من أعز الذكريات في تاريخ هذا الوطن الغالي، إنها ذكرى قيام الاتحاد الذي جمع شمل الإمارات العربية ونظم عقدها. ان هذا اليوم قد غير المشاعر والنفوس وملأها بالعز والفخر.

فلقد تحقق فيه أمر الله تعالى بالاعتصام والوئام، كما قال سبحانه: «وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين». إننا في هذه الذكري نستحضر مواقف ولاة الأمر الذين أدركوا مكانة هذا الاتحاد من الدين وأثره في الحياة، فعملوا كل جهدهم لتحقيقه، لأن في ذلك مرضاة لله ولرسوله، وعزة لأهل هذا الوطن.

فمنذ اليوم الأول انطلقت المسيرة نحو بناء الإنسان وتأسيس الأوطان. فوفرت الدولة الحياة الكريمة لكل من يعيش على أرضها، ووفرت الرعاية الصحية من خلال عشرات المستشفيات، وأتاحت التعليم بكل مراحله لكل مواطن على هذه الأرض الطيبة، وحققت التكافل في أسمى صوره، حيث رعت الأيتام والفقراء والمساكين والمعوقين والمنكوبين، وأغاثت الملهوفين.

راية المحرزي