رغم تحسن البيانات الاقتصادية للعالم القديم، واصلت الأسواق المالية تصحيح أدائها الأسبوع الماضي على خلفية مشاكل الديون الايرلندية وتشدد السياسة النقدية الصينية.
وقال غاري دوغان الرئيس الأول للاستثمارات في بنك الإمارات دبي الوطني: يساورنا الشك في أن يطول أجل عمليات التصفية. أما بيانات الاقتصاد الكلي فلا تزال قوية، وهي تشير إلى عودة نشاط قطاع الصناعات التحويلية.ونتوقع أن تواصل الأسواق تماسكها بعد عمليات البيع الأخيرة.
تأثير أكبر
ورغم الأثر المادي الملموس الذي تركته مشاكل الديون الايرلندية على معنويات الأسواق، غير أن ردة الفعل الصينية الحادة حيال مؤشرات زيادة التضخم كانت أكثر تأثيراً باعتبار أن الصين لا تزال مصدراً رئيسياً للنمو العالمي؛ حيث ارتفع معدل التضخم السنوي في الصين إلى 4 .4% في شهر أكتوبر مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 10%.
وقال دوغان: في ظل عدم رفع قيمة العملة، نرى أن بنك الشعب الصيني سيواصل رفع أسعار الفائدة واستنزاف السيولة لحماية الاقتصاد من التدهور.
وتبالغ الأسواق غالباً في موقفها حيال إجراءات السلطات الصينية، مما يشير إلى أنها تترنح بين الاستجابة لهذه السياسة أو تلك؛ غير أننا نراها تميل أكثر نحو استمرار تشديد السياسة النقدية لكبح جماح نمو الائتمان وتطويق التضخم.
ويعد ارتفاع نسبة الاحتياطي المطلوب بمعدل 50 نقطة أساس الارتفاع الخامس من نوعه لهذا العام، وقد جاء بعد زيادة 25 نقطة أساس في أسعار الفائدة في أكتوبر. وعلى الأرجح أن تتجه الأسواق نحو مزيد من الارتفاع في نسبة الاحتياطي المطلوب، وأسعار الفائدة، وقيمة أسعار الصرف مقابل الدولار.
أسعار السندات
ومن الأحداث المثيرة للاهتمام في الأسبوع الماضي انخفاض أسعار السندات الحكومية بالتوازي مع انخفاض أسعار الأصول الأخرى ذات المخاطر العالية.ومن المعروف أن أسعار الأسهم تتناسب عكساً مع أسعار السندات الحكومية في الأحوال العادية، إذ ترتفع قيمة سندات الخزينة خلال فترات النفور من المخاطرة في السوق.
ونعتقد أن الأسباب الرئيسية لارتفاع عوائد سندات الخزينة هي الضغوط السياسية لإنهاء الجولة الثانية من التسهيلات الكمية في وقت أبكر من المتوقع، وتحسن تصورات السوق حول الاقتصاد الأمريكي (بدأ الخبراء الاقتصاديون برفع مستوى توقعاتهم للناتج المحلي الإجمالي).
وبالفعل، سيتم شراء سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات حالياً بزيادة 4 نقاط أساس قياساً إلى الأسبوعين الماضيين أي 88 .2% مع توقعات بارتفاع طفيف للعائدات. ولا تزال مشكلة ديون الدول المجاورة للاتحاد الأوروبي تشكل عامل خطر بالنسبة للأسواق على المدى المتوسط.
ورغم أن نزوع صانعي سياسات الاتحاد الأوروبي لتمويل تلك الدول تجنباً لانهيارات لاحقة في الأسواق الأخرى يعد خطوة إيجابية للأسواق على المدى القصير، غير أنها لا تحل مشكلة الملاءة المالية على المدى الطويل. علاوة على ذلك، فإن تشدد الميزانيات المالية في بيئة ذات معدلات بطالة مرتفعة لا يساعد على حفز النمو الاقتصادي.
وستؤدي الخطة المتعددة السنوات لتقليص المديونية في الدول المجاورة للاتحاد الأوربي إلى ركود النمو خلال السنوات المقبلة.ويبقى تمويل البنوك على المدى القصير في البرتغال واسبانيا أمراً رئيسياً لتجنب الضائقة في أسواق الدين لهاتين الدولتين.
ويمضي دوغان فيقول: تواصل البيانات الاقتصادية تأكيد صوابية رؤيتنا الإيجابية للأشهر الثلاثة إلى الستة المقبلة ولاسيما تلك القادمة من الولايات المتحدة؛ إذ تظهر مسوح الثقة الصناعية عموماً إنتاجاً قوياً وطلبيات جديدة.
كما أظهرت بيانات الإنتاج الصناعي لشهر أكتوبر زيادة بنسبة 5 .0% مشيرة إلى تسارع ملحوظ في نشاطه. وتم دعم زيادة الإنتاج الصناعي بفعل ارتفاع الطلب المترافق مع تحسن قوي في مبيعات التجزئة خلال شهر أكتوبر.
ولا يزال التحدي الرئيسي للاقتصاد الأمريكي يتمثل في سوق الإسكان مع انخفاض أسعار المساكن بنحو 12% خلال شهر أكتوبر. ويشار إلى أن الولايات المتحدة أقل عرضة لمخاطر التضخم في المرحلة الراهنة؛ وذلك بفضل إدارة التضخم الأساسي بشكل جيد جدا خلال شهر أكتوبر، والتراجع الجيد للأسعار الأساسية بنسبة 2 .0% للشهر الثاني على التوالي.
الذهب
وفي ظل جميع هذه المخاوف بشأن ايرلندا والقلق إزاء معدلات التضخم في الأسواق الناشئة، تتجه الأذهان مجدداً نحو الذهب؛ فكثيراً ما نجد المستثمرين مأخوذين بوجهة النظر التكتيكية بشأن الذهب بدلاً من الحفاظ على مواقعهم الاستراتيجية.
وتعتبر القضايا التكتيكية لأزمة ديون الدول المجاورة لمنطقة اليورو مجرد مظهر من مظاهر الاختلالات العالمية الحالية التي نعتقد أنها ستوفر دعماً مستمراً لأسعار الذهب. ومن المرجح أن تستمر الضغوط المفروضة على البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة الكبرى لمواصلة جهودها في إنعاش السوق.
ونعتقد أن المستثمرين إما ستساورهم الشكوك بعدم جدوى الإجراءات الرامية إلى تنشيط النمو وبالتالي عودة مخاطر انهيار الاقتصاد العالمي مرة أخرى، أو أن الإجراءات التي تتخذها البنوك المركزية ستؤدي إلى ارتفاع كبير في معدلات التضخم؛ وفي كلا الحالتين، سيتوقع المستثمرون المخاطر ويتجهون نحو الذهب.
وبالتالي فإن طلب المستثمرين وليس طلب تجار المجوهرات هو الذي أدى إلى ارتفاع الأسعار خلال السنوات القليلة الماضية. وفي الربع الثالث من العام الحالي، اشترى المستثمرون ما مجموعه 3 .28 طناً من الذهب في صناديق المؤشرات المتداولة ليصل إجمالي الاحتياطيات إلى مستوى قياسي جديد.
ورغم أن طلب المستثمرين كان الأقوى خلال هذا العام، بقي طلب تجار المجوهرات قوياً نسبياً. وحتى في ظل ارتفاع الأسعار المطلقة، بقي طلب تجار المجوهرات في الهند - أكبر سوق للمجوهرات في العالم - مستقرا عند مستوى السنوات الأخيرة؛ فيما ارتفع الطلب من السعودية بنسبة 5% في الربع الثالث؛ وشهدت الصين واليابان وروسيا مؤخراً نمواً جيداً على هذا الصعيد.
(وكالات)
