أكد معالي محمد الشيباني مدير ديوان صاحب السمو حاكم دبي ونائب رئيس اللجنة المالية العليا «ان إمارة دبي نجحت في تطوير الأجهزة، ولكن يوجد الكثير من البرمجيات التي يجب الحصول عليها»، وذلك في إشارة من جانب معاليه إلى أن إمارة دبي نجحت في تطوير بنيتها التحتية المادية التي وصفها بـ «الأجهزة» وتشمل الطرق وأنظمة نقل والمواصلات والمطارات والجسور.. إلخ.

وأنها تعكف على تحديث بنيتها التحتية غير المادية التي وصفها بـ «البرمجيات». وتتمثل في الأنظمة القانونية والتشريعية والحوافر الاستثمارية.. الخ.ويؤشر هذا القول على أن تعافي دبي من الأزمة المالية يعود إلى كفاءة وفعالية بنيتها التحتية المادية، واعتكافها الآن على تحديث بنيتها التحتية غير المادية، بحيث يتكامل هذان المكونان معا في تشكيل الأساس والقاعدة التي ستنطلق منها في التعامل مع أوضاع عالم ما بعد الأزمة المالية العالمية.ومن ثم، فانه بقدر ما أسهمت تلك البنية التحتية المادية في إخراج إمارة دبي من نفق الأزمة العالمية، فانه وبالقدر ذاته سيكون لتحديث البنية التحتية غير المادية الدور الضخم في تشكيل معالم أدوار ومسؤوليات الإمارة في عالم ما بعد الأزمة.

:طرق وأنظمة:ويسود أوساط المحللين والمراقبين اتجاها يختزل قوة عناصر إمارة دبي في مكونات بنيتها التحتية من طرق وأنظمة نقل ومواصلات بجانب مكانتها كمحور رائد للملاحة البحرية، وثمن هذا الاتجاه الذي هيمن لفترة غير قصيرة البنية التحتية المادية بأنها أغلى الأصول التي تمتلكها الإمارة.بيد أن معالي محمد الشيباني سلط الضوء على الأهمية المتنامية والمتزايدة لعناصر البنية التحتية غير المادية التي وصفها بـ «البرمجيات»، وهو ما يترجم نظرة تتزايد أهميتها على نحو مطرد تعتبر البنية «غير المادية» من هيكل قانوني وتجاري بالإمارة بأنها بالغة الأهمية في جهود الإمارة لإعادة البناء لما بعد الأزمة المالية العالمية.وفي هذا السياق، يؤكد سيمون ويليامز، كبير خبراء الاقتصاد في الشرق الأوسط ببنك اتش اس بي سي أنه ما من شك ان جودة البنية التحتية في دبي والتي تشمل وسائل المواصلات وقطاع الخدمات تمنحني إيماناً راسخاً من سرعة تعافي الاقتصاد في هذه الإمارة.وعلى الرغم من خسائر الأزمة المالية وأضرارها والتحديات التي واجهتها الإمارة على مدار العام المنصرم إلا أن دولة الإمارات بشكل عام ودبي على نحو خاص قد حسَّنت من وضعيتها وتصنيفها كمكان للأعمال، وهو ما يعكس التطور الحاصل في عناصر ومكونات بنيتها التحتية غير المادية.

شهادات التقدير

ويزخر السجل بالكثير من شهادات التقدير للأداء المتميز لمكونات بنية الدولة التحتية غير المادية، فمن جانب، حسنت الدولة من موقعها ومكانتها على قائمة البنك الدولي لعام 2010 لأكثر الدول يسرا في مزاولة الأعمال، محققة صعوداً من المركز السابع والأربعين إلى المركز الثالث والثلاثين في العالم، كما حلت الدولة ضمن أعلى خمس دول في فئة «التجارة عبر الحدود».

وحققت كذلك دولة الإمارات نتائج طيبة بشكل ثابت في الاستقصاءات الرئيسة الأخرى لجودة بيئة الأعمال، وفي الاستقصاء السنوي لمنظمة الشفافية الدولية، جاءت الإمارات في المركز الثامن والعشرين من أصل 178 دولة متفوقة على بعض البلدان الأوروبية وبيوت الطاقة الاقتصادية الهائلة في الصين والهند، كما جاءت الدولة في قائمة أول عشر دول بالنسبة للتنافسية العالمية حسب تقدير المنتدى الاقتصادي العالمي.

والملفت للانتباه بالنسبة للمراقبين أن تحقيق هذه النتائج جاء في الوقت الذي كان فيه انتباه العالم مركزاً على التحديات التي تواجه مجموعة دبي العالمية في إعادة التفاوض على دين بقيمة 25 مليار دولار أميركي، وهو ما يعد دليلا صادقا على التقدم الذي أحرزته الإمارة في تعزيز شهرتها كمركز رئيسي للأعمال والمال.

وعلى أرضية التقدم الحاصل في مكونات البنية التحتية بشقيها المادي وغير المادي في الإمارة، يتوقع معظم المراقبين عودة النمو الاقتصادي في الإمارة والدولة ككل خلال العام الجاري، ودللوا على ذلك بانخفاض معدلات مقايضة مخاطر الائتمان.

وهو مؤشر رئيسي لقياس صحة الوضع المالي، بشكل كبير خلال الأسابيع الأخيرة، وعودة بعض شركات إمارة دبي مجددا إلى سوق الدين التي لاقت إصداراتها إقبالا منقطع النظير من جانب المستثمرين الدوليين.

نماذج حية

ويقدم مركزا دبي المالي العالمي ودبي للسلع المتعددة نماذج حية على الكيفية التي بها تتكامل البني التحتية لإمارة دبي بمكوناتها المادية وغير المادية، حيث تمكن المركزان من تحقيق تطلعات الإمارة بأن تصبح مركزا عالميا للتجارة والمال.

وفيما يتعلق بالتكامل الحاصل بين عناصر البنية التحتية المادية وغير المادية في مركز دبي المالي، فقد تجسد هذا الأمر عمليا من خلال تأسيسه عام 2004 بمكونات بنية تحتية مادية وغير مادية تتكامل مع بعضهما البعض، وذلك على نحو أسهم في تعزيز مكانة إمارة دبي كمركز للمال ومزاولة الأعمال.

حيث تم تخطيط المركز كمركز مالي مستقل وذاتي التنظيم على أساس أفضل الممارسات الدولية من حيث الهيكلين: المالي، والتنظيمي، وجاءت سلطة دبي للخدمات المالية لتكون حجر الأساس.

وأضافت نشأة محاكم مركز دبي المالي العالمي الكثير من عناصر الجاذبية لإمارة دبي كمقر لمزاولة المؤسسات المالية العالمية أعمالها في الشرق الأوسط، بالنظر إلى أن المحاكم تعد بمثابة هيئة مستقلة للبت في وتسوية النزاعات التجارية والمدنية وتسويتها.

وهي متاحة للجوء إليها من قبل أي هيئة مسجلة لدى مركز دبي المالي العالمي، وأحدث تأسيس المحاكم تغييراً جذرياً في النظرة المتشككة التي سادت المؤسسات والشركات الأجنبية إزاء الأبنية القانونية في منطقة الشرق الأوسط.

تحقيق العدالة

وقال مارك بير مسجل محاكم مركز دبي المالي العالمي: إننا في محاكم مركز دبي المالي العالمي نسعى إلى ضمان تحقيق العدالة للجميع بأفضل طريقة ممكنة.

كما تعتبر محكمة القضايا الصغيرة نموذجا واضحا لهذه الجهود، فما زال هدفنا تيسير الوصول إلينا قدر الإمكان، وإذا كانت الحكومة تسعى إلى تمديد الولاية القضائية لمحاكم مركز دبي المالي العالمي، فإننا نمتلك البنية التحتية والخبرة التي تمكننا من التوسع إلى أكبر نطاق.

وجاء إنشاء محاكم مركز دبي المالي العالمي بهدف استكمال النظام القضائي في إمارة دبي، فلا يُسمح لها بالحكم في المسائل الجنائية التي تندرج ضمن ولاية واختصاص سلطة محاكم دبي، ويمكن لمحاكم مركز دبي المالي العالمي أن تنظر في أمر القضايا إذا كان واحدا أو أكثر من أطرافها مسجلًا كشركات بمركز دبي المالي العالمي، أو أن لها صلة بمركز دبي المالي العالمي، ولكن كان هناك بعض الضغط من أصحاب المصالح خارج مركز دبي المالي العالمي للاستفادة من المحاكم.

وقد ساهمت محاكم مركز دبي المالي العالمي في تنامي سمعة دبي كمقر جيد ومناسب للأعمال، وفي واقع الأمر، وعلى الرغم من خسائر الأزمة المالية وأضرارها والتحديات التي واجهتها الإمارة على مدار العام المنصرم في التعامل مع حالة السقوط المالي، إلا أن دبي ودولة الإمارات قد حسَّنت من وضعيتها وتصنيفها كمكان للأعمال.

والجدير بالذكر أن محاكم مركز دبي المالي العالمي لا تقوم بالتركيز على الشركات والأعمال الكبرى فحسب، بل إنها تعطي اهتماما كبيرا للدعاوى الصغيرة على حد سواء، بما في ذلك القضايا المرفوعة من قبل الموظفين ضد أصحاب الأعمال، أو المسائل التعاقدية الصغيرة نسبيا بين شركاء العمل.

القضايا الصغيرة

ويتم النظر في القضايا الصغيرة من قبل قضاة مركز دبي المالي العالمي بدون تكلفة باهظة التكلفة، حيث تهدف محاكم القضايا الصغيرة إلى تسوية النزاعات بأسلوب يتميز بالشفافية والكفاءة، وقد تمت تسوية 90% من تلك القضايا في غضون ثلاثة أسابيع، وغالبا ما كان يُجرى ذلك دون حضور الأطراف المعنية إلى المحكمة، بل يتم من خلال الاعتماد على خدمات الوساطة والاستشارات الفريدة لمحاكم القضايا الصغيرة.

ويعتقد بريان ويلكي الذي يصف نفسه بأنه رجل أعمال يتخذ من الإمارات مقرا له أن محكمة القضايا الصغيرة تعتبر فكرة جيدة لطالما كنا بحاجة إليها، والتي يمكن أن تساهم في تحسين سمعة الإمارة من حيث النزاهة.

مشيراً إلى أن معظم الشركات الكبيرة تبدأ عملها كشركات صغيرة ومتوسطة الحجم وتواجه نفس المشاكل، ويمكن الفصل في قضاياها من خلال محكمة القضايا الصغيرة، وذلك على نحو سريع وبتكلفة زهيدة.

ويؤكد الإطلاق الأخير لمحاكم مركز قطر المالي الذي يتمتع بولاية قضائية غير محدودة أن السلطات القطرية لم تدرك فحسب النجاح والإنجازات التي حققتها محاكم مركز دبي المالي العالمي.

والدور الذي يمكن أن تلعبه هذه المنصة القضائية في تعزيز سمعة الدولة كمكان آمن لممارسة الأعمال، بل أدركت أيضاً الدور الذي يمكن أن تلعبه في جعل قطر مركزا إقليميا للتميز فيما يتعلق بتسوية النزاعات القانونية في جميع أنحاء المنطقة.

بناء مركز السلع

وعلى نفس المنوال، رأى أحمد بن سليم الرئيس التنفيذي الأول لمركز دبي للسلع المتعددة، أنه قد تم الانتهاء من بناء المركز، ولم يتبق سوى أعمال إنشائية صغيرة هنا وهناك، وجرى إنجاز الهدف المرحلي ببناء مركز للسلع يوطد مكانة دبي كمركز عالمي بتجارة السلع.

وتأسيس المنطقة الحرة في أبراج بحيرات الجميرا التي نجحت بأن تكون مقصدا جاذبا للشركات على مختلف أعمالها، ويشدد أحمد بن سليم على أن محور التركيز سيتحول نحو إعطاء المزيد من الاهتمام إلى ما أسماه أحمد بن سليم بـ «مجتمع أبراج بحيرات الجميرة»، فمن منظوره أن هذا المجتمع هو مجتمع حديث التكوين.

وهو وضع يملي عليه ضرورة إعطاء المزيد من الاهتمام لهذا المجتمع، وذلك من خلال التأكيد على دور أساسي وهو القيام بوظيفة «مزود الخدمات»، بأن يتم تقديم خدمات على أرقى المستويات والتي تتناسب مع تطلعات مجتمع أبراج بحيرات الجميرة، وأن يتسم تقديم هذه الخدمات بالفاعلية والكفاءة والسرعة.

وبمعزل عن الأدوار والمسؤوليات التي ينهض بها مركز دبي للسلع المتعددة، تبقى المسألة الأكثر أهمية بالنسبة للرئيس التنفيذي لمركز دبي للسلع المتعددة، هي أن دبي صارت تمتلك الآن البنية التحتية لأن تكون مركزاً عالمياً لتجارة السلع.

فليس بمقدور أحد ـ على حد قوله ـ زحزحة برج الألماس إلى مكان آخر في العالم، بل سيبقى لأجل غير مسمى القلب النابض لمدينة سلع متكاملة في المنطقة الحرة لأبراج بحيرات الجميرة.

ولسوف يستمر تقاطر الشركات إلى هذه المنطقة، وهو ما يعد تجسيداً عملياً لرؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بأن يتألق دور دبي كمركز لتجارة السلع على الصعيد العالمي.

دبي ـ مجدي عبيد