تتجمّع في الأفق الأميركي غيوم أزمة مالية كالحة فالمأزق الذي أنتجته الانتخابات؛ يهدّد بالمزيد من التفاقم والانسداد، وإذا ما بقيت ضغوطه تتراكم في هذا الاتجاه، فهو محكوم بتوليد هزّة مالية عنيفة؛ لن تقتصر تداعياتها على الساحة الأميركية لوحدها.
تحذيرات بالصوت العالي، توالت في الأيام الأخيرة بهذا الخصوص؛ وعلى لسان مرجعيات وجهات رسمية ومن أهل الخبرة والاختصاص. تعزّزها أرقام ووقائع، بعضها ناجم عن أوضاع ما زالت تعمل وإلى حدّ بعيد؛ بنفس الآليات المنفلتة التي كانت وراء الأزمة الأولى قبل سنتين.
ووفق هذه التحذيرات والتقديرات فإن العاصفة قد تهب هذه المرة من جهتين: عجز الموازنة والميونية المتمادية من ناحية والخلل الفادح الذي بدأ يطل برأسه من جديد؛ في المعادلة المالية الاقتصادية من الناحية الأخرى.
وما يزيد من المخاوف أن فسحة الوقت قصيرة؛ وأن القرار السياسي المطلوب لقطع الطريق أمام الخطر، تبدو أبوابه مقفلة. والمؤشرات، حتى الآن على الأقل؛ لا تبشر بفتحها.
وأطلق رئيس اللجنة الخاصة لخفض العجز في الموازنة، السيناتور الجمهوري السابق ألن سمبسون الذي عيّنه الرئيس أوباما الصرخة الأولى. وكانت هادرة، عندما حذّر من حمام دم مالي في أبريل المقبل. ففي ذلك الحين، سيتخطى الدّين العام الحدود التي سمح بها قانون الموازنة. عندها لا بدّ من تشريع جديد لرفع سقفه وبما يجيز الاستدانة للاستمرار في تسيير عجلة العمل الحكومي.
لكن اليمين المحافظ الجديد في الكونغرس وبالتحديد جماعة حزب الشاي عازم على رفض الموافقة على أي عجز لا يخفض الإنفاق العام بالدرجة التي يريدها. أي بشطب كل مشاريع وبرامج الرئيس أوباما. ولا يبدو أنه في وارد التزحزح عن شروطه.
ولو هدّد ذلك بتعطيل العمل الحكومي وبوقف تسديد المستحق من الّدين العام. ومثل هذا الوقف، إذا حصل؛ له مضاعفاته السلبية والأقسى هذه المرة، على سعر الدولار وأسواق الأسهم وعمليات التسليف والاستثمار.. وبالتالي توقع دومينو خطير يؤدي إلى أزمة مجهولة العواقب. خاصة وأن الأوضاع المالية والاقتصادية، ما زالت سريعة التأثر بالأزمة السابقة.
ويواكب ذلك ويزيد من هشاشة الوضع، ما كشفت عنه الأرقام مؤخراً من تنافر بين الأداء الضعيف للاقتصاد الأميركي وبين معدّلات الأرباح العالية لكبريات الشركات، في الربع الثالث الأخير. وبالتحديد المصارف والمؤسسات المالية الأخرى. حصة هذه الأخيرة كانت، حسب أحد المصادر، أكثر من 33 مليار دولار من أصل 44 مليار دولار، زيادة في أرباح الشركات لهذه الفترة.
في ذات الوقت معدلات البطالة ما زالت على حالها أي أكثر من 9%، وكذلك معدلات النمو الشديد البطء. خلل غير طبيعي: قطاع مزدهر واقتصاد أعرج. حالة وصفها بول فولكر، الرئيس الأسبق للبنك المركزي الأميركي بأنها أشبه بـ «فخ السيولة».
خطر فقاعة مالية قيد التكون، ناتجة عن «ظهور جديد لأوليغارشية مالية أميركية»، على حدّ تشخيص سيمون جونسون، كبير الخبراء الاقتصاديين سابقاً في صندوق النقد الدولي. فالقطاع المالي هو الذي يتولى معالجة المشكلات الاقتصادية وليس الإدارة؛ كما قال.
حالة، كان وراء انهيار أوائل ثلاثينات القرن الماضي ووضع الرئيس روزفلت يومذاك، حدّاً لها بسنّ قوانين تنظم وتضبط حرية هذه المؤسسات. تلك القوانين جرى التخلي عنها في أواخر القرن الماضي، وكان زلزال 2008 النتيجة.
واشنطن - فكتور شلهوب
