استشعرت الأسواق المحلية بحساسية عالية تطورات الأوضاع الاقتصادية العالمية. وتأثرت قيم تداولات سوقي ابو ظبي ودبي الماليين بالأحداث التي شهدتها الساحة الأوروبية والمتمثلة في الديون الايرلندية.

فقد عادت قيم التداولات للتراجع الى مستويات شهر أغسطس الماضي. حيث عاد معدل التداول اليومي الى 240 مليون درهم منخفضا من متوسط يومي خلال الشهرين الماضيين قارب ال 250 مليون درهم.

وذكر المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للاوراق المالية الدكتور همام الشمّاع في تقريره الأسبوعي حول أسواق الأسهم المحلية أنه حيث ان العلاقة بين قيمة التداولات وأداء المؤشر العام للسوق هما على علاقة ارتباط موجبة قوية، فإن تراجع التداولات قاد بالضرورة الى تراجع المؤشر العام لسوق الإمارات بالمقارنة مع إقفال آخر أيام التداول قبل عطلة العيد.

وتراجع قيم التداولات الذي عاد خلال الأسبوع الحالي هو نتيجة لاستشعار الوضع المالي العالمي من قبل الأسواق المحلية وهو نوع من التحوط الدفاعي الذي بدأ يميز سلوك المستثمرين.

فعلى الرغم من أن ايرلندا بعيدة جغرافيا واقتصاديا عن الخليج، إلا أن تفجر أزمتها بعد أزمة اليونان كرس حالة حذر من أن تؤدي هذه الأزمات المتعاقبة إلى مزيد من ارتفاع أسعار الفوائد وبما يزيد من صعوبات الحصول على التمويل ويرفع من كلفة الإقراض الحالية المرتفعة ليس بسبب المخصصات العالية التي أخذتها المصارف وإنما بسبب ارتفاع كلفة الحصول على الأموال.

أسعار الفائدة

وقال الدكتور الشماع: أدى توقع المزيد من ارتفاع أسعار الفائدة العالمية نتيجة لارتفاع أسعار التأمين على الديون في منطقة اليورو بعد فشل مزاد السندات الايرلندية وارتفاع أسعار مقايضة الائتمان لخمس سنوات بمقدار 159 نقطة إلى ارتفاع أسعار الفائدة ما بين المصارف. فقد ارتفع الأيبور في العاشر من نوفمبر الجاري مع تفجر أزمة ديون ايرلندا.

وحيث ان الأسواق المحلية تستند في حركتها على حركة أسعار الفائدة ما بين المصارف فقد تباطأ أداء الأسواق بتأثير ذلك. فبعد أن ساد التفاؤل بإمكانية توفير التمويل من الأسواق الخارجية التي تهافتت على سندات حكومة دبي وشركة ماء وكهرباء دبي قبل تفجر أزمة ديون ايرلندا وبعد ان استعدت العديد من الشركات المصرفية وغيرها لإصدار سندات باليورو والدولار لتخفف من الضغوط التي نجمت عن حلول آجال قروض سابقة، جاءت هذه الأزمة الجديدة لتتسبب في خلق صعوبات جديدة أمام فرص الاقتراض من الأسواق الدولية.

وبعد أن كانت أسعار الفائدة بين المصارف الإماراتية قد تراجعت بنسبة 6,4% خلال الفترة من بداية أكتوبر الماضي وحتى منتصفه عادت وارتفعت في الثالث عشر من نوفمبر بنسبة 5,1% غير انها عادت وتراجعت بشكل طفيف مع موافقة الاتحاد الأوروبي على طلب ايرلندا بدعمها بمبلغ 90 مليار يورو.

أداء الأسواق

وتابع الدكتور الشماع قائلاً: بالعودة إلى أداء الأسواق خلال الأسبوع الماضي والتي تراجع مؤشرها العام للسوقين كما تراجعت قيمة تداولاتها مقارنة مع الأسبوع السابق، فإن هذا التراجع لا يمكن أن يفسر إلا في ضوء المعطيات الدولية الجديدة التي أدت الى توقع حدوث ارتفاعات ملموسة في أسعار الفائدة بين المصارف.

وليس أدل على هذا التفسير من علاقة الارتباط القوية السالبة بين سعر الفائدة بين المصارف الإماراتية وبين مؤشر السوق الذي كان 87,0 خلال الفترة من بداية يونيو الماضي وحتى الوقت الراهن.

وأضاف: في كل أنحاء العالم تلعب السياسة النقدية دوراً فعالاً في خطط إنقاذ الاقتصادات التي تتعرض لمشكلات مالية. وليس من المستبعد أن تبدأ العديد من دول العالم بتيسير سياستها النقدية بأساليب غير تقليدية تخرج عن إطار تخفيض الفائدة واستخدام سياسة السوق المفتوحة، لتصل إلى سياسات التخفيف الكمي لمعالجة وتعويض النقص في السيولة الذي سيتولد عن تقشف الإنفاق العام الحكومي وتسديد التزامات خارجية والذي يترك آثار تقلصيه انكماشية على الاقتصاد الكلي.

فالسياسة النقدية ومنذ عدة عقود لم تعد سياسة محايدة كما كانت في ظل قاعدة الذهب حيث يتحكم حجم الاحتياطي الذهبي تلقائيا بعرض النقد. فقد أصبح للسياسة النقدية وفي ظل نظام النقد الائتماني دور واسع في تحقيق الاستقرار الاقتصادي.

الطرق المتاحة

وقال الدكتور الشمّاع: عندما تكون أبواب الاقتراض الخارجي مغلقة أو تنتابها العديد من الصعوبات والمعوقات كما أسلفنا في ظل أزمة ديون ايرلندا والتي من المتوقع أن تتفاقم إذا ما ظهرت أزمات مديونية أخرى حول العالم، فإن هناك طريقين متاحين الأول هو الطريق الممهد من قبل السياسة المالية بما تعنيه من زيادة الإنفاق الممول بموارد غير مقتطعة من دورة الدخل.

فالأموال المتأتية من دورة الدخل كالأرباح المعاد استثمارها سواء من قبل القطاع الخاص او الحكومي والضرائب والرسوم فإن أثرها حيادي غير قادر على تعويض النقص في دورة الدخل الناجم عن تسديد قروض واستحقاقات خارجية.

والمال العام أو الخاص الذي يمكن ان يعوض الدورة الاقتصادية هو المال المتأتي من الصادرات أو من قروض خارجية. وبصورة أوضح فإن ما يمكن أن يخدم السياسة المالية الإنقاذية في الدول المصدرة للنفط هو إنفاق كامل إيراداتها النفطية في الداخل على مشروعات تنموية واسعة النطاق وتأجيل استثمارات المستقبل الخاص بالأجيال القادمة على مرحلة ما بعد الأزمة المالية الحالية. فعمق الأزمة وما يمكن ان يترتب عليها من أضرار في جسم الاقتصاد تبرر تأجيل ادخارات المستقبل لسنة أو سنتين بأبعد الحدود.

أما الطريق الثاني فهو الذي تعبده السياسة النقدية بما تعنيه من خلق زيادة صافية في السيولة والتي لا تقتطع من دورة الدخل وإنما من إصدار نقدي جديد يتيحه النظام النقدي الائتماني والذي يجعل سلطة الإصدار النقدي الوحيدة للمصرف المركزي وهو ما يسمى بالتخفيف الكمي الذي يعني زيادة في السيولة النقدية. والواقع ان التحفظ الذي يرد على مثل هذه السياسة هو أنها تؤدي إلى خفض قيمة العملة.

غير ان هذا التحفظ غير وارد بالنسبة للإمارات والدول الخليجية التي تربط عملاتها بالدولار الذي تراجع وأدى إلى انخفاض العملات الخليجية بدون سبب نقدي أو اقتصادي.

وتابع قائلاً: المهم في كلا الطريقين أن تكون السيولة الإضافية التي يتم ضخها في الاقتصاد متأتية إما من مصادر خارجية (إيرادات النفط أو القروض الخارجية) أو من مصادر محلية إضافية مخلوقة وليست من أرباح آو مدورة في الاقتصاد حيث ان الإنفاق الممول بإيرادات مقتطعة من دورة الدخل سيكون له آثار حيادية على الطلب الكلي أي ليس له أثر تحفيزي كما لو كانت مصادر إضافية تدخل دورة الدخل القومي.

والنصيحة الرمزية التي قدمها الاقتصادي الخالد جون مينر كنز هي «دعوا العمال يحفرون الشوارع ويردمون الحفر بعد ذلك» وطبعا كينز كان يدرك أن مصادر تشغيل العمال وتوظيفهم هي موارد اضافية مخلوقة في ظل النظام النقدي الورقي الائتماني.

واختتم الدكتور الشماع قائلاً: بينما نأمل ألا يحدث المزيد من تفجر أزمات ديون أوروبية جديدة فإن التوقع بحدوثها يجب أن يظل ماثلا في الأذهان وبما يستلزم إجراءات احترازية موضوعة وفق خطط معدة مسبقا.

دبي - البيان