لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته فظا غليظ القلب، فلو كان كذلك لانفض الناس من حوله، وإنما دعا إلى الله على هدي وبصيرة وجادل بالتي هي أحسن وحاور بمقتضى العقل والحكمة، فأخذت دعوته طريقها في رفق إلى القلوب، قلوب كانت قاسية فإذا هي مأخوذة بمنهج الدعوة وأدب الداعية فلانت كما يلين الحديد وذابت كما يذوب الجليد.

إن أدب الدعوة الذي التزم به النبي صلى الله عليه وسلم في مسلكه فتح على الإسلام قلوبا غلفا وأعينا عميا وآذانا صما فكان يقينهم بعظمة صاحب الدعوة دليلا إلى إيمانهم وكان إعجابهم بشخصية محمد النبي أسرع واسبق من إعجابهم بشخصية النبي محمد.

فهناك فرق بين أن يعجب الناس بشخص الداعية لحسن سيرته وحميد أخلاقه فيقودهم هذا الإعجاب إلى الالتزام بدعوته وبين أن يعجب الناس بالدعوة نفسها فيسلمهم هذا الإعجاب بالتالي إلى الإيمان بصدق صاحبها.

إن الأخلاق الإسلامية شانها شان هذا الدين الذي أكرم الله به البشرية استجابة لفطرتها الخيرة، هذه الفطرة تميل بطبيعتها إلى مكارم الأخلاق وتنفر من الأخلاق السيئة فأي انحراف في مسار الفطرة إنما هو من صنع البيئة الخارجية فكل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ونحن لا نكاد نسمع عن عاقل أشاد بالخيانة أو البخل أو أثنى على كذاب أو جبان فالعقل البشري حين ينقاد إلى دين الله .

ويأتمر بأمره يكون في مأمن من العوج فيؤدي وظيفته التي خلق من اجلها ميالا إلى المحاسن نافرا من المساوئ فان علته سحابة من جهل أو جاهلية اختلت وظيفته فيرى القبيح حسنا والمنكر معروفا فالجاهليون كانوا يرون الظلم مكرمة والتواضع عارا والجود سمعة واشتهارا حتى لقد قال قائلهم:

ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا !! لان عقولهم لم توجه بمنهج الهي يعصمها من الزلل. أما الأخلاق الإسلامية فإنها تستجيب لعقل ينصاع للدين لأنها قامت على أساس أن النفس الإنسانية ليست شريرة في أصلها ولا يفسد الإنسان إلا عدم استخدامه القوى والمواهب التي أودعها الله في نفسه.

ومن يتتبع منهج الإسلام في نظامه الاقتصادي يدرك ان العمل الإنتاجي يأخذ مركز الصدارة بالنسبة لاهتمامات الدعوة الإسلامية وتوجيهاتها في هذا المجال. وحسبك أن تعرف أن كلمة العمل في مصطلح الحضارة الإسلامية قد تخلصت من مفهوم الضعة والهوان الذي ارتبط بها لدى الشعوب والأمم الوثنية مثل الإغريق والرومان وأتباعهم في الحياة العربية قبل الإسلام.

فقد كان هؤلاء وأولئك يترفعون عن العمل وبخاصة العمل اليدوي والحرفي ويرونه عارا لا يليق إلا بطبقة العبيد. أما الحضارة الإسلامية فقد استعملت العمل بمفهوم شامل يتسع فينتظم الوظائف الإدارية الكبرى ويمتد فيشمل العمل الحرفي واليدوي فلكل من هذه الأعمال أثره في بناء المجتمع وتلبية احتياجاته وحفظ استقلاله وقد ورد في سنن أبي داود (من عمل لنا عملا فرزقناه رزقا فما اخذ بعد ذلك فهو غلول).

وكذلك نجد النبي صلى الله عليه وسلم يحفز الهمم ويستنهض العزائم إلى العمل المهني في أحاديث كثيرة منها (ما أكل أحد طعاما قط خيرا من يأكل من عمل يده) وفي حديث آخر (قيل يا رسول الله أي الكسب أطيب قال: عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور) وفي الخبر أن الله تعالى يحب المؤمن المحترف.

ونخلص من هذا إلى ان مفهوم العمل في الحضارة الإسلامية شامل لكل مسلك اقتصادي مشروع في مقابل أجرة أو مال سواء تطلب هذا المسلك جهدا بدنيا كالعمل الحرفي أو جهدا فكريا كالولاية وسائر الوظائف.

ولم تقف دعوة الإسلام إلى العمل المنتج عند مصدر واحد من مصادر الإنتاج بل اتسعت فشملت كل المصادر من تجارة وزراعة وصناعة، ففي مجال التجارة أشار القران الكريم إلى أنها من النعم التي انعم الله بها على قريش في رحلتي الشتاء والصيف (لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) .

وفي تاريخ الصحابة الكرام ما يدل على نشاطهم التجاري وذكائهم في هذا المجال حتى ان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وقد ترك تجارته في مكة مهاجرا إلى المدينة لم يمض وقت طويل حتى كان له في أسواق المدينة نشاط تجاري واسع در عليه أرباحا طائلة كانت في جملتها خيرا له وللمسلمين جميعا.

وما نشك في أن نظرة الإسلام إلى العمل التجاري والمكانة الشامخة التي تبوأها هذا النشاط في اهتمامات النبي صلى الله عليه وسلم وفي مسلك أصحابه كانت توجيها لطاقات المسلمين واستثمارا لقدراتهم في مجال اقتصادي يعود نفعه على الفرد والمجتمع.

وفي مجال النشاط الزراعي كانت للإسلام توجيهات رائدة حتى انه لفت الأنظار ونبه الأذهان إلى الكائنات الحية بأنواعها الثلاثة الإنسان والنبات والحيوان وأشار القران إلى ما تحيا به هذه الكائنات كما أشار إلى الطعام (الغذاء) الذي هو قوام الإنسان والحيوان وان مصدره البشري هو الأرض وما يخرج منها من نبات (فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا..)

ودعا الإسلام أبناءه إلى إحياء الأرض الموات واستصلاحها قال صلى الله عليه وسلم (من أحيا أرضا ميتة فهي له).

كما ضرب الإسلام على أيدي الكسالى من الزراع الذين يهملون خدمة الأرض ويتركونها قفرا دون استثمار ونبه كذلك إلى الجهد المبذول في النشاط الزراعي وانه لا يعود نفعه عليهم في الحياة الدنيا فحسب بل هو صدقة يتقرب بها العبد إلى ربه. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله (ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة) .

أحمد عبد المجيد