الأسرة المسلمة هي نواة المجتمع الإسلامي وكيانه، وهي ركيزة تقدمه وأساس بنيانه، وبصلاح الأسرة واستقامة أفرادها يصلح المجتمع الإسلامي ككل في دنياه وفى أُخراه .....
ولكي نصل إلى هذا الإصلاح والنجاح داخل الأسرة، لابد لنا من منهج قويم وتخطيط سليم وقدوة حسنة، ونموذج أخلاقي نهتدي بهديه ونتبع منهجه... ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم هديه هو طوق النجاة في هذه الدنيا لكل أسرة مسلمة، وكيف لا وهو القائل: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً...كتاب الله وسنتي».
وفي جلسة علم من جلسات رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس فيها مع أحد صحابته النابغين الزاهدين الذي عُرف بالتقوى وحُب العلم أبوذر الغفاري، قال الصحابي: يا رسول الله، عظني.. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إياك وكثرة الضحك، فإنه يميت القلب، ويذهب بنور الوجه». قال: يا رسول الله، زدني. فقال صلى الله عليه وسلم: «عليك بالجهاد فإنه رهبانية أمتي».
قال: يا رسول الله، زدني. قال رسول الله لأبي ذر الغفاري: «أحب المساكين وجالسهم». قلت: يا رسول الله زدني. قال: «انظر إلى من هو تحتك ولا تنظر إلى من هو فوقك؛ فإنه أجدر ألا تزدري نعمة الله عليك».
ولنأتي إلى الجزء الأول من النصيحة الأولى التي يُحذر فيها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم من كثرة الضحك والمبالغة فيه. ولكن، هل معنى ذلك أن المؤمن لا يضحك؟!. بالطبع لا، ليس المقصود بهذا الحديث التجهم أو العبوس أو الوجه الجامد الذي لا يبتسم. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأمزح ولا أقول إلا حقاً».
وقال علي بن أبي طالب: ما مزح رجل مزحة إلاّ مجّ من عقله مجّة.
ولكن المقصود بكثرة الضحك هنا المبالغة في المزاح والضحك الزائد والاستخفاف والقهقهة العالية الزائدة عن الحد المسموح به.
ولكن ضحك المؤمن التبسم، وقد كان التبسم صفة ملازمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فعندما جاء التابعون يسألون السيدة عائشة رضي الله عنها عن صفة رسول الله، قالت: كان رجلا منكم، غير أنه كان بساماً.
أما الجزء الثاني من النصيحة فهو عن الجهاد، وأول ما نبدأ به هو جهاد النفس، وذلك أعلى درجات الجهاد بتقويم أنفسنا وتحسينها وحثها على مكارم الأخلاق وكبح جماحها عن ارتكاب المعاصي.
والجزء الثالث من نصيحة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر الغفاري هو أمره له وحثه أن يحب المساكين ويجالسهم.
وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين».
وقد كان سيدنا سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام مع ما أوتي من المُلك والجاه والسُلطة والمال إذا دخل المسجد يجالس المساكين ويقول: «مسكين جالس مساكين».
وكان عيسى عليه الصلاة والسلام يحب أن ينادى (يا مسكين)، ولم يكن أحب إليه إلا هذا الاسم .
وكان سفيان الثوري رحمه الله تعالى يقول: يُختبر عقل الرجل بما إذا جلس بجنبه على بساطه مسكين رث الهيئة بغير إذنه، فإن تكدر فهو ناقص العمل.
وكان الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى يقول: بلغنا أن نبياً من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قال: يا رب.. كيف لي أن أعلم رضاك عني؟ فأوحى الله تعالى إليه أن انظر رضا المساكين عنك.
جيهان محمود