عن أبى موسى، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا؛ فكان منها نقية، قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء ؛ فنفع الله بها الناس ؛ فشربوا، وسقوا، وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء.
ولا تنبت كلأ ؛ فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) رواه البخارى ج1 ص26.
1 - يضرب المصطفى، صلى الله عليه وسلم، مثلا للمؤمن الذي انتفع بهداية الإسلام ودعوته إلى الإسلام ؛ فتفقه في أمور دينه، وعلم غيره فنشر العلم والمعرفة، وللكافر الذي أخلد إلى كفره ؛ فلم يقبل هداية الله تعالى؛ أما مثل المؤمن الذي انتفع بهداية الإسلام فعلم وعلم غيره فمثله كمثل الأرض الخصبة النقية التي أصابها الغيث، فقلبت الماء وأنبتت الكلأ والعشب، فانتفع بها الناس؛ والمقصود هنا:
هم العلماء الذين يستنبطون القواعد العلمية، ويكتشفون بتحليلاتهم ـ أنواع العلوم والمعارف التي تفيد البشرية، وكمثل الأرض الجدباء التي أصابها الغيث ؛ فاحتفظت بالماء لينتفع به غيرها ؛ والمقصود هنا:
هم الحفاظ، ورواة الحديث الشريف ؛ فهم ـ وإن لم يستنبطوا ولم يكتشفوا ـ إلا أنهم حفظوا للأجيال التالية ما في الإسلام من الهداية ومن أنواع العلوم والمعارف التي تفيد البشرية. وأما مثل الكافر الذي لم يقبل هداية الله تعالى فمثله ـ في عدم الانتفاع بهداية الإسلام ـ كمثل القيعان التي لا تمسك ماء الغيث، ولا تنبت الكلأ ؛ فهي عديمة النفع.
2 - التمثيل أو التشبيه التمثيلي: هذا المثل الذي ضربه المصطفى، صلى الله عليه وسلم، للمؤمن والكافر، أمام دعوة الإسلام إلى هداية البشرية، وإلى الخروج من ظلمات الجهل إلى نور العلم والمعرفة؛ إنما هو تشبيه تمثيلي ؛ فقد شبه ما أعطاه الله تعالى من أنواع العلم والوحي الخفي والجلي بالماء النازل من السماء ـ في التطهير وكمال التنظيف والنزول من العلو إلى الأسفل .
وشبه الناس حيال هذا الغيث بالأرض التي بعضها خصب نقى ينبت الزرع فيفيد الناس جميعا، وبعضها أجادب ؛ لا تنبت ولكنها تحفظ الماء لغيرها، وبعضها قيعان لا فائدة منها ؛ هذا التشبيه التمثيلي:
إنما هو إبراز للمعاني في مشاهد حسية يألفها الناس، ويشاهدونها في واقع حياتهم وعلى اختلاف بيئاتهم ؛ فهذه أرض خصبة نقية تثمر الخير، وتلك أرض جدباء لا تثمر ؛ ولكنها ينتفع بها في الاحتفاظ بالماء لينتفع به الناس، وثالثة لا تثمر ولا ينتفع بها ؛ فلا خير فيها فالتمثيل هنا: أشبه بالتمثيل عند أهل «الفن» في العصر الحديث؛ إذ يمثل قيم المجتمع ؛ فيشاهدها الناس في المسرح والسينما، والتليفزيون ؛ فترسخ تلك القيم في نفوس المشاهدين.
3 - الاحتباك: وهو، أن يحذف من الأول ما ثبت نظيره في الثاني، ومن الثاني ما ثبت نظيره في الأول ؛ فله فضيلة الإيجاز في الكلام مع إلقاء الطرافة واللطف على العبارة، نجد هذا واضحا في قوله، صلى الله عليه وسلم، (فكان منها نقية قبلت الماء؛ فأنبتت الكلأ والعشب الكثير؛ أي:
(فنفع الله بها الناس فأكلوا وتصدقوا وادخروا) ولكنه حذف هذه العبارة في تلك الفقرة، لوجود نظيرتها في الفقرة التي تليها وهي: (وكان منها أجادب أمسكت الماء؛ فنفع الله بها الناس ؛ فشربوا وسقوا وزرعوا) وحذف منها قوله: (فلم تنبت الكلأ والعشب) لوجود نظيرتها في الفقرة الأولى وهى قوله: (فأنبتت الكلأ والعشب الكثير).
4 - في قوله، صلى الله عليه وسلم: (لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ): ما يسمى في علم المعاني بالاحتراس؛ وهو من باب الإطناب؛ وهو: (أن يؤتى في كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفع ذلك الإيهام) لأن قوله: (لا تمسك ماء) يوهم أنها قبلت الماء ؛ فأنبتت الكلأ والعشب فدفع هذا الإيهام بقوله: (ولا تنبت كلأ).
5 - المجاز العقلي في قوله: (أنبتت الكلأ والعشب الكثير) حيث أسند الإنبات إلى ضمير الأرض ؛ والحقيقة أن المنبت هو الله تعالى للمبالغة في نقاء الأرض وجودتها فكأنها هي التي تنبت.
6 - والاستعارة بالكناية في قوله: (قبلت الماء) أي: قبلت الأرض الماء؛ حيث جعل الأرض إنسانا يقبل ويرفض، ثم حذفه وأبقى لازمه وهو القبول على سبيل الاستعارة بالكناية ؛ وفى هذا مبالغة في نقائها وسرعة امتصاصها للماء.
7 - وقوله: (لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ) توكيد لقوله: (إنما هي قيعان) ولهذا فبين الجملتين كمال الاتصال؛ ومن ثم فقد فصل بينهما.
8 - القصر بإنما: في قوله: (إنما هي قيعان) أي: ما هي إلا قيعان؛ وعبر هنا بإنما؛ لأنها لا تجيء إلا فيما هو معلوم؛ أي تستعمل فيما يعلمه المخاطب ولا ينكره؛ لأن المقابل لها في المثل: هو (قلوب الكفار) يعنى:
إن كونها قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ أمر معلوم لا ينكره أحد وبالمثل: فإن كونها لم تقبل هدى الله تعالى أمر معلوم لا ينكره أحد ؛ لا جدال فيه ؛ فقد ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم غشاوة، فلم يرفع لهم رأس ولم ينالوا شرف الانتساب إلى الإسلام.
وقوله: (من لم يرفع بذلك رأسا) إشارة إلى الكفار لأنهم في سبات عميق فد أخلدوا إلى الأرض، مع أن شمس الإسلام قد سطعت على العالمين فلم توقظهم أنواره، ولم تبهرهم أضواؤه.
9 - واستخدم كلمة (الغيث) لأنه يغيث العطشان ؛ وكذلك: ما بعث الله به رسوله من الهدى والعلم يغيث القلوب المتعطشة إلى الهداية والعلم الذي ينير الطريق إلى الله؛ وكذلك قوله (نقية) أي: أرض نقية خالصة من الشوائب، وكذلك القلوب النقية الخالصة مما يشوبها من أكدار الكفر.
د. حسن إسماعيل عبد الرازق