يسعد الأهل بأبنائهم الصالحين، فهم أعمدة البيت وعليهم وبهم يتحقق الطموح وتنمو الأسرة وتحتل مكانة مرموقة في المجتمع، وقد قيل: إن الزورق الذي يقوده الأب والابن لا يصاب بأي أذى.
لقد استثار القرآن مشاعر البر والعرفان في نفوس الأبناء فوصى بالوالدين ونوه بفضل الأم فقال تعالى: «ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إليّ المصير) لقمان: 14.
فشكر الوالدين على ما أسديا للولد من خير يلي شكر الله عز وجل رأس الفضائل والأعمال الصالحات.
وقد تقبل الدنيا على الولد، ويحقق نجاحاً في عمله الأمر الذي يدر عليه الربح الوفير فتمتلئ خزائنه بالمال وقد يستعمل الولد عقله فلا ينسى حقوق أهله فيغدق عليهم مما أفاء الله عليه ويجعلهم سعداء لأنه في حاجة إلى رضاهم ودعائهم وهذا هو شأن الولد الصالح.
قال والد يصف حبه لأولاده: أحبهم لأنني أحب نفسي وهم بعض نفسي، بل إنهم عندي لخير ما في نفسي هم عصارة قلبي وحشاشة كبدي وأجمل ما يترقرق في صدري، أحبهم لأنهم أول من يعينني في ضعفي، ويرفه عني في شيخوختي، ويواسيني في علتي ويتلقى فيَّ العزاء إذا حُم القضاء.
والناظر في دنيا الناس يجد بعض الأبناء يرضخ لزوجته الحسناء وطلباتها التي تلهيه عن والديه وكذلك انشغاله بأولاده يجعله ينشغل عن والديه فينصرف عن العناية بهم فينسى أباه وما أنفق في سبيله من مال فيمسك يده عنه فيبوء بغضب من الله لأنه ينسى ما قاله المصطفى، صلوات ربي وسلامه عليه، «أنت ومالك لأبيك».
ولعلي أسوق هنا قصة اضطلعت عليها مفادها أن شاباً عاش حياة مترفة لأن والده الثري كان يغدق عليه في العطاء لأنه يحبه وأخته الوحيدة، وبعد أن تخرج الولد عمل في مركز مرموق شهد له الجميع بذلك وكانت الفرحة تملأ حياة والده ورغم أنه أصبح موظفاً كبيراً إلا أنه أي والده لم يبخل عليه، فكان يساعده في حياته الجديدة وجهز له بيتاً خاصاً به كي يتزوج فيه وساعده في زواجه من إحدى زميلاته في العمل إلا أن زوجته استغلت عطف والده عليه فظلت تطلب منه ما يرضي طموحها.
وبعد أن حملت منه ازداد دلالها وظلت تطلب الغالي والنفيس ولم تكتف بذلك بل أخذ فكرها يشطح بها فاقترحت على زوجها أن يرفع قضية حجر على والده يثبت فيها أن والده سفيه ولا يحق له التصرف في ماله، فيكون هو المتصرف في مال والده كي يعود بالنفع عليها وعلى ما في بطنها، ونسي زوجها ضميره ونسي حب والده له وإغداقه عليه، ورفع على والده قضية الحجر وتم له ما أراد وأصبح هو المتصرف الوحيد في أموال والده.
ولم يكتف بذلك بل قام بوضع والده في دار المسنين وتركه لم يسأل عنه يوماً ما. ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان توفيت زوجته أثناء الولادة وخسر الابن كل شيء وضاع حلمه في ولد يملأ عليه حياته، وتعب الوالد في دار المسنين وتأخرت صحته وطلبت الدار منه أن يحضر كي يرى والده وهو في النزع الأخير.
وأخيراً رق قلب الابن وذهب وقابل والده وانكب على يديه ورأسه يقبلهما ويعتذر له، لكن بعد فوات الأوان وهمس الأب في أذن ولده وأعطاه مفتاح المكتب وطلب منه أن يقرأ وصيته له، وتوفي الوالد وبعد إجراء مراسم الدفن عاد الابن وفتح المكتب .
كما طلب والده فوجد الوالد قد كتب له نصيبه في التركة بما يرضي الله وأخته رغم ما عمل فيه من جحود وعقوق فأخذ الابن يبكي ندماً وماذا يفيد الندم وسط هذا العقوق، وفجأة تعب الابن وكان المرض في عينيه، وبعد فترة من العلاج وإثر خطأ طبي فقد بصره فأخذ يردد يا ليت والدي كان معي الآن فكان هو النور الذي أرى به في الحياة.
المؤمن الحق هو الذي يجب أن يكون على اتصال بالنبع الكريم الثر من توجيهات الإسلام العالية ويضع أمامه وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنت ومالك لأبيك».
حامد واكد
