يروى أن شاس بن قيس قد تألم من الألفة التي سادت بين الأوس والخزرج فأرسل غلاما له كي يؤجج الضغائن مجددا، ويذكرهم بقصيدة قيلت في الجاهلية لإثارة الأحقاد بخصوص انتصار الأوس على الخزرج (يوم بغاث)، ولما سمع الأنصار هذه القصيدة تذكروا بعض ما كان بينهم وبين إخوانهم من عداوة وبغضاء، فكادت تنشب فتنة جديدة، فما كان: من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن خرج وقال:

(يا معشر المسلمين الله الله أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر وألف به بينكم، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا)، فنزل قوله تعالى:

(يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين، وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آياته وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم) آل عمران101

و الخطير في الأمر أن الله سمى: الفرقة.. التنابذ.. البغضاء.. العداوة.. الطعن.. التدابر؛ كفرا: (وكيف تكفرون...). إذا فالمؤمن الحقيقي وصال لا قطاع، همزة وصل وحب ورحمة، لا همزة قطع وخشونة ونكران.

إن الإنسان الممتاز المميز يعمل في الدنيا ضمن فريق، في العمل هو مدير رحيم بموظفيه وموظف صغير مؤدب مع الوزير، في البيت هو زوج عادل مع زوجته وأب حنون مع أبنائه وبناته على السواء، في الحي يطبق تماما تعاليم وأحكام الإحسان إلى الجار بل يكرم جيرانه كما يكرم ضيوفه مشكلا قاسما مشتركا من الود والانسجام بين كل من يعرفه، وفي النهاية (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا) الزمر73.

فحتى عبادات الإسلام كالصيام والحج والصلاة هي عبادات جماعية تدعو بل تحرض على الانخراط في بوتقة المجموع بعيدا عن الانعزال حتى يدخل هذا الفرد المسلم إلى الجنة مكملا أنسه الأرضي غدا في رضوان الله السماوي إن شاء الله تعالى.

ولنتذكر السبحة، هل تجتمع حباتها دون خيط بداخلها ؟ لا، بل الخيط هو الذي يجمع الحبات كما يجمع دين الله العظيم القويم حبات القلوب على محبة ذكر الله والاتصال به، (المتحابون في جلالي لهم منابر من نور..........) رواه الترمذي.

فيجب على المسلم الفاهم العالم المتبع أن يتعالى على فرديته وأن ينخرط في سلك الاعتصام بحبل الله، عندها يتولى الله تأليف قلوب كل المسلمين من أمثاله نحو قوة حقيقية عمارة لمكتسبات الفرد، وقوة متقدمة حضارية لمكتسبات الجماعة.

و المتأمل في الآية الكريمة يعثر على كثير من الكنوز: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) آل عمران103، نعمة الله علينا هي نعمة الهدى وهي تاج جميع النعم الأخرى، أن أخرجنا الله من الهوى إلى الهدى، من عبادة الناس إلى عبادة رب الناس ملك الناس إله الناس، من الظلمات إلى النور.

ويوحي الفعل (ألّف) بأن الله جل جلاله يتولى بذاته العلية ربط القلوب الصادقة المتوجهة إليه ببعضها، ثم (أصبحتم بنعمته) تدعونا لتذكر المحور الجامع الذي حبب جماعة المؤمنين ببعضهم ووجوب الحفاظ على هذا الرباط المقدس، وحفرة النار التي يحذرنا إلهنا العظيم من الوقوع فيها هي التنافس. فالاتحاد والتعاون حضارة ودين ووطنية وتقدم ورقي أخلاقي خيري والتنافس والتنازع تخلف وتشتت وخسارة وضياع.

ولقد داوم القرآن الكريم على التحذير من نتائج التنازع: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) الأنفال46.

فالنتيجة الحتمية للتنازع هي الفشل والخسران ولا يتأتى الاتحاد إلا بالصبر على نواقص بعضنا وتحمل العيوب الطفيفة التي من صفات كل إنسان، لذلك طالبنا الله تعالى بالصبر على نواقص إخوتنا المسلمين (إنما المؤمنون إخوة) الحجرات10.

أحمد طقش