أكد د. مبروك عطية الأستاذ بجامعة الأزهر والداعية الإسلامي المعروف أن الفضائيات الدينية رغم تقديمها للغث والثمين إلا أنها جعلت للدعوة حسا مسموعا، ومشخصا مشكلات الدعوة ما بين إشاعة الفتوى ودعوة الناس من خلال رقائق لا سند لها بشكل يغيب الواقع.. وتفاصيل الحوار في السطور القادمة.


وسط الانتقادات التي تتعرض لها الفضائيات الدينية، ماذا حققت هذه الفضائيات للدعوة الإسلامية والدعاة؟

أيا كانت الانتقادات التي تتعرض لها الفضائيات الدينية، فإنها جعلت للدعوة حسا وجعلت للكلام جمالا فأتاحت للمشاهد أن يستمع إلى علماء محترمين، وأن يشاهد الغث والثمين؛ وهنا الجمع بين المتناقضات شيء جميل والحكمة تقول «والضد يظهر حسنه الضد»، لكن بعض الشذوذ وارد في كل المجتمعات، ومشكلتنا أننا نريد شيئا كاملا بلا نقص وهذا مستحيل فلا كمال إلا لله والعصمة لرسوله ؟ صلى الله عليه وسلم ؟ وهذه القاعدة يجب أن تكون نصب أعين الجميع فالكمال لله وحده.

برأيك.. ما هي مشكلات الدعوة على الفضائيات؟

الدعوة سليمة من كل مرض بدليل قوله تعالى: «قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي»، فمن كان على بصيرة يبقى سليما من كل مرض أو علة، والدعوة سليمة من الأمراض؛ لأنها دعوة إلى الله وسبيل الله مستقيم وليس معوجا، ودعوة إلى الجمال وليس إلى القبح، ولأنها دعوة إلى اليسر لا إلى العسر، والدعوة خالية من الأمراض والعلل؛ لأنها دعوة إلى إتباع النبي محمد - صلى الله عليه وسلم.

إنما الأمراض إن وجدت فهي في الداعية لا في الدعوة وهناك فرق بين مرض يصيب الداعية ومرض يصيب الدعوة والمرض الذي يصيب الداعية فيلقي به على الدعوة هو الذي أمرضها وهو الذي جعلها مريضة بحجته الواهية أو عدم تبصره لما يجب أن يقال في مناسبة الزمان والمكان والعصر الذي يعيشه هو والناس.

كثرة تناول القضايا الخلافية على الفضائيات بشيء من العصبية رغم العلم الكامل بأنها محل خلاف.. كيف تراه، وبماذا تعلق عليه؟

تناول القضايا الخلافية محل الاجتهاد يجب ألا يكون إلا في قاعات الدرس المتخصص في الجامعة والمعاهد العلمية فحسب، ولا يجب أن تثار على الفضائيات حتى لا نشتت الناس فلا ذنب للعوام في أن يستمعوا لقضايا خلافية على الإطلاق؛ لأن مذهب الناس من العوام هو مذهب من يُفْتِهم ويعرض لهم القضية، فأنا إذا اطمأن قلبي لرأي الشافعي في مسألة أُفتي به دون حتى أن أذكر للناس أنه رأي الشافعي، وأنا في ذلك أقلد الشافعي، ومثال ذلك أن اختلف الفقهاء في صدقة الفطر هل تخرج حبوبا أم نقودا أم قوت البلد الغالب أم تخرج بقيمتها ذلك لا يجب الاستعراض لكامل آراء الفقهاء لما يصحب ذلك من إثارة البلبلة عند الناس في مسألة خلافية لا تقدم ولا تؤخر، وإنما ما يجب أن نقوله للناس زكاة الفطر هذا العام قيمتها كذا وبشكل مباشر لما يطمئن إليه قلبي.

لكن ألا ترى أن استعراض بعض الآراء بشيء من المصادرة لآراء المخالفين فيه نوع من العصبية التي تضر بالدعوة؟

مسألة التعصب هذه من المسائل المدمرة التي بلغت بالمسلمين مبلغا إلى درجة أن قال البعض بأن المرأة التي تعتنق مذهب الشافعية زواجها من حنبلي حرام، فالتعصب أوله نعرفه وآخره لا يعرف مداه إلا الله ثم إن القرآن الكريم نفسه ينهى عن التعصب، والتعصب عمى والعمى لا يعرفه الإسلام؛ لأنه جاء ببصر وبصيرة يهدي الله به الناس ويخرجهم به من الظلمات إلى النور، والتعصب دخول إلى الظلمات ووداع لهذا النور الذي تجلى في كتاب الله وسنة رسوله ؟ صلى الله عليه وسلم.

أجور الدعاة واحدة من مشكلات الدعوة التي ظهرت جلية في الفترة الأخيرة لدرجة وصف البعض لهم بأنهم دعاة بدرجة رجال أعمال؟

الدعوة إلى الله لا تعني أن تكون مجانية بل تعني كلمة «لله» الإخلاص في أداء الدعوة، وهناك فرق بين أن تتحدث إلى صحيفة أو أن يسألك شخص في الشارع أو في المسجد عن مسألة فقهية فتقول له كم تعطيني؟ فذلك تصرف لا إنساني وسوء أدب غير مقبول ولا يليق وليس خلقا، أو أن تصلي بالناس في المسجد أو أن يفتح الله عليك فتعطهم درسا أو أن يتصل بك شخص ما لسؤالك مسألة ما في الهاتف فترد عليه إلى غير ذلك من الأمور، أما أن تستدعيك مؤسسة أو جمعية أو مسجد له ميزانية أو قناة فضائية فأنت حر في تحديد أجرك؛ لأنك أدرى الناس بتقدير وقتك وجهدك فهو لا يحصل منك على ساعة ولا نصف ساعة وإنما يحصل منك على خلاصة عمرك وتجارب حياتك ومحصلة قراءاتك واجتهاداتك وفكرك فهذا موضوع لا يستدعي هذه الحرب بحال من الأحوال؛ لأنه من صلب أن من حبس وقته فله أجره، فإذا وجد الناس عالما مجيدا وأرادوا حبسه ليعلمهم وقالوا قديما «ما ضاع من مالك ما علمك» فالقضية مفروغة ولا تستحق هذه الضجة، بينما الناس تتعلق بأمور لا تثمن ولا تغني من علم فيجعلون منها حربا.

صدر لكم أخيرا كتاب يحمل عنوان «فتاوى الشيطان» وهو عنوان صادم للوهلة الأولى لمن يسمعه.. فماذا قصدت بفتاوى الشيطان؟

الكتاب يفضح الفتاوى الشيطانية التي تزين للمسلم ما ليس في دين الله حتى ينظرها فيحذر منها ولا يحيد عقله ويزيغ بصره أو يميل قلبه وبذلك يتمكن من التمييز بين الحلال والحرام فيتجنب السقوط أو الزلل إذ أن للشيطان أتباعاً متعصبين لتأويلاته وفتواه وقد سقطوا ضحية لهذه الفتاوى الضالة المضلة، كما أن إشعال نار التعصب ليست إلا من مكائد الشيطان وفتاويه.

وتسمية الكتاب بـ «فتاوى الشيطان» سببه أن الشيطان اللعين ما زال يضل الناس ويؤول لهم الآيات والأحاديث بالباطل.

هناك من ينتقد الصراع والتربص بين بعض علماء الدين وبعض المبدعين في مختلف المجالات.. ما تقيمكم لهذه الظاهرة؟

أهمية الإبداع في تهذيب النفوس لا تقل عن أهمية الدين وسبب ما بدا في هذه الأيام بين رجال العلم بالدين بعضهم وبعض المبدعين كذلك يكمن في احتقان موروث أو مكتسب بين الفريقين، فهناك من يحكم على الإبداع وهو ليس من أهله، ولم يقف عند أدواته، فغايته التصيد لكل مبدع حتى يصيح «هذا يحارب الله»، ويسعى في الأرض فسادا ويعتدي على المقدسات وهو يثير حرباً بلا رماح ويهيج جنوداً بلا ميدان، ومأساتنا الحقيقية أننا لا ننطلق في ظلال العموم إلى كل ما هو خير نافع للبشرية، ومن خلال المطلق الذي قيده بعض الناس وضيقه وهو واسع.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية