بقوله تعالى: «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون».. عديدة هي تلك المواقف التي تتلى فيها هذه الآية، ففي الخطوبات أو عقود القرآن أو الزفاف إذا كان البرنامج يسمح ببعض الكلمات، ويتم ذلك بشكل يومي متكرر ومتظاهر..!
وفي الغالب الأعم يكون أطراف هذه الأفراح في شغل عن سماع هذه الآية، وعما تتحدث عنه، وعما تنطلق به، وأغلب ظني أن كثيرين ممن يحضرون ويشهدون هذه الاجتماعات يعتبرون الخطب والكلمات جزءاً من مكونات الضجيج العام الحادث حول المناسبة، التي يعتزم الجميع تمرير الأحداث فيها كما هي دون توقف فهي بالنسبة للطرفين يوم العمر..!
والزواج الإنساني بين الرجل والمرأة، هو شريعة كونية من تقدير الله عز وجل، يتسق وجميع خلق الله في كونه، كما قال تعالى: «ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون» وقوله عز وجل: «سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون»..!
بيد أن الزواج في الإسلام له غايات وأبعاد، وليس مجرد حماية اجتماع الذكر والأنثى ومن البشر للتوالد والتكاثر النوعي، ولكن السمو بغريزة التزاوج والبحث عن النوع المقابل، للحياة معاً في معيشة مشتركة، تتميز بإشاعة السكينة والتراحم والتواد، وليس يشبهها أية لقاءات بين أنواع أخرى من سكان الكون أو على الأقل من سكان الأرض..!
ولا يوزن الزواج الشرعي مطلقاً بأية لقاءات تتم بين الرجل والمرأة خارج نظام التشريع الإسلامي، الذي يحفظ الأمانة ويصون الكرامة ويقدر مشاعر الإنسان ذكراً كان أم أنثى، ويحوط اللقاء بسياج من الاستقرار والطمأنينة، فإذا رزقا بذرية كانا مكلفين معاً بتنشئتها ورعايتها حتى تشب عن الطوق، وتبدأ دورة حياة جديدة..!
ومن أجل ذلك يجعل الإسلام للزواج مراسم وطقوسا تضفي على الزواج قدسية وأمانة مرعية، من الإيجاب والقبول، والصداق والبناء بالإشهار، مع غبطة الجميع وسرورهم ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدف»..!
ومن ضمانات سلامة الزواج وإتيانه ثماره المرجوة، نبه الراغب في النكاح أن يقصد إلى الارتباط بصاحبة دين وخلق، حتى تقوم بمثل هذه الأمانة المقدسة، وهي بناء أسرة مسلمة مع زوج تتقي الله فيه، وتعبده بطاعتها لزوجها، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «تنكح المرأة لأربع: لما لها ولجمالها ولحسبها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك»، وحين جاءته امرأة تقول: أنا وافدة النساء إليك؛ هؤلاء الرجال يجاهدون في سبيل الله؛ فإن فازوا غنموا، وإن قتلوا كانوا أحياء عند ربهم يرزقون، ونحن معاشر النساء نقوم عليهم، فما لنا في هذا الأمر؟! قال صلى الله عليه وسلم: «أعلمي من خلفك من النساء أن طاعة المرأة لزوجها وحسن تبعلها له، يعدل ذلك كله».. وحسن التبعل هذا أي إتقان دور الزوجة التي تعف زوجها، بتلبية حاجاته والقيام بما يجب عليها نحوه، مما يشير إليه الحديث: «ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيراً له من زوجة صالحة: إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا أقسم عليها أبرته، وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله».. وكل ذلك شاق وعسير غير أن صواحب العقائد يستعن بالله على القيام به، من رعاية الزوجية وحفظ العرض والعفة وإحسان تربية الأبناء..! وكذلك يوصي الإسلام أولياء أمر زوجة المستقبل، أن يفتحوا الباب على مصراعيه مرحبين بمن يطرقه من أصحاب الدين والخلق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير» وأي فتنة وأي فساد أعظم من يدخل بيتك من لا دين له ولا خلق، إن من لا دين له ولا خلق عنده، إذا ائتمنته على ابنتك فلن يحسن إليها، بل سيسيء إليها قطعاً، فضلاً عن إساءته إلى ولدك أو ابنتك أو زوجك، وبدلاً من زرع أسرة صالحة، سنفسد أسرة صالحة.
بقلم ـ علي عيد