بدأت تداعيات خطيرة تظهر على القطاع المالي الأوروبي على ضوء الأزمة المالية التي تعيشها ايرلندا حالياً. فقد خفضت مؤسسة ستاندرد أند بورز الدولية للتصنيف الائتماني تصنيفها للديون السيادية طويلة المدى لقبرص من أيه موجب إلى ايه فقط في ظل المخاوف من تداعيات الأزمة المالية اليونانية على النظام المالي لقبرص المجاورة لليونان وفي الوقت نفسه حذر الرئيس الإيطالي من مستقبل مظلم في ظل الاضطراب المالي الحالي.

واتفق وزراء مالية منطقة اليورو على ارسال بعثة مشتركة من الاتحاد الاوروبي وصندوق النقد الدولي الى أيرلندا قد تمهد الطريق لاتفاق انقاذ يحول دون امتداد أزمة ديون أيرلندا الى دول أخرى.

تصنيف قبرص

وذكرت ستاندارد آند بورز أن النظام المالي لقبرص عرضة لمخاطر الائتمان بسبب استثماراته في الأوراق المالية للحكومة اليونانية والشركات أيضا. وتطبق اليونان حاليا حزمة كبيرة من إجراءات التقشف الرامية إلى خفض العجز في ميزانيتها مقابل الحصول على حزمة قروض بقيمة 110 مليارات يورو أي نحو 140 مليار دولار من صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي.

ومن ناحيته أعرب وزير الاقتصاد القبرصي هاريلاوس ستافراكيس عن ثقته في قوة النظام المالي لبلاده مضيفا أنه يتوقع استمرار عجز الميزانية خلال العام الحالي عند مستوى 6% من إجمالي الناتج المحلي دون تغيير عن مستواه العام الماضي. وأضاف أن ميزانية العام المقبل ستشهد عجزا نسبته 5 .4% فقط من خلال إجراءات تقشف خفيفة نسبيا مثل زيادة الضرائب على البنزين والسجائر.

مخاوف إيطاليا

وفي ايطاليا حث الرئيس جورجيو نابوليتانو الطبقة السياسية في بلاده على التصرف بمسؤولية وسط تفاقم أزمة الحكومة محذرا من أن اضطراب الاسواق المالية يمكن أن يؤدي الى مزيد من الاضرار لايطاليا. وتأتي تصريحات نابوليتانو الذي عقد اجتماعات مع مسؤولين سياسيين كبار في الوقت الذي تترقب فيه البلاد قرارا من البرلمان يحدد مصير حكومة يمين الوسط التي تواجه صعوبات برئاسة سيلفيو برلسكوني. ومن المتوقع اجراء اقتراعين على الثقة في الحكومة في 14 ديسمبر مما قد يسفر عن انتخابات مبكرة.

جهود مكثفة

وقال وزراء منطقة اليورو بعد محادثات استمرت ساعات ان فريقا من المفوضية الاوروبية وصندوق النقد الدولي والبنك المركزي الاوروبي سيركز خلال محادثات تبدأ هذا الاسبوع على مساعدة القطاع المصرفي الايرلندي في حال قررت أيرلندا أن تطلب المساعدة. لكن خبراء في الاقتصاد قالوا ان هناك شعورا قويا بأنه سيتم انقاذ ايرلندا رغم قرار الحكومة الايرلندية مقاومة الضغط لطلب مساعدة فورية بعد أشهر قليلة من تدخل صندوق النقد الدولي والاتحاد الاوروبي لانقاذ اليونان.

وقال الان مكويد كبير خبراء الاقتصاد لدى بلوكسام للسمسرة: هناك شعور بأنه سيتم الاتفاق لا محالة على خطة انقاذ من نوع ما وإلا فلماذا يأتون الى دبلن اذن ان كانوا لا ينوون تقديم أموال انقاذ. وتأمل الحكومة الايرلندية تفادي خطة انقاذ مهينة قد تزيد ضعف موقفها في السلطة لكنها تركت الباب مفتوحا لمساعدة بنوكها التي تضررت بشدة جراء الازمة المالية العالمية وانهيار السوق العقارية. وأصبحت البنوك معتمدة بشكل متزايد على التمويل من البنك المركزي الاوروبي نتيجة احجام البنوك التجارية الاخرى عن اقراضها منذ أزمة اليونان.

وجاء تحرك وزراء مالية منطقة اليورو الذين سينضم اليهم باقي وزراء مالية الاتحاد الاوروبي في محادثات في بروكسل تكرارا لقرار ارسال فريق من الاتحاد الاوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك المركزي الاوروبي الى اليونان في اطار جهود انقاذ أثينا.

وقال اولي رين مفوض الشؤون الاقتصادية والنقدية الاوروبي: هذه الاستعدادات يمكن اعتبارها تكثيفا لبرنامج محتمل مع التركيز على اعادة هيكلة القطاع المصرفي في حال تم تقديم طلب لبدء برنامج مساعدة ورأينا أن ذلك ضروري. وقالت مصادر بالاتحاد الاوروبي ان هناك اتفاقا من حيث المبدأ على اطلاق المساعدات لايرلندا لدى انتهاء مشاورات البعثة المشتركة وهو ما قد يحدث خلال أيام وان المعونة لن تقتصر فقط على برنامج مساعدة البنوك.

موقف دبلن

وأكد وزير المالية الأيرلندي بريان لينيهان ان أوروبا عازمة على بحث أزمة الدين الأيرلندي مع حكومة دبلن.

وقال الوزير إن الحكومة ستخوض مشاورات قصيرة ومكثفة مع المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد في العاصمة دبلن اليوم الخميس. وأضاف ان صندوق النقد يشارك في القضية لأنه يتمتع بخبرة أكبر من المركزي الأوروبي، في التعامل مع البنوك المتعثرة وهي محور مشكلة الديون الأيرلندية.

وكان لينيهان وصل إلى بروكسل لإجراء محادثات بشأن أزمة الدين الأيرلندي مع نظرائه من دول الاتحاد الأوروبي. وقال لينيهان إن حكومات الاتحاد الأوروبي الأخرى وافقت على موازنة الحكومة ومنهجها في التعامل مع البنوك.

وأوضح الوزير أنه يحق فقط للمؤسسات التي قد تشارك في توفير التمويل لأيرلندا لتتمكن من تسوية أزمتها المصرفية والمالية أن تتأكد من الحقائق على أرض الواقع، بنفسها. وأضاف ان أيرلندا لم تتقدم بطلب مساعدة مالية بعد، وأنها ليست واثقة ما إذا كانت ستحتاج لتمويل الاتحاد الأوروبي، ومن صندوق النقد بعد المهمة المشتركة.

بريطانيا تتأهب

قال وزير المالية البريطاني جورج أوزبورن ان بريطانيا جاهزة لمساعدة ايرلندا في اعادة الاستقرار الى نظامها المصرفي. وقال اوزبورن قبيل اجتماع لوزراء مالية دول الاتحاد الاوروبي: سنفعل ما فيه المصلحة الوطنية لبريطانيا. ايرلندا أقرب جيراننا ومن المصلحة الوطنية لبريطانيا أن يكون الاقتصاد الايرلندي ناجحا ويكون هناك نظام مصرفي مستقر. واضاف: لذا فان بريطانيا تقف على أهبة الاستعداد لمساندة ايرلندا في الخطوات التي يتعين عليها أخذها لتحقيق ذلك الاستقرار.

الدول الضعيفة

لكن المستشارة الالمانية انجيلا ميركل قالت ان أزمة الديون السيادية الاوروبية أظهرت أن على الدول الضعيفة أن تصبح أكثر تنافسية لكن منطقة اليورو ليست في خطر.

وقالت ميركل: لا اعتقد أن منطقة اليورو في خطر. لكننا نشهد اضطرابات ومواقف لم أكن أتصورها قبل عام ونصف العام. وأضافت: أهم شيء الى جانب اجراءات الانقاذ التي تم الاتفاق عليها هو أن ننسق قوتنا الاقتصادية بشكل أفضل فيما بيننا وهذا يعني أن على الدول التي ليست لديها قدرة تنافسية كبيرة اليوم أن تتحسن.

وأضافت ميركل التي قالت في وقت سابق ان الاتحاد الاوروبي سينهار اذا قدر لليورو أن ينهار ان اليونان واسبانيا والبرتغال تعمل بجد لتحقيق ذلك. وقالت ميركل لدى سؤالها عن ايرلندا التي أثارت مشاكل ديونها تكهنات بأنها قد تحتاج لخطة انقاذ: لدينا درع انقاذ في حال احتاجت أي دولة لمساعدات وهو ما لا أتوقعه على الاطلاق في الوقت الحالي. لكن اذا احتاجت دولة لذلك فيمكنها طلب المساعدة اذا كانت منطقة اليورو ككل معرضة للخطر.

فرنسا تكثف الدعوة إلى إقامة نظام نقدي عالمي جديد

اعلن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي انه سينتهز فرصة ترؤس فرنسا لمجموعة العشرين للسعي الى اقامة نظام نقدي دولي جديد يضع حدا للفوضى التي تشهدها الاسواق النقدية. وقال ساركوزي: لا يمكننا بعد اليوم البقاء في هذه الفوضى النقدية. واضاف في مقابلة بثتها ثلاث قنوات تلفزيونية فرنسية غداة التغيير الحكومي في فرنسا: ينبغي اقامة

نظام نقدي دولي جديد. واكد الرئيس الفرنسي ان الصين اللاعب المركزي في هذا الملف اعلنت موافقتها على تنظيم مؤتمر في الربيع المقبل حول قضية العملات في محاولة لاحراز تقدم.

وقال ساركوزي ان حكومته الجديدة ستعمل على اصلاح الضرائب وتضييق الخناق على المهاجرين غير الشرعيين لكنه رفض الافصاح عما اذا كان سيرشح نفسه لولاية رئاسية جديدة. وجدد ساركوزي القول ان هدفه من رئاسة مجموعة العشرين التي تضم الاقتصاديات الكبرى هو قيادة حوار بشأن اصلاح النظام النقدي العالمي وتخفيف التقلب في أسواق السلع الاولية. وقال ان فرنسا ستدفع أيضا بفكرة قديمة هي فرض ضرائب على

المعاملات المالية لتمويل مساعدات الدول الفقيرة. وقال ساركوزي ان حكومته ستركز على مواءمة النظام الضريبي الفرنسي مع نظيره الالماني عن طريق الغاء اعفاء ضريبي للاغنياء واستبدال ضريبة ثروة بضريبة أوسع نطاقا على ايرادات الاصول. وهذه الضريبة تستهدف أرباح العقارات والاوراق المالية.

مستوى التقلبات

من جهتها دعت وزيرة المالية الفرنسية كريستين لاغارد الى تقدم مجموعة العشرين على طريق اصلاح النظام النقدي الدولي معتبرة انه لا يمكنه الاستمرار بمستوى التقلبات التي يشهدها حاليا. وقالت لاغارد متحدثة خلال منتدى في لندن ان فرنسا لن تتخلى عن هذا الهدف مع توليها رئاسة مجموعة العشرين.

وقالت خلال المنتدى الذي نظمته صحيفة فاينانشل تايمز: من الواضح ان مسألتي اصلاح النظام النقدي على المستوى الدولي بناء على اقتراحات مجموعة العشرين والحوكمة ستكونان مهمة لن نتخلى عنها ولا يمكننا اطلاقا التخلي عنها. وتابعت: لا يمكننا العمل بمستوى التقلبات وبمستوى الاضطرابات القائم حاليا وتحديدا في ما يتعلق بالعملات.

وتعهد قادة دول مجموعة العشرين الاسبوع الفائت في سيؤول التعاون معا لتحقيق الازدهار في العالم من خلال مكافحة التلاعب بسعر العملات الوطنية والحمائية ولكن بدون تحقيق خطوات فعلية بسبب حرص الصين والولايات المتحدة على عدم الاقدام على اي اجراء يمكن ان يسيء الى نموهما. وحذرت الدول الغنية والناشئة الكبرى في ختام قمتها من خطوات اقتصادية غير منسقة لا يمكن الا ان تزيد الوضع سوءا بالنسبة للجميع.

أسعار العملات

وفي ذات السياق قالت لايل برينارد وكيلة وزارة الخزانة الأميركية ان أسعار صرف العملات ستكون في قلب محادثات مجموعة العشرين في الاشهر القادمة بهدف وضع اطار عمل لتصحيح الاختلالات في التوازنات الاقتصادية العالمية. واضافت في مؤتمر تحت رعاية مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: أسعار الصرف ستكون محور تلك المباحثات. نسعى بجد لضمان أن تحرز الصين تقدما في السماح لسعر صرف عملتها بالارتفاع استجابة لقوى السوق. وقالت برينارد ان بكين سمحت بارتفاع بوتيرة

متسارعة في قيمة اليوان في الشهور الاخيرة. وتابعت أنه اذا استمرت تلك الوتيرة في ارتفاع القيمة فستقدم مساهمة ملموسة في معالجة انخفاض قيمة العملة الصينية.