حذر رئيس الاتحاد الاوروبي هيرمان فان رومبوي من ان منطقة اليورو والاتحاد الاوروبي بأسره لن يبقيا اذا لم تحل أزمة الديون الباهظة التي ترزح تحتها ميزانيات بعض الدول الاعضاء، في حين تتنامى المخاوف بشأن الوحدة النقدية. وتأتي تصريحات فان رومبوي بينما تشهد منطقة اليورو اضطرابات جديدة بسبب مخاوف تثيرها ايرلندا وكذلك البرتغال واليونان او حتى اسبانيا وهي دول تعاني من عجز كبير في موازناتها.

واشتدت حدة أزمة الديون التي تواجه منطقة اليورو مع إعلان وكالة الإحصاء الأوروبية نتائج مراجعة بيانات ميزانية اليونان عام 2009 حيث أظهرت المراجعة وصول العجز إلى 4 .15% بزيادة حوالي 2% عن 6 .13% كما كان معلناً من قبل. ويأتي ذلك في الوقت الذي تزايدت فيه التقارير التي تتحدث عن تحركات أوروبية لتقديم حزمة مساعدات مالية لأيرلندا التي تواجه عجزاً شديداً في ميزانيتها.

وتعرض اليورو لضغوط شديدة في الأسواق بعد الكشف عن العجز الحقيقي في الميزانية اليونانية. وقال بن ماي خبير الاقتصادات الأوروبي في مؤسسة كابيتال إيكونوميكس للأبحاث الاقتصادية إن التعديلات الأخيرة لقيمة العجز في ميزانية اليونان تكشف صعوبة المهمة التي تواجهها حكومة اليونان من أجل خفض العجز في الميزانية.

واضاف ان اليونان ستحتاج إلى مزيد من إجراءات التقشف لضمان خفض العجز على المستوى المستهدف العام المقبل هو 6 .7% من إجمالي الناتج المحلي وهو الشرط الذي وضعه صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي لتقديم حزمة القروض لليونان في مايو الماضي.

وكانت الحكومة الاشتراكية في اليونان قد أثارت موجة ذعر في أسواق المال العالمية منذ عام تقريبا عندما كشفت عن تلاعب الحكومة المحافظة السابقة في البيانات المالية لإخفاء حقيقة العجز الكبير في ميزانية اليونان.

وأدى الكشف عن هذه الحقيقة إلى ارتفاع كبير في أسعار الفائدة على قروض اليونان من أسواق المال مما أجبرها على طلب مساعدات مالية من صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي لتكون المرة الأولى التى تلجأ فيها دولة في منطقة اليورو إلى مثل هذا الإجراء.

أزمة بقاء

وقال هيرمان فان: نواجه أزمة تتعلق ببقائنا وعلينا العمل جميعاً بالتشاور لنؤمن بقاء منطقة اليورو لأنه إذا لم تبق منطقة اليورو فإن الاتحاد الاوروبي لن يبقى أيضاً. ورأى هيرمان أن السنة الاولى من معاهدة لشبونة التي دخلت حيز التنفيذ في ديسمبر 2009 تميزت بأزمة منطقة اليورو وكانت فترة بقاء ولم تنته بعد.

وسينكب وزراء مالية الدول الست عشرة في منطقة اليورو الذين يجتمعون السبت في بروكسل على دراسة الوضع. وتواجه دبلن خصوصاً ضغوطاً من بعض شركائها ولا سيما من البنك المركزي الاوروبي لقبول مساعدة مالية اجنبية بهدف تعويم مصارفها وضمان اسواقها وتفادي ظاهرة انتقال العدوى الى الدول الأخرى في منطقة اليورو.

موقف ايرلندا

لكن السلطات الايرلندية ترفض هذه المساعدة حتى الآن. وقال رئيس الوزراء الايرلندي براين كوين: ايرلندا لن تطلب اي مساعدة مالية لاننا نتمتع بملاءة مالية تامة حتى منتصف العام المقبل. وذكر فان رومبوي ان منطقة اليورو سبق وان مرت في فترة صعبة جدا في الربيع مع الازمة اليونانية وعدوى انتقالها الى مجمل منطقة اليورو.

واضطرت الدول الاوروبية في تلك الفترة الى المسارعة لانقاذ اثينا ثم لانشاء صندوق انقاذ للدول الاخرى في منطقة اليورو اذا دعت الحاجة. وقال: اثناء ازمة اليورو اثبت الاتحاد الاوروبي تصميمه وقد يتعين عليه ان يثبت ذلك مرة اخرى.

وضع حساس

ويواجه رئيس الاتحاد الاوروبي وضعاً حساساً لأن إدارة الأزمة الحالية تثير خلافات بين مسؤولين أوروبيين. ويدفع البنك المركزي الأوروبي باتجاه خطة عمل سريعة لأنه يخشى حصول تداعيات خطيرة على سوق قروض الدولة. وتدعمه في ذلك دول مثل البرتغال واسبانيا تريد ان تتجنب بدورها الوقوع في العاصفة. لكن عواصم أخرى لا تنظر بعين الرضا كلياً إلى هذه الضغوط، بحسب دبلوماسيين.

كما تقوم بعض الدول الاوروبية بتسوية حساباتها علناً. وهكذا، اتهم رئيس الوزراء اليوناني جورج باباندريو برلين بأنها وراء الزيادة الكبيرة في معدلات الفوائد الاسبوع الماضي والتي دفعتها ايرلندا والبرتغال، لانها ارادت حمل المستثمرين في القطاع الخاص على الدفع في حال تقصير اي دولة، وذلك في اطار صندوق الانقاذ الدائم لمنطقة اليورو الذي يجري البحث فيه حالياً والذي سيوضع موضع التطبيق اعتباراً من 2013.

انقسام أوروبي

وذكرت النسخة الألمانية من صحيفة فايننشيال تايمز أن خلافاً شديداً اندلع في منطقة اليورو حول مساعدات ائتمانية محتملة لأيرلندا. وجاء في تقرير الصحيفة أن دولاً صغيرة في المنطقة مثل فنلندا تعارض مطالب البنك المركزي الأوروبي ودول كبيرة مثل ألمانيا في تفعيل صندوق مساعدات الاتحاد الأوروبي لأيرلندا بشكل سريع.

وذكرت مصادر في الحكومة الفنلندية أن صندوق الإنقاذ المشترك للاتحاد الأوروبي مخصص للطوارئ الشديدة وأيرلندا لا تحتاج إلى مساعدات مالية حتى حلول منتصف عام 2011. وتعتزم فنلندا مطالبة أيرلندا بتقديم ضمانات حال حصولها على مساعدات مالية من الاتحاد الأوروبي.

وقال وزير المالية الفنلندي يركي كاتاينين في تصريحات لصحيفة فيلت الألمانية: إذا كانت أيرلندا تحتاج إلى دعم مالي فإن فنلندا ستطلب من الحكومة الأيرلندية ضمانات. وذكر كاتاينين أن تلك الضمانات ضرورية لتوضيح أن أيرلندا هي المسؤولة وحدها عن ديونها.

وضع البرتغال

وحذر فرناندو تيكسيرا دو سانتوس وزير مالية البرتغال من مخاطر الأزمة المالية التي تواجهها بلاده وأنها قد تضطر إلى طلب الحصول على مساعدة مالية من الاتحاد الأوروبي بسبب تنامي المخاوف من انتقال عدوى أزمة الديون في الأسواق المالية. ونقلت صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية عن الوزير قوله إن احتمال طلب الحصول على مساعدة مالية قوي.

وأضاف: نحن لا نواجه فقط مشكلة دولة وإنما نواجه مشكلة اليونان والبرتغال وأيرلندا. هذه ليست مشكلة بلادنا فقط. وكان سعر الفائدة على السندات الحكومية البرتغالية قد ارتفع بشدة خلال الفترة الماضية بسبب المخاوف من مواجهة البرتغال صعوبة في سداد التزاماتها المالية تجاه الأسواق الدولية نتيجة ضعف أداء الاقتصاد وارتفاع معدل العجز في الميزانية.

وتبنت البرتغال مؤخراً حزمة تقشف اقتصادي صارمة بهدف خفض عجز الميزانية من 3 .9% العام الماضي إلى 6 .4% من إجمالي الناتج المحلي العام المقبل. وهناك مخاوف من أن تؤدي إجراءات التقشف إلى انكماش اقتصادي خلال العام الحالي.

إجراءات صارمة

وتتبنى الحكومة اليونانية حالياً إجراءات تقشف صارمة من أجل السيطرة على عجز الميزانية بهدف توفير 4 مليارات يورو أي 5 .5 مليارات دولار للخزانة العامة. وكانت الحكومة اليونانية قد عدلت أكثر من مرة نسب العجز في ميزانية العام الماضي، وذكرت في أول الأمر أن العجز بلغ 7 .12% ثم عادت ورفعت النسبة إلى 6 .13%.

وتراجع يوروستات في الوقت الحالي مصداقية وكفاءة مصادر الاحصاء اليونانية خاصة وأن نسب العجز في موازنة اليونان في عام 2014 يجب أن تقل عن 3% من إجمالي الناتج المحلي طبقاً لمعاهدة استقرار اليورو.

رفض

رفضت المفوضية الأوروبية الشائعات المتكررة عن استعدادات أوروبية لتقديم حزمة مساعدات مالية إلى أيرلندا، ووصفت اياها بأنها مبالغة. وقال أماديو ألتافاج المتحدث باسم مفوض الشؤون الاقتصادية والنقدية الأوروبي أولي رين، إن المفوضية تجري اتصالات قريبة ومنتظمة للغاية مع السلطات الأيرلندية، وغيرها من دول منطقة اليورو والبنك المركزي الأوروبي.

غير انه أضاف: إنه نوع من المبالغة القول ان هذه الاتصالات تمثل مفاوضات بشأن خطة إنقاذ كما كتب في بعض التقارير الصحافية.

وكانت الإذاعة القومية في أيرلندا آر.تي.إي ذكرت في وقت سابق ان اجتماعات رفيعة المستوى تجري حالياً لمناقشة إمكانية حصول أيرلندا على حزمة قروض إنقاذ من الاتحاد الأوروبي. ونسبت الإذاعة إلى مصدر بالاتحاد القول إن الاتصالات تشمل أيضاً صندوق النقد الدولي وألمانيا وأيرلندا والمفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي لبحث حزمة القروض المحتملة.

وذكرت هيئة الإذاعة البريطانية في وقت سابق أن هناك بالفعل محادثات جارية قد تكون مقدمة لطلب من دبلن للصندوق الأوروبي للاستقرار المالي للحصول على مساعدات إنقاذ مالية. وتأسس الصندوق في مايو الماضي لمساعدة الدول التي تعاني من ضوائق مالية.

وقال تقرير هيئة الإذاعة البريطانية إن أيرلندا قد تسعى للحصول على ما بين 60 و80 مليار يورو كي تتمكن من التعامل مع أزمة ديون سيادية طاحنة. وذكر تقرير ألماني آخر أن المحادثات الخاصة بحزمة المساعدات ستجرى في بروكسل الأسبوع المقبل. وقال التقرير الألماني إن أسبانيا والبرتغال تضغطان من أجل الحصول على مساعدات إنقاذ مالية، تماثل تلك التي ساعدت اليونان في الإفلات من شبح الإفلاس في وقت سابق العام الجاري.