يعتقد الكثير من المتابعين بأن أغلب البنوك والمصارف باتت ـ عبر سياساتها المتحفظة ـ تشكل ضغطاً على أسعار العقارات لتتحول من قائد لفورة العقار إلى عامل رئيس في تراجعه.

وثمة من يعتقد بأن البنوك تسعى ـ بتحفظها ـ لتحقيق المزيد من التراجع في أسعار العقارات لتتمكن في النهاية من الدخول للاستحواذ على أكبر قدر من العقارات وتحويلها إلى محافظ تأجير ذات عوائد عالية في سوق التأجير المزدهر.

مؤيدو هذا الرأي يشيرون بأصابع الاتهام إلى البنوك لأنها ما زالت على موقفها من الرهن العقاري رغم قناعتها بأن ميكانزمات (محركات) السوق من عرض وطلب وصلتا إلى مرحلة من الاستقرار والتناغم على خلفية تصحيح في الأسعار وانسحاب المضاربين وبروز فئتين من المشترين، الأولى تضم المشتري النهائي، والثانية تضم فئة قناصي الفرص الاستثمارية.

ويرى احمد المطروشي رئيس جمعية دبي العقارية « بأن انتقائية البنوك وتشددها وحصر موافقات التمويل العقاري بالموظفين الحكوميين وفي مشاريع تشيدها كبريات شركات التطوير حصراً لا تخدم السوق ولا تساند الجهود الرسمية لإنعاشه وتعرقل ترسيخ استقراره وتذهب في اتجاه تسليط المزيد من الضغوط لخفض أسعار العقارات».

انتقائية وتشدد

لكن هؤلاء المطورين يقرون بصعوبات تواجههم لاستكمال مشاريعهم لأن البنوك لا تبالي بطلباتهم للحصول على التمويل اللازم كما أنهم لا يتأخرون في كيل الانتقادات اللاذعة لمؤسسات التمويل لأنها تمارس انتقائية في إقراض المشترين الأفراد والشركات.

وأوقع تشدد البنوك ظلماً كبيراً على شركات مرموقة وأجبرت أغلبهم على تسييل أصولهم طبقاً لخالد بن كلبان رئيس مجلس إدارة شركة الاتحاد العقارية.

الذي أكد في وقت سابق بأن أصول الشركة الجاهزة معروضة للبيع كخيار بديل لمواجهة تشدد البنوك في توفير التمويلات التي تحتاجها الشركة لإنجاز مشاريعها قيد الإنجاز والتي تتراوح نسب الإنجاز فيها مابين 90% و95%» وهذا ما حصل فعلاً فقد باعت الشركة فندق الريتز كارلتون قبل أيام إلى مستثمرين ب1 .1 مليار درهم.

آمال السوق

يأمل السوق العقاري وعدد ليس بالقليل من شركات التطوير العقاري عودة التمويل العقاري على نحو مناسب نهاية العام الجاري وبداية العام المقبل 2011. وتدعم توقعات العاملين في السوق في انفراج لأزمة مياه الرهن العقاري الراكدة مجموعة تطورات مباشرة شهدها السوق مؤخراً.

أبرز تلك التطورات عدول عدد محدود من البنوك عن تشددها إزاء تمويل العقارات واستبدال شروطها القاسية بشروط أكثر مرونة رغم انتقائيتها في تمويل بعض المشروعات دون غيرها وتمويل شرائح محددة دون غيرها في إطار ما تسميه ب«سياسة التحفظ».

كما فاجأت دائرة أراضي وأملاك دبي السوق بإطلاق مبادرة حملت اسم «تيسير» وهو برنامج للتمويل العقاري ويقوم على حصر المشاريع التي لا تواجه أية مشكلات وتزكيتها أمام البنوك لتقوم الأخيرة بضخ التمويلات اللازمة لتحريك عمليات البيع فيها.

ومع إعلان دائرة أراضي وأملاك دبي عن ضم 60 مشروعاً عقاريا في الإمارة لبرنامج تيسير إبرام تفاهمات ناجحة مع ابرز البنوك العاملة في الدولة.

شهد السوق تتويجاً لملامح عودة التمويل العقاري إلى التحرك الفاعل لاسيما بعد نهوض شركة تمويل المتخصصة في الحلول التمويلية الإسلامية من كبوتها التي أبعدتها عن السوق عامين تقريباً، لتباشر تمويل المشروعات الجاهزة في دبي وأبوظبي وحصرت التمويل بالمواطنين والمقيمين الموظفين وأصحاب الأعمال بمعايير تحميها من التعرض إلى كبوة جديدة.

صورة مغايرة

ويرسم سلوك المطورين والبنوك بعد الأزمة صورة مغايرة تماماً لما كانت عليه قبلها. فبعد أن كانت البنوك تغري المستثمرين بعروض وصلت إلى تمويل 99% من قيمة العقار لفترات سداد تتجاوز ربع قرن تحولت البنوك إلى مراجع دائم لمراكز الشرطة وتقديم الشيكات المرتجعة حتى تدخلت الحكومة بقرار يقلّم مخالب البنوك بمنعها من استخدام تلك الشيكات إلا من خلال لجنة قضائية متخصصة تفحص الحقائق لحماية حقوق الجميع.

وغير أغلب المطورين العقاريين جلودهم لاسيما الشركات التي لا تتمتع بملاءة مالية قوية ولجأوا إلى خفض عدد موظفيهم وأسعار العقارات التي باعوها إلى المستثمرين طمعاً بإغرائهم على مواصلة تسديد دفعاتهم وإلى الدرجة التي جعلت الكثير منهم يعيد جدولة دفعات المستثمرين لضمان عدم تحولهم إلى متعثرين.

وقد كانت تلك الإجراءات واضحة في مكاتب شركات نخيل ودبي للعقارات وديار وأمنيات ولؤلؤة دبي التي أعلنت في وقت سابق بأنها شجعت مستثمريها على مواصلة تسديد الدفعات بخصومات في أسعار عقاراتهم بنسبة 40%.

ويعكس التغير الذي رافق سلوك المطور والبنك حقيقة «أن زمن الحصول على الأموال السهلة ولى إلى غير رجعة» حسبما قال خالد الكمدة مدير عام هيئة تنمية المجتمع بدبي عشية الأزمة المالية العالمية.

الجهة الأخرى

لكن في الجهة المقابلة هناك جهود تبذل لفتح أبواب البنوك الموصدة بوجه الراغبين بالقروض.ويبدو سلطان بن مجرن واثقاً من أن حجر « تيسير» سيحرك مياه التمويل الراكدة لأن «البنوك التي ناقشنا معها آليات عمل البرنامج أبدت إعجابها وحماستها واستعدادها للانضمام للبرنامج وتقديم قروض بأسعار فائدة منافسة.

لاسيما وأن البرنامج يوفر ضمانات رسمية تمكنها من الاستحواذ على أي من العقارات التي يتعثر أصحابها عن السداد من دون اللجوء إلى المحاكم المختصة وعبر آلية قانونية واضحة تحدد كيفية فتح الرهن وغلقه، وهو إجراء سينزع فتيل مخاوف البنوك ويشجعها على توسيع نشاطها التمويلي».

تساؤل مشروع

ويتساءل المراقبون عن التوقيت الذي ستكف فيه البنوك عن تبرير تراجعها في سوق التمويل مشككين بتبريراتها بعدم رغبتها خوض النزاعات مع المتعثرين في السداد وخشيتها من مخاطر تمويل شراء عقارات في مشاريع تتعرض لتحديات.

فائض العقارات

التحدي الذي يواجهه السوق العقاري حالياً لا يكمن في صعوبة التمويل بل في استيعاب المعروض الذي قد يصل إلى أكثر من 100 ألف وحدة سكنية حتى العام المقبل وذلك يقود إلى الاعتقاد بأن موجة التصحيح السعري ستستمر حتى عام 2013 على أقل تقدير.

وقد قال محمد العبار، رئيس مجلس إدارة شركة إعمار العقارية التي تُعد أكبر شركة تطوير عقاري في المنطقة، انّ أسعار العقارات في دبي ستستمر بالتراجع بسبب ارتفاع معروض العقارات السكنية والمكاتب مقارنة بالطلب، وأضاف، في خلال حديثه في حلقة نقاش حول القطاع العقاري نظمتها بلومبيرغ، «أنّ دبي ستحتاج لعشرين شهرا كي تتخلص من فائض المعروض العقاري».

مطورون يلتزمون بإنجاز وتسليم المشروعات رغم التحديات

رغم كل التحديات المحدقة بالقطاع العقاري إلا أن عملية إنجاز المشروعات العقارية في دبي على وجه التحديد مستمرة سواء من تلك المشروعات التي تحمل تواقيع المطورين الكبار أو تلك التي يبنيها المطورون الفرعيون. وأبرزهم شركات نخيل ودبي للعقارات والإتحاد العقارية.

وتتجه الأنظار إلى نخيل العقارية التي رفعت سقف عدد المشروعات التي استأنفت وستستأنف العمل فيها من 6 إلى 8 مشروعات عقارية كانت قد شهدت توقف أعمال البناء فيها عشية الأزمة المالية العالمية.

جاء ذلك في تصريحات خاصة أدلى بها علي راشد لوتاه رئيس مجلس إدارة نخيل العقارية وأشار إلى «أن المشروعات الثمانية ستنجز على مراحل خلال عام 2011 في إطار خطة لاستئناف أعمال البناء في المشروعات التي باعتها الشركة للمستثمرين من مشتري الوحدات السكنية.

وتضم تلك المشروعات أيضاً مشترين قاموا بنقل مشترياتهم العقارية من المشاريع التي لن يتم الشروع ببنائها في الوقت الراهن ريثما يشهد السوق مزيداً من الطلب يستدعي الشروع ببناء تلك المشروعات.

وفيما لو ابتسم الحظ لنخيل فإنها ستحقق فعلاً عودة قوية للعب دورها في السوق العقاري لاسيما وأنها وقعت مع المقاول يونيك عقد معاودة الإنشاءات لإنجاز 1663 وحدة عقارية تقريباً في (إماراتي كلستر ـ المدينة العالمية). وشرعت بأعمال إنجاز 26 مبنى و51 محلاً تجارياً و856 شقة ستوديو و756 شقة بغرف نوم.

وبذلك يرتفع عدد المقاولين الذي باشروا أو سيباشرون أعمال البناء في مشاريع الشركة قصيرة الأمد 5 مقاولين أبرزهم أرابتيك والشعفار للمقاولات والبسطي ومكتاه في مشروع الفرجان ويونيك في المدينة العالمية، وشركة غسان الخالد التجارية في مشروع فلل «جاردنز فيو».

الأوائل

وباتت شركة شركة دايموند ديفلوبرز صاحبة السبق على عشرات المطورين في مشروع نخيل (قرية جميرا) فقد أنجزت قبل أيام ثاني مشروعاتها في (القرية) ويحمل أسم دايموند فيوز 4 والذي تبلغ مساحة البناء فيه 400 ألف قدم مربع ويضم 250 شقة متنوعة فضلاً عن 30 تاون هاوس، ليبدأ الملاك الجدد بالتوافد على عقاراتهم في ذلك المشروع.

تحليل ـ مشرق علي حيدر