كثفت الدول الاغنى في العالم والاقتصادات الناشئة حربها الكلامية مع بدء قمة مجموعة العشرين أمس والتي تسعى للتوصل الى حل للخلل الاقتصادي الكبير الذي يهدد التجارة العالمية. واثار اقتراح أميركي لاعادة التوازن التجاري بين مختلف الدول التي تسجل عجزا وتلك التي لديها فائض تجاري انتقاد الصين والمانيا ابرز دولتين مصدرتين في العالم.

وقال اوباما انه على الصين والولايات المتحدة بصفتهما قوتين اقتصاديتين بارزتين العمل معا لضمان نمو قوي ومتوازن. واشار الى انه من الواضح ان العلاقات الصينية الأميركية اصبحت اقوى في السنوات الماضية لان الجانبين يبحثان الان في قضايا عالمية وثنائية ايضا. وكان اوباما تعهد خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الكوري الجنوبي لي ميونغ باك في وقت سابق بتشجيع نمو حذر ومستقر.وقال: من الصعب القيام بذلك اذا بدأنا نشهد عودة الخلل الكبير في التوازن الذي ساهم في الازمة. من جهته، اقر رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون ان دول مجموعة العشرين لا يزال امامها الكثير من العمل للتوصل الى اتفاق حول الخلل في توازن الاقتصاد العالمي. الا انه شدد على اهمية ازالة ما سماه جدار المال في الشرق وجدار الدين في الغرب بالاضافة الى وضع حد للحمائية.

:الموقف الصيني :الا ان الرئيس الصيني هو جينتاو تعهد بزيادة الحوار والتعاون مع الولايات المتحدة. وقال هو بعد محادثات مع نظيره الأميركي باراك اوباما في سيول ان الجانب الصيني مستعد للعمل مع الجانب الاميركي لزيادة الحوار والتبادل والتعاون لكي يمكننا المضي قدما بالعلاقات الصينية الاميركية في طريق ايجابي شامل يسوده التعاون.وقال هو جينتاو إن الصين تركز على الحفاظ على عملتها مستقرة مع تنفيذ إصلاحات على سعر الصرف كما قال إن على القمة أن تركز على حل التنمية غير المتوازنة بين الدول المتقدمة و النامية.وقال هو جينتاو: بما أن الانتعاش الاقتصادي العالمي مازال هشا و غير متوازن فانه يتعين على جميع الدول أن تضطلع بمسؤوليتها بفعالية وتواجه بشجاعة مشاكلها وتتجه للتعاون الدولي وتسوية الخلافات بشكل ملائم.

ووجهت للصين اتهامات معظمها من الولايات المتحدة الأميركية بأنها تبقى على قيمة عملتها المحلية منخفضة بشكل مصطنع لجعل بضائعها أرخص ثمنا في الخارج مما يعطيها ميزة تنافسية غير عادلة.

في حين اتهمت الصين الأميركيين بالإسراف في الإنفاق حتى تراكمت الديون. وقال هو جينتاو إن الصين تبقي سعر صرف العملة مستقرا مع المضى تدريجيا نحو إصلاح آليه تشكيل سعر الصرف.

مكامن الخلاف

واجتمعت دول مجموعة العشرين التي تمثل معا 90% من الاقتصاد العالمي، للمرة الخامسة منذ ديسمبر 2008 بهدف ابعاد مخاطر الحمائية وتجنب حصول انكماش جديد بعد الازمة المالية التي وقعت في العام 2008 وخفض الخلل في التوازن الاقتصادي.

وتصدر جدول أعمال القمة تباين سياسات أسعار الصرف بين كبرى اقتصادات العالم، حيث تتهم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الصين بالإبقاء على سعر عملتها منخفضا للحفاظ على انخفاض أسعار صادراتها.

ولهذه الغاية تريد الولايات المتحدة من ابرز الدول المصدرة ان تتعهد بالحد من فائض حساباتها الجارية الفائض التجاري وعائدات اخرى. وتطالب ايضا باعادة تقييم اسرع للعملة الصينية التي يساهم سعرها المنخفض في العجز التجاري الأميركي الكبير. لكن الصين والمانيا رفضتا اي التزام محدد بالارقام.

وترغب الولايات المتحدة في ان تحدد فائض الحسابات الجارية بنسبة 4% من اجمالي الناتج الداخلي لكنها عدلت في نهاية الامر عن هذا الهدف المحدد بالارقام.

وتنتقد الصين والدول الاوروبية في مقدمتها المانيا بشدة سياسة الانعاش الاقتصادي الأميركية التي تضعف الدولار ويتوقع ان تزيد تدفق رؤوس الاموال المضاربة نحو الدول الناشئة. فقد اعلن الاحتياطي الفدرالي الأميركي لتوه عن ضخ 600 مليار من السيولة الاضافية في الاقتصاد عبر شراء سندات خزينة في قرار من شأنه اضعاف الدولار وبالتالي تشجيع الصادرات الأميركية.

الفائض التجاري

واعلنت المستشارة الالمانية انغيلا ميركل في كلمة لها ان وضع حدود سياسية للفائض او العجز التجاري ليس مبررا اقتصاديا ولا مناسبا سياسيا. كما دعت ميركل القادة المشاركين الى اتخاذ موقف حازم من الحمائية التجارية التي تخشى دول اخرى مثل الهند من انها ستكون نتيجة الخلافات في مجموعة العشرين.

وقالت ميركل: علينا ان نبذل كل الجهود للحؤول دون الحمائية. وأضافت: لذلك علينا ان نوجه رسالة من القمة باننا توصلنا اخيرا الى الجولة الاخيرة من مفاوضات الدوحة حول تحرير التجارة الدولية.

وأكدت دول الاتحاد الأوروبي دعمها للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في خلافها مع الرئيس باراك أوباما حول تدفق الصادرات من بعض الدول لأنحاء العالم. وتطالب الولايات المتحدة ألمانيا والصين بالحد من اغراق دول العالم بالصادرات والعمل بدلا من ذلك على تشجيع الطلب في أسواقها المحلية.

وقال جوزيه مانويل باروسو رئيس المفوضية الأوروبية إن العالم بحاجة إلى آلية للحد من الاختلالات البينية في الاقتصاد العالمي. واقترح باروسو طرح قواعد جديدة بمثابة جرس الإنذار لمراقبة عمليات اغراق العالم بالصادرات وأوضح: الرفاهية يجب ألا تأتي على حساب الآخرين.

وكانت المسشارة ميركل أكدت قبيل انطلاق أعمال القمة عزمها عدم تقديم أي تنازلات بشأن قضية الصادرات فيما أعربت الولايات المتحدة عن استعدادها للتوصل لحلول وسط.

الاقتصاد الاميركي

قال الرئيس الأميركي باراك أوباما إن وجود اقتصاد أميركي قوي هو أمر جيد للعالم رافضا الانتقادات بأن سياسة بلاده النقدية تتسبب في إغراق أسواق المال بدولارات رخيصة.

وقال أوباما إن الأمر الأكثر أهمية الذي تستطيع الولايات المتحدة فعله للاقتصاد العالمي هي أن تنمو لأننا مازلنا أكبر سوق في العالم وأكبر محرك لنمو سائر الدول.

وسئل أوباما الرد على الانتقادات من دول مثل ألمانيا التي اتهمت مجلس الاحتياط الاتحادي الأميركي بخفض قيمة الدولار من خلال طبع أموال بهدف شراء سندات في محاولة لإنعاش اقتصاد البلاد. لكن أوباما رفض التعليق مباشرة على إجراءات مجلس الاحتياط.

وتخشى الدول الناشئة ان تؤدي سياسة انعاش الاقتصاد الاميركي الى تدفق اموال المضاربات عليها. واتخذت بعضها مثل البرازيل اجراءات للحد من حركة رؤوس الاموال، التي تخضع في الصين لمراقبة صارمة.

موقف حازم

ودعت المستشارة الالمانية من جهتها الى ان تتخذ دول مجموعة العشرين موقفا حازما من التدخل الحمائي الذي تخشاها دول عدة. وحذر رئيس الوزراء الياباني ناوتو كان من «وجود مخاوف من اننا دخلنا فعلا في خفض تنافسي لقيمة العملات يذكر بالركود الكبير» في ثلاثينات القرن الماضي.

اما الرئيس البرازيلي المنتهية ولايته لويس ايناسيو لولا دا سيلفا فقد اعتبر ان العالم يسير نحو «الافلاس» ما لم تنعش الدول الثرية استهلاكها الداخلي بشكل اكبر بدلا من تعزيز صادراتها.

وقال وزير الخزانة الأميركي تيموثي جايتنر ان الولايات المتحدة لن تنهج أبدا سياسة لاضعاف عملتها لتحفيز اقتصادها على النمو. واضاف ردا على تلميح الان جرينسبان رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي السابق إلى أن واشنطن تتبع سياسة لاضعاف الدولار: الولايات المتحدة لن تفعل ذلك أبدا. ومضى قائلا: لن نسعى أبدا لاضعاف عملتنا كوسيلة لكسب ميزة تنافسية أو من اجل نمو الاقتصاد.

اضعاف الدولار

وقال الان جرينسبان ان الولايات المتحدة تتبع سياسة لاضعاف عملتها وهو ما يدفع اسعار الصرف في باقي العالم الى الارتفاع. واضاف جرينسبان في مقال بصحيفة فاينانشال تايمز انه مع ابقاء الصين على عملتها منخفضة فان الضغوط الصعودية على العملات الاخرى تثير خطر العودة إلى الحمائية التجارية على نطاق واسع.

وقال جرينسبان في المقال: أميركا تتبع ايضا سياسة لاضعاف العملة. كبح للعملة الصينية وضعف الدولار مؤخرا ينتج عنهما بالضرورة ارتفاع اسعار الصرف في باقي العالم.

وكتب جرينسبان يقول: اذا كانت مجموعة العشرين جادة في التعهد بدعم تجارة مفتوحة متعددة الاطراف والنظام المالي الدولي الذي يغذيها فانها يجب عليها ان تكون مستعدة للتخلي عن عنصر للسيادة لتحقيق مكاسب صافية للجميع.

ضغوط كبيرة

وتواجه الولايات المتحدة الأميركية ضغوطاً اقتصادية كبيرة. وطالبت لجنة مالية تضم أعضاء من الحزبين الديمقراطي والجمهوري بإجراء تخفيضات كبيرة في الإنفاق العام وإدخال تغييرات جذرية على مخصصات التقاعد وذلك في تقرير برلماني أعلنته بشأن سبل مواجهة العجز الهائل في الميزانية الأميركية خلال السنوات المقبلة.

وكان الرئيس أوباما قد شكل هذه اللجنة في فبراير الماضي وتهدف إلى تقديم خريطة طريق إلى الحزبين الحاكم والمعارض في الولايات المتحدة لتحقيق خفض كبير في عجز الميزانية خلال السنوات العشر المقبلة وما يليها.

دعت اللجنة إلى كبح الإنفاق العام وبالتحديد تقليص الإنفاق على البرامج العسكرية والداخلية بمقدار 200 مليار دولار حتى عام 2015. كما اقترحت اللجنة زيادة سن التقاعد من 65 عاما إلى 67 عاما وتقليل معدل الزيادة في مرتبات التقاعد الحكومية.

جدل دائم

وقال رئيسا اللجنة إنهما حددا حوالي 4 تريليونات دولار يمكن توفيرها من الميزانية الأميركية حتى عام 2020 مع خفض عجز الميزانية إلى 2 .2% فقط من إجمالي الناتج المحلي بحلول 2015.

وتعهد رئيسا اللجنة بأن تكون تخفيضات الإنفاق تدريجية لتفادي تأثيرها السلبي على تعافي الاقتصاد ولكنهما حذرا من أن أي تخفيضات ستكون مؤلمة. وقال الرئيسان: بلدنا يواجه خيارات صعبة. وبغض النظر عن الحزب فإننا نحتاج إلى إرادة قول الحقيقة للأميركيين.

(الوكالات)