يقول تعالى: (آلم. أحسب الناس أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين).
هذه الآية الواردة بعد الأحرف المقطعة، تبين أن الإيمان ليس كلمة تطلق دون دليل أو برهان، ولكن هي دعوى لابد أن تتعرض للفتنة لكي يظهر صدقها من كذبها، فإن القرآن ذكر دعوى بعض الأعراب بالإيمان، وتكذيب الله لهم في هذه الدعوى، ولذلك قيل: (ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل).
والفتنة هنا معناها وضع الذهب في النار ليتخلص من الشوائب العالقة به عادة، إذ لا يتخلص الذهب الغفل من شوائبه إلا بوضعه على النار، ليصير إبريزا، وكذلك أهل الدعوى الإيمانية يفتنون، أي يضعهم الحق تبارك وتعالى في تجربة قاسية كنوع من الفتنة التي تصهر الذهب، فإذا ثبت المؤمن على إيمانه، كان صادق الإيمان، صادق الدعوى، أما إذا اعترض وتبرم ونافق، كانت دعواه كاذبة، وكل فتنة تقع للمؤمن ترتفع بدرجته وتعلي شأنه.
وقد ذكر المفسرون في سبب نزول الآيات أن قوماً من المؤمنين كانوا بمكة، وكان الكفار من قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام، كسلمة بن هشام، وعياش بن ربيعة، والوليد بن الوليد، وعمار بن ياسر، وأبية، وبعض بني مخزوم وغيرهم، فكانت صدورهم تضيق لذلك. وربما استنكر البعض أن يمكن الله الكفار من المؤمنين.
وقد روى البخاري عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعفة، فقلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: «لقد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء، بالمنشار فيوع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد لحمه وعظمه فما يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» فبين أن البلاء والفتنة سنة الحياة، لبيان الصادقين من الكاذبين.
ولذلك كانوا الصالحون يحمدون الله على البلاء كما يحمدونه على النعمة، لأنه إذا كانت النعمة زيادة فهي ابتلاء أيضاً واختبار، وإذا كان البلاء نقصا فهو فتنة، يعقبها زيادة مباركة، ولذلك ورد في الحديث أن الملائكة إذا قبضوا روح ولد العبد يسألهم رب العزة سبحانه وتعالى: «أقبضتم ولد عبدي؟ أقبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: فماذا قال؟ قالوا: حمدك واسترجع. فيقول: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد».
وقال رب العزة سبحانه وتعالى: «ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون» ولأن البلاد تمحيص وفتنة تصهر القلوب وتثبت الإيمان، ولا ريب أن البلاء الذي يقضي به الله، يناسب درجة الإيمان: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل». والله ولي المؤمنين.
بقلم ـ علي عيد