أحق الناس بخشية الله هم العلماء الذين عرفوا أسرار اختلاف الموجودات في الكون بما فيها من سماوات وأرضين ونجوم وكواكب، ويقول عز من قائل: «إنما يخشى الله من عباده العلماء»، تكملة لقوله تعالى: «إنما تنذر الذين يخشون ربهم»، وفي الآية تعيين من يخشى الله عز وجل من الناس بعد تباين اختلاف طبقاتهم وتباين مراتبهم، والمعنى أن هؤلاء يخشونه بالغيب.
وهم العالمون به عز وجل وبما يليق به من صفاته الجليلة وأفعاله الجميلة، قال عليه الصلاة والسلام «أنا أخشاكم لله وأتقاكم له» ولذلك عقب الله سبحانه وتعالى بعد ذلك بذكر أفعاله الدالة على كمال قدرته، وحيث كان الكفرة بمعزل من هذه المعرفة امتنع إنذارهم.
وكلما دق علم الإنسان بالطبيعة ومظاهرها كلما ازداد إيماناً بالله وعظم تقواه وقد أثبت العلم الحديث أن كل الموجودات تسير بحكم تكوينها وما يجرى عليها من تطورات مختلفة وفق نظام دقيق ثابت لا يقدر عليه إلا خالق قدير مبدع.
فمن حيث التكوين فقد تبين أن جميع هذه الموجودات والمخلوقات على اختلاف أشكالها وتباين صورها تتألف من إتحاد عناصر محدودة العدد إذ يبلغ عددها قرابة المائة عنصر منها ست وتسعون معروفة حتى الآن وهى تندرج في صفاتها الطبيعية والكيماوية وأوزانها الذرية.
وتسير هذه العناصر في اتحادها لتكوين المركبات حسب قوانين ثابتة لا تحيد عنها وكذلك النبات والحيوان فإن كلا منها ينقسم إلى أسر وفصائل وأنواع تندرج صفاتها في مدارج الرقى من الكائنات الحية ذات الخلية الواحدة مثل الميكروبات إلى كائنات متعددة الخلايا إلى الإنسان وهو أكملها ولكل من هذه الأنواع صفات خاصة تتوارث فيما بينها جيلاً بعد جيل، وكل هذا يسير تبعاً لقوانين ونظم ثابتة دقيقة تنبئ بجلاء ووضوح عن عظمة الخالق وقدرته.
ومفاتيح العلم في الإسلام واضحة صريحة لا عوج فيها فالقرآن الكريم يدعو إلى العلم والسير والنظر، والقرآن نفسه مشتق من القراءة وهى أدنى مفاتيح العلم لبنى الإنسان.
نعمة القلم.. فالأمر في كلمة (اقرأ) من قوله تعالى: «اقرأ باسم ربك الذي خلق» فيها توجيه ملزم لكل مسلم ومسلمة في كل زمان ومكان، وأول سورة نزلت هي سورة العلق ومن العلق يخلق الإنسان والسورة التالية لها في النزول سورة القلم وبالقلم يكتب ويتعلم الإنسان فإنسانية الإنسان لا تكون إلا بالخلق والعلم: «الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان».
ولهذا أقسم الله في قوله تعالى «نَ والقلم وما يسطرون» والحلف بالقلم ـ هو حلف بأعظم نعمة أنعم الله بها على الإنسان بعد نعمة النطق والبيان ونعمة النطق ميزته عن العجماوات ونعمة القلم نشرت بين أفراده أنواع الشرائع وحقائق المعلومات فلولا القلم لم يقم دين ولا كان عمران ـ وإذا أردت أن تقيس حالة جماعات البشر من حيث الرقي في معرج المدينة فلا مقياس أدق من انتشار فن الكتابة فيهم فهو الذي يحدد درجة كل شعب من الحياة الاجتماعية ويضعه موضعه اللائق في مصاف الأمم الحية.
رجاء علي