يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» إنهم هؤلاء الذين حمى الله بهم حوزة الدين وقامت دولة الإسلام وحضارته على عاتقهم..
و«الصحابة» مصطلح تاريخي أُطلق على رجال ونساء عظام عاصروا عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- حملوا معه الأمانة وتحملوا مشاق الدعوة ... و بذلوا كل غال ونفيس من أجل إعلاء كلمة الحق «هؤلاء الذين هدى الله فبهُداهُم اقتده» ...
إنه جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه- شهيد مؤتة، وابن عم رسول الله والشقيق الأكبر لعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، أسلم مبكرًا، وأسلمت معه في نفس اليوم زوجته أسماء بنت عُميْس، وتحملا نصيبهما من الأذى والاضطهاد في شجاعة وثبات.....
ذو الجناحين.. هو لقبه فقد أخذ الراية يوم غزوة مؤتة بيمينه فقطعت، فأخذها بشماله فقطعت، فاحتضنها بعضديه حتى قتل، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء..
كان جعفر رضي الله عنه أشبه الناس خَلْقًا وخُلُقًا بالرسول، كنَّاه الرسول بأبي المساكين...
وكان جعفر رضي الله عنه-يحب المساكين ويطعمهم ويقربهم منه، ويحدثهم ويحدثونه.
يقول عنه أبو هريرة: كان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب. ويقول عنه أيضًا: ما احتذى النعال، ولا ركب المطايا، ولا وطئ التراب بعد رسول الله أفضل من جعفر بن أبي طالب.....
ولما خاف الرسول على أصحابه اختار لهم الهجرة إلى الحبشة، وقال لهم: (لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد)، فخرج جعفر وأصحابه إلى الحبشة، فلما علمت قريش، أرسلت وراءهم عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة -وكانا لم يسلما بعد-، وأرسلت معهما هدايا عظيمة إلى النجاشي ملك الحبشة؛ أملا في أن يدفع إليهم جعفر وأصحابه فيرجعون بهم إلى مكة مرة ثانية ليردوهم عن دين الإسلام...!
ووقف رسولا قريش عمرو وعبد الله أمام النجاشي يتهمان المهاجرين بالباطل ...!
كلمات من نور :
فقام جعفر وتحدث إلى الملك باسم الإسلام والمسلمين قائلاً:
«أيها الملك، إنا كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف..
حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى عبادة الله وحده، وخَلْعِ (ترك) ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان.
وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، فصدقناه وآمنا به، فعذبنا قومنا وفتنونا عن ديننا؛ ليردونا إلى عبادة الأوثان، فلما ظلمونا، وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك».
استمع النجاشي إلى كلمات جعفر، فامتلأت نفسه روعة بها، ثم سأله: هل معك شيء مما أنزل على رسولكم؟ قال جعفر: نعم، فقال النجاشي: فاقرأه علي...
فقرأ جعفر من سورة مريم، فبكى النجاشي، ثم توجه إلى عمرو وعبد الله وقال لهما: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة (يقصد أن مصدر القرآن والإنجيل واحد). انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكما.
وعاد جعفر والمسلمون من الحبشة بعد فتح خيبر مباشرة، ففرح الرسول فرحًا كبيرًا وعانقه وهو يقول: (ما أدرى بأيهما أنا أشد فرحًا؛ أبقدوم جعفر أم بفتح خيبر؟)
وبنى له الرسول دارًا بجوار المسجد ليقيم فيها هو وزوجته أسماء بنت عميس وأولادهما الثلاثة؛ محمد، وعبد الله، وعوف، وآخى بينه وبين معاذ بن جبل -رضي الله عنهما .
جيهان محمود