قال الشيخ: إن العبد إذا عمل فإنه يجب ألا ينسى أن الحق سبحانه وتعالى مشرف على قلبه مطلع على سره، فإن رأى فيه إخلاصاً رفع قدره بين الناس - إلا ما يكون من قبيل الابتلاء- وبين ملائكته، قال بعضهم: (ان أهل السماء ينظرون إلى صلاح أهل الأرض فيرونهم كما يرى أهل الأرض النجوم الزواهر في كبد السماء في الليل المظلم)، وان رأى سبحانه وتعالى ميلاً إلى محمدة بين الناس أو ميلاً إلى منزلة حبط عمله، وأزال لذة العمل والعبادة من قلبه.

فللقلوب همم هي الأصل في كل همة ظاهرة، وهمة القلب أن يكون العلم والعمل خالصين لوجهه الكريم، أما من قال دون أن يفعل أو فعل مراءاة للناس فالحق سبحانه وتعالى يقول (كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون).

وهمم القلوب إنما أصلها استحضار الوعد والوعيد، ومشاهدة كمالات الله وحبه والشوق إليه، ومعرفة الدنيا على حقيقتها، قيل: ان حب الجاه والشرف ليس من خواص العبودية وإنما هو مس من جبروت، وما مقت الله عز وجل من الجبابرة ببعيد، ومراد الشيطان أن يفسد همة القلب وتوجهه، فإن حصل تركه يعمل ما شاء إذ أن عمله يصير حجة عليه لا له.

وللقلوب حكمة متى وجدت زهد أصحابها بالدنيا والشهرة فيها وغلب عليهم الذلة لله والتواضع للناس، وصاروا منشغلين دائماً بالله عز وجل لا تشغلهم عنه حوادث الحياة ليقينهم بأنه لا مفر مما خفي من سوابق الأقدار، ويورثهم ذلك نوراً يجعلهم من المقبولين بين الناس، أما ان انعدمت فإن الله عز وجل يلقي على وجوههم غلالة تجعلهم من المجهولين المصدودين.

فهم ان كانوا قد أظهروا حسن القول والعمل تحبباً للناس وتعرضاً لإعجابهم وبارزوا الله عز وجل بأن ركبوا العمل والعلم الشريف لأغراض دنيوية فإن جزاؤهم في الدنيا قبل الآخرة انصراف الناس عن مجالسهم، ذلك أن الإخلاص يعطر الأقوال والأفعال والأحوال، في حين أن طلب رضا الناس وإعجابهم ينتن الأقوال والأفعال والأحوال، مما يكون سبباً في فرار من قصدوهم وضيعوا آخرتهم من أجلهم.

فإن قيل ان حال بعض أهل الدنيا خلاف ذلك قلنا ان الطيور على أمثالها تقع، ومن سكن النتن أنفه لم تؤثر فيه نتانة صديق فسدت همة قلبه وحكمته.

إلا أن أهل الدنيا وقد ركبوا أعمالهم من أجل مصالحهم لا يدومون طويلاً لأن الطمع حتى مع الكثرة والوفرة لا يترك محباً ولا محبوباً.

والمصاب الأكبر أن يفسد القلب والعمل، وأن ينتن الظاهر والباطن، وألا يعبأ العبد الضعيف بخالقه وممده بالنعم التي لا تنقطع، ومثل هذا يكون ممن ركب الإصرار والمجاهرة فأكثر الظن أنه هالك إلا أن يتغمده الله برحمة من عنده فلا يموت قبل أن يحسن عمله ويطيب قلبه.

ان ميزان المرء الذي حسن إيمانه أن يكون ظاهره وباطنه سواء، وهذا لا يكون إلا بتمحيص القلب ومراقبته واصطياد هفواته وراء كل حركة أو كلمة، ومراقبة القلب على المخلص الذي فهم عن ربه أشد عليه من العمل نفسه، ذلك أن عزل رعونات النفس وتطلعاتها من الشدائد التي لا يقدر عليها إلا من عرف فكراً وذوقاً وتقديراً، ووفق إلى ذلك من ربه عز وجل، لذلك حسن أن يتضرع العبد إلى ربه ويتململ طالباً الإخلاص وصفاء القلب من كل ما يحبط عمله ويخسف به أرض المعاد.

لذلك قال الحق سبحانه وتعالى: «إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم» فقبل العمل لا بد من حسن التوجه وصدقه وصفاء القلب مما قد يهفو إليه من حظوظ النفس وما الأمر بيسير إلا على من لم يدرك دقائق هذه الحقائق، وما أنصح به أن نتضرع لله طلباً للإخلاص ولصفاء القلب وأن نطلب الصدق في العمل منه فإنه عز وجل وحده القادر على توفيقنا لذلك والحمد لله رب العالمين.

ماهر سقا أميني