قال الشيخ: لا يسلم القلب من العلل إلا ان مات فيه اعتبار نظر الخلق إليه وكان حياؤه من الله أشد وأكبر من حيائه من الخلق، وتلك غاية تقصد بالمعرفة أولاً والفهم عن الله ثانياً والعلم اليقين بأن أفعال الخلق ما هي إلا حجاب لأفعال الحق.
وعلامة الوصول إلى هذه الحال إخفاء الأعمال عن الخلق حتى يرسخ في هذا المقام فيظهر عندها أعماله الصالحة ليكون من المقتدى بهم، وليكون علامة وحجة لله عز وجل على الناس في تمكن الصلاح من بعض خلقه، ثم ان من وصل إلى هذا المقام مال إلى إهمال الاشتغال بظواهر أعماله وتحسينها دون الخلل بشروطها وآدابها، واتجه إلى تصفية باطنه من الخواطر والنيات والمقاصد التي لا تتفق وكمال التوجه والحضور مع الله عز وجل، فإن ارتفعت منزلته بين الناس لم يزده ذلك إلا حياء من الله تعالى وتواضعاً مع خلقه واعتقاداً بأنه لا ريب في الناس من هم أقرب منه إلى الله، وإن لم يظهروا مثل ظهوره.
ذلك أن اعتبار النفس فيه ظلال من كبرياء والكبرياء لله وحده، أما غاية خلقنا فهي عبادة الله عز وجل، ولا يكون هذا إلا بعدم اعتبار النفس والتحقق في تمام العبودية لله تعالى، والنظر إلى كل وارد على أنه من الله، وكل مفقود على أنه عارية استردها الله عز وجل، والى كل عمل يوفق بالقيام إليه على أنه منه تعالى ولو شاء لأضله أو لأقعده عن العمل الصالح، فإن مدحه الناس استوحش من ذلك خوفا على إخلاصه.
أو فرح على اعتبار أن ما جاء من مدح الناس له ثناء من الله على لسان بعض خلقه وشهادة له يوم القيامة بالصلاح، وإن ذمه الناس بحث أولاً في صفاته ومحص في أفعاله فإن وجد فيها ما يعيب قصد إلى إصلاحها شاكرا المولى عز وجل على إقباله عليه بتحذيره مما يشوه صفحاته وينحرف بصلته مع محبوبه، وقد نقل عن مالك بن دينار رحمه الله، أن امرأة قالت له يا مرائي فأجابها: ما عرفني غيرك. واعلم انه قد شاع في هذا الزمان ثقافة تؤكد على تحقيق النفس والترويج لها، وهي مما تلقفناه من الغرب حلوه ومره، في تربية للأنانيات البشعة مما لا يرضي الله ورسوله.
ولهذه الثقافات دورات تعقد وكتب تطبع ومعلمون يؤهلون لاستعراض النفس والتقديم لها بين الناس، وتلك والله ثقافة لا تستقيم مع سلامة القلب وصحته من العلل، ذلك أن نسبة الخير إلى الذات نسبة مزورة، ونسبته وان ظهر على يد العبد إلى الله وتوفيقه نسبة حقيقية، فإن تمكن هذا المعنى عند العبد سلم قلبه ووضع نفسه في موضع الساعي إلى الكمال أو الممكن منه فيكون ذلك سببا في رضا الله تعالى عليه.
ومن علامات التوفيق في هذا الميدان ألا يغضب إن وصفه أحد بقبيح أو عيب فيه، وقد جاء في سالف الكتب المنزلة: (من قيل الشر فيه وهو فيه كيف يغضب؟ ومن قيل فيه الخير وهو ليس فيه كيف يفرح) وكان الفاروق رضي الله عنه يقول: رحم الله امرءا أهدى إلى عيوبي، فقد كان يعتبرها هدية ساقها الله إليه ليعمل على إصلاح نفسه قبل أن يأتي يوم يحاسب فيه عليها.
وقد يكون غير واع لها، بل ان الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ما غضب لنفسه يوما، وإنما كان غضبه عندما تنتهك حرمات الله، والغضب للنفس فيه كثير من حبها ونصرتها وان كانت على باطل، ولا يدخل على الله بمثل هذه النفس التي لا تقبل بأقل من أن توصف بالكمال، بل ان الحق سبحانه وتعالى كثيرا ما يستر على عبده.
وكل منا وأنا أولكم لو فضحه الحق سبحانه وتعالى لسقط من عين القريب قبل البعيد، فالأصل أن نحمد الله على الستر لا أن نضيق باللوم والنقد، إلا ما كان على محمل العدوان فإن الأولى الصبر وعدم رده واحتساب أجره عند الله، وهي من سمات الصديقية، وإلا فإن الله قد أباح الجهر بالسوء لمن ظلم دون زيادة أو تطفيف، والعفو أولى ولكن ليس عن ضعف لا يليق بمؤمن والله أعلم.
ماهر سقا أميني
