حصل الباحث علاء الدين محمد حافظ القاضي على رسالة الماجستير والتي تمت مناقشتها في السودان عن فقه السيدة عائشة رضي الله عنها، وتستعرض الرسالة ما يزيد على أربعين مسألة من مسائل الدّين في الفقه المقارن، وهي تثبت بجدارة احترام الإسلام لرأي المرأة وعقلها وفكرها وفهمها واستنباطها لنصوص الشريعة، بل ويقدِم رأيها على رأي كبار الصحابة رضي الله عنهم إذا كان مسدداً بالأدلة النقلية والعقلية.
ويقول الباحث علاء حافظ: لا يخفى على أحد أنَ السيدة عائشة رضي الله عنها عاشت مع النبي صلى الله عليه وسلَم ما يقارب عشر سنوات، وهذه السنوات العشر لو كانت في حِضن عالم من علماء هذا العصر لقلنا إنها اكتسبت خبرة في الفقه أو الحديث أو التفسير أو غيرها من العلوم على مدار تلك الفترة وهذا القدر لا يستهان به، فما بالكم لو كانت في حِضن سيد الخلق صلى الله عليه وسلَم، فما بالكم لو كانت هي تسأله وجهاً لوجه ولا تسأل عن مسائلها واحداً من الناس أو رجلاً آخر.
هي تأخذ عن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم مشافهة، وتتحمل عنه بلا واسطة، فهذا يدل بعمق على أنَ فقه السيدة عائشة رضي الله عنها في مجمله هو أقرب ما يدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلَم أو فعله صلى الله عيه وسلَم، لماذا؟ لأنها عاشت الوحي ورأته عملياً في كلمات النبي صلى الله عليه وسلَم، في أخلاقه، في تصرفاته المختلفة، فخرجت بنا من نطاق البحث عن قصد النبي صلى الله عليه وسلَم إلى نطاق (التصوير بالفيديو) بالصوت والصورة لكل ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلَم وما يفعله.
وهذا يمثل أعلى درجات التوثيق العلمي في عصرنا الحاضر، فمصدر السيدة عائشة رضي الله عنها في نقل معلوماتها وفي ترجيحها لبعض الآراء والمسائل هو مصدر وثيق قائم على السمع والبصر وعلى الرؤية العملية، وكان لها تدخل كبير في استنباط الحكم، بل كانت ترجح عن رؤية ومعرفة دقيقة بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم وبمقاصده، ذلك لأنها عاشرته في ليله ونهاره في غضبه ورضاه في فقره وغناه في حربه وسلمه في سفره وإقامته.
ولا يكاد يوجد بين الصحابة أحد لا رجالاً ولا نساءً عاشر وباشر النبي صلى الله عليه وسلَم كمعاشرة السيدة عائشة رضي الله عنها ومباشرتها إياه بهذا الاتساع الزمني وهذا العمق والفهم والوصول والتوصل إلى خلجات النفس، الأمر الذي يجعلنا نؤكد على ضرورة إبراز هذا الفقه العائشي عند السيدة عائشة رضي الله عنها، لأنه فقه في القمة.
فقه يتكلم من غرفة عمليات الفقه التي هي محروسة بالوحي من إتباع الهوى ومن دخول الشيطان في الفهم، فالشيطان لعنه الله كثيراً ما يصرف العالم عن الدرجة العليا إلى الدرجة التي تحت العليا، أمّا إذا كانت هي محروسة بروح الوحي تعيش حياة النّبي صلى الله عليه وسلّم، حتى بعد أن مات بقيت أنفاس النبي صلى الله عليه وسلم في صدرها، بقيت بركة النبي صلى الله عليه وسلم في ملابسها.
بقيت صورة النبي صلى الله عليه وسلم في مخيلتها تدير هذه الصورة يمنة ويسرة وتقلب الأمر على وجهه كيف كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الأمور وماذا يمكن أن يقول في مثل هذه المواقف.
ومن هنا كانت منطلقات السيدة عائشة رضي الله عنها سواء في حياة النّبي صلى الله عليه وسلم أو بعد وفاته، فقد كانت تناقش وتحاور النّبي صلى الله عليه وسلّم حتّى تصل إلى أدق الفهم، وحتّى تخرج من الاحتمال أو الازدواجية في الفهم، فكانت تصل في مناقشاتها مع النّبي صلى الله عليه وسلّم ومحاوراتها إلى أدقّ ما يمكن أن يصل التلميذ مع شيخه، فكثير من التلاميذ كانوا يستحيون أن يراجعوا أساتذتهم،
وقد كان الصحابة يستحيون أن يراجعوا رسول الله صلى عليه وسلم، أما السيدة عائشة رضي الله عنها فقد قدمت العلم على الحياء، ولها الكثير من المواقف التي تثبت أنها كانت تراجع النبي صلى الله عليه وسلم وتستفهم منه عما يرد لها من إشكالات.
أما بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كانت تقيس على عشر سنوات، ولم تكن تقيس على سنة واحدة ولا على يوم، بعضنا إذا حضر مع أستاذ، وتشرّب طريقة تعامله مع النصوص كما فعل كثير من تلاميذ الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة ـ رحمهم الله ـ فإنهم كانوا يقيسون على ما كان يقع في صدورهم من مستوى الفهم والورع الذي كان يتعامل به الشيخ أو الإمام مع النص.
فإذا كانت هذه تتعامل مع النص على روح من عشر سنوات نبوية مليئة بقيام الليل وصيام النهار ومليئة بالأوجاع والآلام والآمال والطموحات ومليئة بالهدنات ومليئة بالحروب والغزوات وغير ذلك من الفهوم والقصود وكيف كان يبكي في آية وكيف كان يبتسم في موضع آخر وكيف وكيف..
فقد كانت تعيش بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم في ظلال النبي صلى الله عليه وسلم وظلال روح النبي صلى الله عليه وسلم وظلال فهم ووعي وورع النبي صلى الله عليه وسلم.
من هنا جاءت الضرورة لهذه الرسالة التي تبحث في أعماق فهم السيدة عائشة رضي الله عنها، وتبحث في ترجيحاتها، وموافقة هذه الترجيحات لمن بعدها من العلماء والأئمة، لكي نرى ونعلم موقع المرأة المسلمة، بل موقع السيدة الأولى على عهد النّبي صلى الله عليه وسلّم وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم.
من هنا نعلم أنّ بيت النّبوة لم يكن بيتاً سياسياً فحسب ولم يكن بيتاً فقهياً فحسب، بل كان بيتاً عملياً، بيتاً سياسياً، بيتاً فيه من الأخلاق والآداب وفيه من نقل العلوم وفيه من النصح والإرشاد المنزلي أو البيتي والنصح والإرشاد السياسي الذي يتدخل في الرأي العام، وفي اختيار الخليفة، وفي الصلح بين فئتين عظيمتين من المسلمين.
وفي مسائل تخص المرأة في بيتها وفي غسلها وفي طهرها وفي مسائل تخص المجتمع في الإنفاق وفي الإمساك وفي غير ذلك من أحوال الأمة الإسلامية.
