توقع محللون تزايد عدد الاكتتابات العامة الأولية بنظام بناء سجلات أوامر الاكتتاب خلال السنوات المقبلة على نحو يسهم في زيادة عمق ونضج أسواق المال في الإمارات، ويعكس في الوقت ذاته تطورها الطبيعي من الناحية التنظيمية والتشريعية، وذهب البعض إلى المطالبة بأن يكون بناء سجلات أوامر الاكتتاب مطلبا تشريعيا لأي عملية إدراج داخل دولة الإمارات بالنظر إلى أن هذه الآلية تحقق قدرا كبيرا من الإنصاف والعدل لجهات الإصدار والمستثمرين على حد سواء.

وبالنظر إلى كونها كذلك تعطي الفرصة للمستثمرين لإبداء وجهات نظرهم لجهات الإصدار بشأن تقييم ما يرونه قيمة عادلة للإصدارات، وبالتالي، فهي تعكس قوى العرض والطلب على نحو أكثر فعالية.

ويستخدم نظام بناء سجلات أوامر الاكتتاب على نطاق واسع دولياً كما يجري استخدامه على نحو متزايد في المنطقة نظراً لأن المستثمرين يحصلون على الأسهم بسعر عادل في عملية تتسم بالشفافية.

حيث عمدت كل من الإمارات والمملكة السعودية ومصر والأردن والمغرب جميعاً إلى استخدام هذا النظام نظام بأسواقها المالية المحلية. ومن ثم، يستند النمو طويل الأجل في سعر الأسهم على جودة أُسس الشركة بينما تحصل الشركة المُصدِرة على تعويض عادل عن الحصة التي تعرضها للسوق.

بدايات النظام

قد تم استخدام نظام بناء سجلات أوامر الاكتتاب للمرة الأولى في المملكة العربية السعودية في عام 2007، عندما قامت شركة مورجان ستانلي، من خلال العمل عن كثب مع هيئة السوق المالية السعودية، بتقديم وإدارة أول طرح عام أولى بنظام بناء سجل أوامر الاكتتاب في المملكة العربية السعودية (الشركة السعودية لإنتاج الأنابيب الفخارية).

ووفقاً لما يقوله فهد المبارك، رئيس مجلس إدارة مورجان ستانلي السعودية، فإن نظام بناء سجلات أوامر الاكتتاب قد جعل السوق السعودية أكثر تطوراً ومسايرة للأسواق العالمية الأخرى المتميزة، وأضفى النزاهة على آلية تسعير الاكتتابات العامة الأولية.

حيث أن المستشارين الماليين والضامنين والشركات الاستثمارية أصبحت الآن تشارك في عملية تحديد السعر لتقرير السعر العادل للأسهم في الاكتتابات العامة الأولية، ونظراً لأن الأسواق المالية تضم شركات عاملة مستقرة وراسخة تدرس الإدراج في سوق المال، فمن المرجح أن يزداد عدد الاكتتابات العامة الأولية بنظام بناء سجلات أوامر الاكتتاب خلال السنوات القادمة مما سيترتب عليه عُمق أكبر في السوق المالية السعودية.

ورأى أحد المحللين الذي طلب عدم ذكر اسمه أن بناء سجلات أوامر الاكتتاب يعد أمراً مستحدثاً نسبياً يجري تجريبه ببطء وحذر من قبل الجهات المُنظمة المختلفة، وأن أولوية الجهات التنظيمية تنصب على حماية المستثمرين وهي تسعى بشكل ثابت لاستكشاف آليات وسياسات أفضل وأكثر فعالية لضمان الشفافية وحماية مصالح المستثمرين.

مشيرا إلى أن الحدّ من التذبذب يعد هدفاً هاماً وقد أدركت الجهات المُنظِّمة أن الاكتتابات العامة الأولية بأسعار ثابتة قد لا تكون متوافقة مع أهدافها طويلة الأجل لحماية مستثمري التجزئة. وخلص المحلل إلى القول بأن بناء سجلات أوامر الاكتتاب..

وإن لم يكن العلاج لجميع المشكلات، إلا أنه إيجابي للأسواق الإقليمية، وهو عملية أكثر توازناً ويجنبنا مشكلات تقدير الشركات دون قيمتها الحقيقية كما أنه يُحقق مستويات أفضل من الشفافية والحوكمة بشكل كُلي وعلى نحو تدريجي، وانه من المتعين توعية المستثمرين بهذا النظام قبل الشروع في تطبيقه.

مطالب المستثمرين

وقيم محللون أن أوامر الاكتتاب يقدم نظاما في التسعير يعد الأكثر مطابقة لقوي العرض والطلب ،واستناداً إلى تحديدبناء سجل الأسعار، تقوم الجهة المُصدِرة بتحديد نطاق سعر يُتاح فيه للمستثمر بتقديم عرض لشراء الأسهم، ويتم تحديد هذا النطاق بناء على سعر التداول لشركات مشابهة في القطاع ذاته.

فضلاً عن تقييم قدرات السوق الاستيعابية، وبعد ذلك، يقوم المستثمرون بتقديم عرض لشراء عدد متفق عليه من الأسهم بسعر يرون أنه يمثل قيمة عادلة، ومن خلال «بناء سجل أوامر الاكتتاب» للمستثمرين، تؤكد الجهة المُصدرة نطاق السعر الذي يجب تقييم الأسهم عنده استناداً إلى الطلب الأساسي من المستثمرين.

وفي هذا السياق، توقع مارك دياب، مدير أحد الصناديق بشركة «جي إل جي بارتنرز» التي تدير حقوق ملكية الأسهم بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مواصلة الأسواق المالية المحلية على صعيد منطقة الشرق الأوسط استخدامها لنظام بناء سجلات أوامر الاكتتاب بقوله:

نحن نرى إقبالاً متزايداً من المستثمرين الدوليين على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومن شأن إتباع نظام بناء سجلات أوامر الاكتتاب أن يعزز إقبالهم على الاكتتابات العامة الأولية المدرجة في أسواق المال المحلية في المنطقة، بحكم أنهم معتادون على هذا النظام في أسواقهم المالية.

وتُعتبر الأسواق الناشئة مصدرا رئيسيا للنمو المستقبلي للمستثمرين، ويتضح ذلك جلياً في منطقة الشرق الأوسط عنه في أي منطقة أخرى، إلا أن الشركات في هذه المنطقة لم تصل بعد إلى مرحلة القبول الكامل لمثل هذا النظام، وذلك رغم تسجيل أسواقها المالية نموا مذهلا خلال سنوات الازدهار.

حيث غابت تماما الاكتتابات العامة الأولية في بعض الأسواق المالية المحلية، ومن بينها الإمارات، وذلك على مدار فترة زمنية تناهز العام تقريبا.

وقد شكل إعلان شركة أكسيوم المحدودة المتخصصة في بيع وتوزيع أجهزة الهواتف المتحركة وملحقاتها، وخدمات الاتصالات في منطقة الشرق الأوسط في 13 أكتوبر الجاري عن نيتها طرح نسبة من أسهمها للاكتتاب العام الحالة الأولى لشركة في الإمارات تنفذ طرحاً عاماً أولياً منذ عام ونصف العام على الأقل.

وجاء هذا الإعلان وسط موجة تفاؤل عمت الأسواق بعد نجاح سندات حكومة دبي ثم سندات هيئة مياه وكهرباء وسندات شركة «إعمار» العقارية، وغذت سلسلة النجاحات المتتالية لهذه الإصدارات مشاعر الثقة بعودة التعافي إلى سوق الإصدارات العامة الأولية من جانب.

وتزايد الاعتماد على نظام بناء سجل أوامر الاكتتاب في تسعير الإصدارات من جانب آخر، وعليه، تبدو أوضاع سوق الاكتتابات العامة الأولية كما لو كانت على وشك التغيير، حيث أن الشركات الراسخة تُخطط لكي تصبح شركات عامة وسط وعي متزايد بأن الاكتتابات العامة الأولية تحقق قيمة مضافة وتعزز القدرة على مواجهة مشكلات تعاقب الأجيال في الشركات العائلية.

عودة التعافي

ورصد ماجد المسماري رئيس الحلول التمويلية في روثستشايلد عودة التعافي إلى أسواق المال في الإمارات على نحو يبشر بتزايد أعداد الاكتتابات العامة الأولية بقوله: هناك مؤشرات تدل على عودة التعافي إلى أسواق المال بشكل عام، ففي أسواق الدين مثلا، سجلت إصدارات العديد من جهات الإصدار نجاحا في استقطاب المستثمرين الدوليين ،وتجلي ذلك على وجه التحديد في السندات التي أصدرتها مؤخرا كل من حكومة وهيئة كهرباء ومياه دبي.

وبالتالي، يمثل نجاح هذه الإصدارات مؤشرا مهما على انفتاح شهية المستثمرين الدوليين على الإصدارات القادمة من إمارة دبي ،وتظهر أسعار السندات في السوق الثانوية وجود تحسنا بالنسبة لجهات الإصدار.

ومنها على سبيل المثال سندات شركة قطر للاتصالات كيوتل التي قامت بإدراج إصدارين، وهو ما سيكون له أثر إيجابي على تسريع وتيرة تعافي أسواق المال، حيث من المتوقع أن يكون الربع الأخير من العام الجاري أكثر إيجابية مقارنة بالفترات الماضية.

وتابع ماجد المسماري حديثه بقوله: من المتصور أن ما تحتاجه الأسواق اليوم هو رؤية شركة واحدة تقوم بطرح اكتتاب عام أولى أو ثانوي، وبالتأكيد، سيحذو حذوها الآخرون.

وإلى جانب الاهتمام المتجدد بالاكتتابات العامة الأولية، هناك تغييرات جارية في طريقة تسعير هذه الإصدارات، حيث كان الاتجاه السائد لسنوات في المنطقة هو تعويم الشركات، أي طرح أسهمها للجمهور عند سعر محدد.

ورغم ذلك، تشير التقديرات إلى أن عمليات بناء سجل أوامر الاكتتاب آخذة في الصعود، وفي هذا المجال، أفادت شركة ديلوجيك للبحوث ومقرها لندن أنه تم بناء سجلات أوامر اكتتاب لخمسين بالمائة من الاكتتابات العامة الأولية في السعودية في عام 2010، فيما تخطط شركة النورس، وهي مزود لخدمات الاتصالات بدولة عمان، لطرح أربعين بالمائة من أسهمها في اكتتاب عام أولى باستخدام نظام بناء سجل أوامر الاكتتاب، وهو الأول من نوعه في السوق العماني وقد يقوم بتجميع ما يصل إلى 234 مليون ريال عماني.

وعلق ماجد المسماري على تزايد الاعتماد على نظام بناء سجلات أوامر الاكتتاب بقوله: من المتصور أن بناء سجل الأوامر يعد خطوة ضرورية لابد منها، بالنظر إلى أنها تنطوي على الكثير من الإنصاف والعدل للشركات والمستثمرين على حد سواء، حيث أنها تعطي المستثمرين فرصة إبداء الرأي والتواصل مع الشركات، بخصوص تحديد القيمة العادلة لأسهم شركة معينة.

واعتبر ماجد المسماري أن السوق في وضعه الحالي يعد سوقا للمستثمرين، من زاوية أن أصحاب رؤوس الأموال هم الذين يتحكمون فيه ،ومن ثم ،فمن الخطأ وضع تسعير للإصدارات غير واقعي على نحو لا يتماشي مع توقعات المستثمرين، ومن ثم، يتعين على جهات الإصدار التي تعتزم دخول أسواق الأموال بغرض رفع رؤوس الأموال أن تتبع نهجا واقعيا فيما يتعلق بالتسعير.

مخاطر الطرح العام

وتجدر الإشارة إلى أن الشركات التي تم تعويمها (طرح أسهمها للجمهور) في منطقة الخليج كانت شركات في مراحلها المبكرة وليس لها سجل أرباح أو لها سجل أرباح محدود تسعى للاستفادة من السيولة الإقليمية الوفيرة، وقد كانت الاكتتابات العامة الأولية تجري على الدوام بسعر ثابت تحدده الجهة المُنظِّمة بتوصية من جهة الإصدار.

وشكل هذا الأمر احدي السمات المميزة لسوق كان آخذ في الصعود حتى بلغ حد الذروة في عام 2008، بيد أن أحد المحللين الذي طلب عدم ذكر اسمه يري أن مستثمري التجزئة يفضلون أسلوب طرح الأسهم للجمهور لكنه تنطوي فعلياً على مخاطر بالنسبة للمستثمرين.

ومن غير المرجح أن يكون لدى الشركات المتميزة التي أسستها مجموعات عائلية على مدار قرون الرغبة في الإدراج بالأسواق المالية على هذا النحو، وغالباً ما تؤدي المضاربة إلى الاكتتاب الزائد مما يترتب عليه حصول العديد من المستثمرين على مخصصات صغيرة لعدد محدود من الأسهم. والمحصلة النهائية هي تقييم العديد من الشركات دون قيمتها الحقيقية وانطوائها على مخاطر كامنة ووضعها مع مستثمرين أقل قدرة على تقييم المخاطر.

ويساعد الجمع بين علاقات المستثمرين والميل المتنامي تجاه بناء سجلات أوامر الاكتتاب في الاكتتابات العامة الأولية على الحد من المخاوف بشأن معايير حوكمة الشركات.

وتلك نقطة يقول عنها فرح فستق، المدير التنفيذي لشركة إنج إنفيستمنت مانيجمنت بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إنها سوف تعود في النهاية بالفائدة على المنطقة، حيث أن جعل الاكتتابات العامة الأولية متوافقة مع المعايير الدولية يعد أمراً حتمياً لجذب رأس المال الأجنبي، وتمثل في الوقت ذاته خطوة تنظيمية إلى الأمام لجعل الأسواق الإقليمية أكثر مواتاة للاستثمار من قبل مُدراء الأموال الدوليين.

وعلي نفس المنوال، أختتم ماجد المسماري حديثه بالمطالبة بأن يكون نظام بناء سجل أوامر الاكتتاب بمثابة مطلبا تشريعيا وتنظيميا لأي عملية إدراج لإصدارات في الإمارات.

دبي ـ مجدي عبيد