قوله تعالى: «وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين. الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين»..!
هذه كلمات نورانية حبيبة ناعمة تتسلل إلى سويداء القلوب، تتحدث عن مقام المتقين وصفاتهم وأخلاقهم وسلوكهم، ومن بين سلوكهم، كظم الغيظ والعفو عن الناس، وهذا خلق لا يستطيعه ولا يبلغه سوى الأكياس من الناس، ذوي العزائم الكبرى الذين يملكون أنفسهم عند الغضب، ولا يسمحون للشيطان باستفزاز حفائظهم واللعب على أوتار النفوس..!
وإذا كان هذا هو سلوك المتقين، فهو أيضاً سلوك أهل الصوم الصحيح، حيث يقول رب العزة «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون»، لأن الصوم الصحيح يغرس التقوى في قلب الإنسان بكل أوصافها وسلوك أصحابها، وقد ثبت في صحاح كتب أهل السنة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصوم من اللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك، فلتقل: إني صائم، إني صائم»..
وهكذا يعلمنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن الصوم يلزم الصائم ويحبذ له عدم إجابة الجاهل عليه، الشاتم له، المؤذي له بالقول أو بالفعل، بما يماثل جهله وعدوانه، ما دام تحت مظلة عبادة الصوم، وإنما فقط عليه أن يذكر نفسه، ويذكر المعتدى عليه، بما هو فيه من عبادة راقية تمنعه من مجاوبة الجاهل، هذه العبادة الراقية هي الصوم، وإنك لتعجب لحرص النبي صلى الله عليه وسلم على صحة الصوم ونشر أخلاقه وصفاته، وذلك حين يقول: «فإن سابك أحد أو جهل عليك، فلتقل: إني صائم، إني صائم».. أي لست خالياً من أمري حتى أجيبك..!
وقد رصد الإسلام لمثل هذا جزاءه المبهر على سلوكه العظيم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كظم غيظاً وهو يستطيع إنفاذه، ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً» وفي رواية: «دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيره من الحوار العين ما شاء».. أو قوله: «ما من جريمة يتجرعها الإنسان، أعظم من جريمة غيظ في الله عز وجل».. وفي حديث آخر: «إذا جمع الله الخلائق نادى منادٍ.. أين أهل الفضل؟ فيقوم ناس وهم يسير.. فينطلقون سراعاً إلى الجنة.. فتتلقاهم الملائكة فيقولون: إنا نراكم سراعاً إلى الجنة فمن أنتم؟!
فيقولون: نحن أهل الفضل. فيقولون: وما فضلكم؟ فيقولون: كنا إذا ظلمنا صبرنا وإذا أسيء إلينا حلمنا، فيقولون: أدخلوا الجنة، فنعم أجر العاملين..». وإذا كان هذا ثمن الصبر على الأذى، فلا شك أن شجرة الصبر يرويها الصوم، وإذا كان من ثمرات هذه الشجرة الحلم عن المسيء المؤذي، فربما يعود المسيء إلى صوابه، ويسعد المجتمع بنشر سلوك العفو والتسامح وكظم الغيظ في شهر رمضان وبعد شهر رمضان.
بقلم ـ علي عيد