قال الشيخ: لشيخ الإسلام ابن تيمية كلام لطيف عن القلب: قيل إن العقل في الدماغ ونقل ذلك عن الإمام أحمد، ويقول طائفة من أصحابه: أصل العقل في القلب، فإذا كمل انتهى إلى الدماغ، ومبدأ الإرادة في القلب، والعقل يراد به العلم ويراد به العمل، فالعلم والعمل الاختياري أصله الإرادة، وأصل الإرادة القلب، والمريد لا يكون مريدا إلا بعد تصور المراد، فلا بد أن يكون القلب متصورا فيكون منه هذا وذاك (مجموع الفتاوى 9/303).

ولا شك أن هناك صلة لطيفة بين الدماغ والقلب في الصدر ينشأ عنها ما نسميه بالقلب أو العقل الذي يدرك ويفقه ويتزكى ويريد، ولما كان مدار الحساب إنما هو حول الإرادة (النية والقصد) حيث ييسر بعد النية العمل أو لا ييسر فان نسبة الإرادة إلى القلب هي الأولى مع الاعتبار بأن الإرادة تستوجب التصور والعلم وهما من وظائف الدماغ.

فالأصل إذن العلم والمعرفة، وليس المقام مقام عرض الحقائق وفرد المعارف، إلا أنه لا بد من القول إن الدليل والبرهان في معرفة الله حلا مكان المشاهدة والعيان، وان كان أصحاب الأذواق يقولون كيف يستدل عليه بغيره ولا وجود لغيره إلا به، فالأصل أنه تعالى ظاهر للروح والقلب باطن لا يرى للحواس، فمن لم يقدر على شهوده في روحه استدل على وجوده بآياته في كونه ومخلوقاته.

ومعرفته سبحانه وتعالى لا يمكن أن توصل إلى ذاته العلية، إنما هي معرفة صفاته وأسمائه وأفعاله كما أخبر عن نفسه مع الاعتراف بالقصور عن معرفة حقائق هذه المعاني والإحاطة بها، ومع العجز والقصور لا بد من التأدب مع الحق سبحانه وتعالى فلا يوصف ولا يضاف إلا لما وصف به نفسه أو أضافه إليه، ولا يسمح للخيال بأن يجنح في التخيل،لأن كل ما يمر ببالك فالحق بخلاف ذلك.

فالأصل إذن هو التنزيه والتقديس، ولجم العقل والخيال والاكتفاء بما تعرف به سبحانه وتعالى لخلقه، والتنزيه فيه معنى النفي مما قد يورث وحشة في بداية الطريق، إلى أن يرزق العبد الذوق في قلبه فتصبح معرفته ذوقية مؤنسة له، بل لعله لا يأنس بعدها إلا بمولاه.

فان سألت عن معنى المعرفة الذوقية قلت لك: هنا تتعطل لغة الكلام فليس من شأن هذا الأخير أن يعبر عما تتذوقه الأرواح، وأما أنا ضارب لك أمثلة تحوم حول المعاني ولا تلامسها، أرأيت إلى انشراح الصدر، والتعلق والمحبة والأنس، والإجلال والهيبة والتعظيم، أرأيت إلى استصغار الدنيا بما فيها وعدم الاهتمام بهمومها وتسليم الأمر للقادر على كل شيء، أرأيت إلى معاني الخشوع والخوف والفرح وهي تتالى عليك وأنت تقرأ القرآن الكريم معتقدا أنك إنما تناجي رب السموات والأرض، أرأيت إلى الإحساس بالنقاء والنظافة والطهارة داخلا وخارجا، أرأيت إلى حال تكون فيها خفيفا كأنك تسبح فوق الأرض.

أرأيت إلى معاني الامتنان والشكر والسعادة وهي تفيض من قلبك وتنعكس على جوارحك حتى تكاد ترقص طربا، أرأيت إلى أن يزول كل ما في الكون في لحظة ولا يبقى إلا أنت ومكون الأكوان، أرأيت إلى انعدام الزمان والمكان واليوم والأمس والغد والقبل والبعد والعيش في لحظة قرب وأنس تعادل العمر وأضعافه مثله.

إن المعرفة الحقة لا يحيط بها كلام ولا يمكن نقلها باللسان، حتى قيل كاد الكلام أن يكون حجابا، وقد يستثنى من ذلك القرآن العظيم والحديث النبوي الشريف اللذان يطرقان القلب بنفس مادة كلام الإنسان ولكنهما لكونهما وحيا يملآن القلب بمعرفة ذوقية خاصة لمن علم المحكم وآمن بالمتشابه وخص في العناية الإلهية بالسابقة الأزلية بنور يملأ قلبه.

فأول وظيفة من وظائف القلب هي المعرفة المنضبطة بما سبق من حدود تتبعها المعرفة الذوقية التي يمن بها الله على بعض عبيده من الصادقين المخلصين الذين يتخذون أسبابا لهذه المعرفة الذوقية كصيانة الجوارح من الآثام والحياء من الله تعالى على الدوام والصلاة في الليل والناس نيام وقلة الاختلاط بالناس واختزال الكلام.

فالبصيرة عين الروح على عوالم الملأ الأعلى لا يحرمها إلا شقي، وفيها سعادة الدنيا قبل الآخرة، أما من اكتفى بالحس والبصر فلا يزيد عن البهائم إلا بأنه سيكون مسؤولا عن تفريطه يوم القيامة.

ماهر سقا أميني