«كل من يعتقد بأن الإيجارات ستتراجع خلال الفترة المقبلة فهو على خطأ وأحلامه وردية»... تلك الكلمات «المحبطة» تراقصت على لسان أحد المسؤولين في لجنة الإيجارات ببلدية دبي في أيام الطفرة العقارية. كان الرجل يجيبني مزهواً عن سؤالي له حول موعد يتوقع فيه تراجع الإيجارات عن التهام أكثر من 40% من مداخيل الأسر، وتوقف صعودها المجنون عن التسبب في تضخم الاقتصاد وأرق القائمين عليه...!
الأحلام الوردية ... لكن يبدو أن «الأحلام الوردية تتحقق أيضاً»، لاسيما عندما «تعود الأمور إلى طبيعتها»، حتى بات المستأجرون أكثر «دلعا» عام 2010 مما كانوا عليه من الحسرة عام 2007، فهم اليوم أصحاب اليد الطولى والكلمة الفصل في السوق وباتت طلبات البعض منهم تجنح الى غير المعقول بسبب التحول الهائل في خارطة العرض والطلب، وتحديداً بعدما بدأت عقارات الحكومة تدخل معلنة نهاية حقبة من الجشع في القطاع الخاص، وبدا وكأنها تحقن سوق الإيجارات بجرعات إضافية نوعية من التصحيح السعري.
ثمة سؤال منطقي قد يلتمع في الأذهان مفاده: «لماذا لم تتدخل الحكومة بعقاراتها لكبح جماح الأسعار في السوق ونزع فتيل جشع المؤجرين عندما تراوحت زيادات الإيجارات ما بين 100% و300% مابين أعوام 2002 و2007 ؟
سيأتي الجواب شفافاً على محورين، الأول: هو أن عقارات الحكومة كانت ما تزال قيد الإنشاء في تلك الفترة، وعندما جرى إنجاز أغلبها العام الجاري دخلت الخدمة مباشرة، اما المحور الثاني فهو أن الحكومة لم تبخل في التدخل منذ عام 2006 وحتى 2009 لتحديد السقف الأعلى المسموح به لزيادة القيمة الإيجارية. وكان قراراً صائباً عدم تدخلها لتحديد القيمة حماية لمفاهيم السوق المفتوحة التي تتبناها الدولة من التعرض الى الضرر.
تعليق آخر
ثمة تعليق قد يجول في عقول المشككين مع ابتسامة خبيثة «لأن قيمة إيجارات العقارات تراجعت بسبب الأزمة المالية العالمية وليس لسبب آخر»..! سنجد أصداء لهذا التصور الذي أنجبته عقول محدودة التفكير والتأمل، لأن القيمة الإيجارية - وحتى أسعار البيع- كان لابد لها أن تتراجع، سواء أكانت الأزمة المالية العالمية حاصلة أو لم تحصل. وكان لابد للتصحيح السعري أن يحدث، سواء انهار سوق الرهن العقاري الأميركي أم نجا بأعجوبة.
فالمراقب الذكي والمتابع الفطن لا يجهلان بأن الطفرة العقارية الثانية انطلقت عام 2002 وتحولت إلى «ثورة عقارية» عام 2006، لذا كان من الطبيعي أن يبدأ إنجاز المشاريع عام 2008 وما يليها، لتبدأ الوحدات السكنية بالتدفق فيتوازن العرض والطلب معلناً انطلاق مسيرة تصحيح تنفع الجميع ولا تضر أحداً. إذاً عام التصحيح السعري كان 2008؛ أي العام ذاته الذي ولدت فيه الأزمة المالية العالمية.
نصيحة
لكن «دلع» المستأجرين قد لا يستمر طويلاً - ربما تتغير الصورة بحلول عام 2014 - صحيح أن الحقائق على الأرض ومعطيات السوق في الوقت الراهن تؤكدان أن دخول عقارات الحكومة المدروس والمنظم إنما يرمي إلى بروز قاطرة مكاسب لعل أبرز عرباتها، رفع جاذبية الإمارة ودعم ميزانيات الأسر وخفض التضخم، وهو ما يجب أن تستثمره العائلات.
فمواصلة الأسعار مضيها قدماً في تصحيح القيمة الإيجارية لا يعني استمرارها إلى ما لا نهاية في الهبوط، لذا يجب أن يتحلى المستأجر بالحذر عند رفع شعار «لننتظر حدوث المزيد من انخفاض الإيجارات بسبب زيادة المعروض». فالطمع بالمزيد من التدني لقيمة الإيجارات قد يشبه إلى حد كبير طمع المؤجرين بالمزيد من رفعها أيام زيادة الطلب. من الأفضل ألا يتبادل المستأجر والمؤجر مقعد الجشع لأنه يضر بمن يجلس عليه نهاية المطاف.
الحكومة تدخل بقوة
كان سلطان بطي بن مجرن مدير عام اراضي وأملاك دبي رئيس مجلس إدارة مؤسسة دبي العقارية، أكثر المتفائلين بعودة الاستقرار إلى سوق الإيجارات خلال عام 2009، ووعد في 2008 بإجراءات تعجل الاستقرار في السوق، وهو ما حصل فعلاً، فقد عدلت دبي العلاقة بين مؤجري ومستأجري العقارات في الإمارة بالقانون رقم 23 لسنة 2008، فلم يعد المؤجر قادراً على التحكم بمصير العباد وفقاً لأهوائه فيخلي العقار متى شاء أو يرفض تأجيره متى أحب. يمكن الاطمئنان إلى أن دبي وفرت عبر ذلك التشريع مظلة قوية تحمي حقوق جميع الأطراف. إلا أن دعم المستأجر لم يتوقف عند التشريعات التي تهيئ لسوق مستقر . الحاجة تتنامى إلى دعم من نوع آخر .
ولذلك دخلت فيلاوصللالا وهي مجموعة إدارة أصول المملوكة لمؤسسة دبي العقارية وسبقتها مجموعة دبي للعقارات التابعة لدبي القابضة إلى سوق الإيجارات بمئات الفيلل والشقق السكنية المتنوعة، وبأسعار تبدأ من 40 ألف درهم وتنتهي عند 75 ألف درهم، (كانت تتراوح ما بين 120 ألف درهم و200 ألف درهم سابقاً).
يمكن ملاحظة الفارق السعري ما قبل وبعد تدخل الحكومة، ويبدو جلياً بأن الأسعار التي تعرضها وصل ودبي للعقارات بريئة تماماً من فايروسات الجشع. وذلك ليس غريباً لأن الحكومة لا تسعى - قطعاً- الى تحقيق أرباح من وراء عقاراتها وعلى حساب أبنائها والمقيمين في أرضها بقدر ما تسعى إلى توفير حياة حرة كريمة لهم.
تأثيرات متوقعة
سيكون من المهم ألا نستعجل تأثيرات سريعة وقوية في سوق الإيجارات على يد العقارات الحكومية، فهناك مئات الذين قرروا الانتقال الى تلك العقارات لكنهم يفضلون استكمال عقود إيجاراتهم الحالية والتي عادة ما تنتهي بنهاية العام. هذا يعني بأن الآثار الواضحة ستظهر بداية العام المقبل وهو ليس ببعيد.
نتوقع أن يثمر دخول مئات العقارت الحكومية أو التي تديرها مؤسسات حكومية عن سلة مكاسب ربما سيكون أبرزها:
دعم متزايد للعائلات بأسعار تنافسية عادلة.
كبح جماح المؤجرين ومنعهم من الالتفاف على حركة التصحيح.
زيادة جاذبية السكن والعيش والعمل في الإمارة.
قطع الطريق أمام التضخم.
تمكين العائلات من تحقيق الوفورات المالية عبر الجمع بين مكان العمل والسكن في منطقة واحدة.
خفض الزحام وتخفيف الضغط على شبكة المواصلات.
خفض عدد المنازعات التي قد تنشب بين المؤجر والمستأجر.
حفز الطلب على المزيد من الخدمات وزيادة نمو الاقتصاد.
اغتنام الفرصة
ويغتنم العديد من المستأجرين فرصة التصحيح السعري لتغيير عقاراتهم المؤجرة إلى مساحات أكبر بقيمة أقل، أو شراء عقارات بأسعار منافسة، دون الحاجة إلى قروض عقارية أو تمويل مصرفي. وسيتوجب على مؤسسات التمويل عدم هدر الوقت في مراقبة السوق والتعجيل في التحرك لمواكبة متطلبات المستأجرين والمشترين بمرونة أكبر.
لا سيما وأن البنوك تقر بوجود صفقات عقارية يجري إبرامها من دون تمويل مصرفي، ما يفوت على تلك المؤسسات فرصة تعظيم أرباحها. وبينما تتفاوت مؤشرات العرض والطلب في أسواق إيجارات في عموم مدن الدولة، إلا أن أسواق دبي وابوظبي والشارقة وعجمان تحديداً تشهد حالياً دخول عشرات المباني إلى السوق.
ويتراوح عدد الوحدات السكنية التي دخلت وستدخل سوق دبي لوحدها خلال 2008 لغاية 2010 نحو 100 ألف وحدة طبقا لبيانات أعلنت عنها أخيراً مؤسسة التنظيم العقاري الذراع التنظيمية لدائرة أراضي وأملاك دبي.
وتراجعت تكاليف المعيشة والعمل في الدولة عموماً خلال العام الماضي نتيجة للتراجع في أسعار العقارات بنحو 40%، بحسب تقرير شركة كيرشو ليونارد. في ما قالت شركة كلاتونز إن اليد العليا باتت للمؤجر في سوق الإيجارات والتملك الحر.
ونوه التقرير بوجود تراجع في تكاليف السكن والتعليم والرعاية الصحية وتكاليف خدمات المسكن من كهرباء وماء وغيرها من الخدمات، إلا أن تلك التكاليف تظل في مستويات مرتفعة ما يجعل من أبوظبي ودبي بين أكثر الأماكن كلفة للعيش في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بحسب التقرير.
ويقول هاينز: الاثنا عشر شهراً الماضية كانت دليلاً كبيراً على مدى السرعة التي يمكن أن تتغير بها المؤشرات والاتجاهات. ولفت إلى أن تقرير تكاليف المعيشة في دولة الإمارات يستند إلى معلومات مقارنة تمتد لسبع سنوات والتي على أساسها يمكن عمل المقارنات وبناء التوقعات، بالإضافة إلى ذلك يقدم التقرير ملاحظات ومعلومات تفصيلية ودقائق من مصادر كبيرة ورائدة في مجالات الصناعة.
وقالت الرئيسة التنفيذية لشركة أستيكو إيلين جونز: «شهد القطاع العقاري في الآونة الأخيرة توجهاً جديداً تمثل في التركيز على تعظيم عوائد الإيجار وزيادة رأس المال على المدى الطويل بدلاً من أرباح البيع السريعة، والاعتماد على الإدارة الدقيقة للعقار لتحقيق النجاح».
مزيد من التصحيح
أجمع مراقبون ومديرو شركات استشارات ووساطة عقارية على أن «الإيجارات تسببت في وقت سابق في فقدان نسبة كبيرة من المستأجرين المقدرة على التوفيق بين متطلبات السكن وباقي النفقات المتصلة بالمعيشة. ولجأ الكثير من أصحاب العوائل إلى ترحيل أسرهم للتخفيف من المصرفات التي أفقدت قوتهم الشرائية تأثيرها الإيجابي في حياتهم اليومية وجدوى الأعمال التي يزاولونها».
لكن الصورة التي بدأت تتضح معالمها خلال العام الجاري تؤكد انقلاب الصورة - مع تنامي الطلب على الإيجارات وتحديداً من قبل العوائل المتوسطة والكبيرة- فقد مهدت زيادة المعروض في كم ونوع الوحدات السكنية الطريق أمام تصحيح سعري شمل القيمة الإيجارية وأسعار البيع، إلى جانب تصحيح العلاقة ما بين أطراف العلاقة بعدما شهدت تجاذبات منها ما تبخر بالتوفيق والتصالح، ومنها ما ذهب الى المحاكم تحت عنوان «المنازعات الإيجارية».
ما الذي يحدث؟
يتابع المراقبون الآن وباهتمام بالغ التحرك اللافت والفاعل من المؤجرين للاحتفاظ بالمستأجرين في إطار عملية تصحيح تتصاعد على محورين؛ الأول يتعلق بتراجع طبيعي للأسعار، والثاني يرسم علاقة صحية وموضوعية بين المستأجر والمؤجر الذي كان حتى وقت قريب الطرف الأقوى الذي يملي القيمة الايجارية بعيداً عن معطيات العرض والطلب في سوق الإيجارات في الإمارات عموما ودبي على نحو خاص. وتلقى مبادرات ملاك العقارات للمستأجرين ترحيباً في السوق، وتولد قناعة بأنها ستساعد المستأجرين على ترتيب أوضاعهم بطريقة أكثر استقرارا من ذي قبل.
إحدى مبادرات الملاك المؤجرين توجههم لتحصيل إيجاراتهم عبر 12 دفعة بدلاً من 4 دفعات، أو التعاقد على الإجارة المنتهية بالتملك ما سيمنح سوق الإيجارات وعقارات التملك الحر المزيد من الجاذبية ويحقق المزيد من الاستقرار في سوق العمل.
أما المميزات التي كانت سبباً في رفع الإيجارات قبل أعوام فقد تحولت الآن إلى عناصر جذب للمستأجرين، وبات المؤجر يغري المستأجر بقرب العقار من المطار ومن مراكز التسوق والمدارس، ولا يتركه قبل أن يوقع معه عقداً يمتد لعامين بقيمة إيجارية ثابتة لكنها متهاودة.
وعدل العديد من الملاك عن مطالبة المستأجرين بما يعرف بإيجار المثل بسبب تراجع القيمة الايجارية في مناطقهم في إطار عملية تصحيح على خلفية رجحان كفة العرض على الطلب، ما يجعل الإبقاء على قيمة العقود الحالية أو زيادتها بنسب قليلة في متناول المستأجر أفضل بكثير من بقاء الوحدة السكنية شاغرة.
تحليل - مشرق علي حيدر

