تحتفل طيران الإمارات اليوم بالذكرى الـ25 على انطلاقها كناقلة جسدت رؤية القيادة في تأسيس شركة طيران بأعلى المعايير لتصبح اليوم ناقلة عالمية وواحدة من كبرى شركات الطيران في العالم.

ويأتي احتفال الناقلة بيوبيلها الفضي وهي اكثر عزما على مواصلة التميز والتفرد الذي حققته طوال السنوات الخمس والعشرين الماضية مرتكزة في ذلك على مواصلة تحقيق الارباح منذ العام الثاني للتأسيس والسمعة العالمية التي اكتسبتها بفضل شبكتها العالمية التي تمتد على قارات العالم الخمس وجودة خدماتها والابتكار الذي جعل منها واحدة من اسرع شركات الطيران نموا وربحية في العالم.ويعكس نجاح طيران الامارات رؤية صاحب السمو المغفور له باذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي آنذاك الذي وجه بانشاء شركة طيران تكون قادرة على تلبية احتياجات امارة دبي التي كانت تشهد نموا اقتصاديا متسارعا خصوصا ان دبي انتهجت سياسة السماوات المفتوحة ووضعت دبي على خارطة صناعة الطيران العالمية.وبمتابعة حثيثة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي نمت طيران الإمارات بخطوات متسارعة مستفيدة من النمو الكبير الذي حققه اقتصاد دبي والامارات عموما كما ساهمت الناقلة في تعزيز الحركة السياحة والتجارية من والى دبي التي اصبحت مركزا اقليميا لكبريات الشركات العالمية.

:خط منفرد:ومنذ نشأتها وضعت طيران الامارات لنفسها خطا واضحا محددا بعيدا عن الخط التقليدي الذي سلكته شركات الطيران التقليدية كان عنوانه الجودة العالية في الخدمات والمنتجات التي تقدمها مستلهمة من اقوال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد طريقا للنمو والتميز «النجاح ليس فقط في ان تسير شركة طيران ولكن في ان تقدم اعلى مستوى من العناية والخدمة للركاب».وعلى هذا الدرب سارت وحلقت طيران الإمارات دون أي مساومة على معيار الجودة كما ان امتلاكها لاسطول حديث من الطائرات وفريق اداري برئاسة سمو الشيخ احمد بن سعيد آل مكتوم الرئيس الاعلى لمجموعة طيران الامارات مكنها من مواجهة مختلف التحديات التي مرت على المنطقة عموما وصناعة الطيران المدني بوجه خاص.:رؤية قيادة وطموح إمارة:كانت دبي تمتلك رؤية وطموحات محددة للامارة تتمثل في تأسيس شركة طيران تكون قادرة على مواكبة نمو الامارة نفسها والتي بدأت تجذب الشركات العالمية بما فيها شركات الطيران بفضل تبنيها لسياسة السماوات المفتوحة وأدركت ان مستقبلها يكمن في تحويلها الى مركز تجاري واقتصادي واعد واستقطاب كبرى الشركات التجارية.وتأسيس مراكز اعمال لها مستفيدة من موقع استراتيجي لا يبعد سوى 4 ساعات طيران عن 5 .1 مليار شخص كما انها تتوسط اكبر المراكز التجارية في العالم.وهذه كانت رؤية محمد بن راشد التي ورثها عن ابيه المغفور له باذن الله الشيخ راشد بن سعيد.

لم تساور الشكوك الشيخ راشد في ان تحويل دبي الى مركز تجاري ووجهة سياحية لا يمكن ان يتم دون وجود حركة طيران نشطة وفاعلة تسندها بنية تحتية متطورة من مراكز تسوق كبيرة وفنادق حديثة تجذب السائح سواء سياحة الاعمال او الرفاهية.

ويرتكز جزء كبير من هذه الاهداف على مطار دبي الدولي الذي سيكون المحرك لهذه النهضة وكان افتتح المطار في 30 سبتمبر من العام 1960 مواجها تحديات كثيرة قبل ان تتحول رؤية راشد الى حقيقة على ارض الواقع وتهبط طائرة دوغلاس داكوتا دي سي 3 التابعة لشركة الخليج للطيران التي اصبحت فيما بعد طيران الخليج وتبعتها طائرة للخطوط الكويتية ثم البريطانية لكن الاهم في هذه الرؤية كان تبني دبي سياسة الاجواء المفتوحة التي آتت اكلها وتوالى نمو اعداد شركات الطيران التي تعمل من دبي لتصل الى 42 شركة في عام 1984 وبمعدل 150 طائرة اسبوعيا تقلع من دبي واعداد مسافرين تصل الى 500 الف مسافر.

وبعد هذه الخطوة كان طموح دبي ان تمتلك شركة طيران خاصة بها تمكنها من نشر اجنحتها في المنطقة والعالم مع تسارع نمو الامارة التي كانت اكبر مركز مربح لعمليات طيران الخليج.

وبدأت دبي تطالب طيران الخليج بالمزيد من الرحلات والمقاعد لتلبية الاحتياجات المتزايدة لحركة المسافرين المتصاعدة. ثم اعلنت طيران الخليج عن تقليص سعة عملياتها في دبي الامر الذي اقلق الامارة كثيرا من تاثيرات هذه الخطوة في الاقتصاد المتسارع.

استدعاء مفاجئ

رد دبي على هذه الخطوة لم يتأخر كثيرا ذلك انه وفي اواخر عام 1984 تم استدعاء موريس فلانجان الذي كان رئيسا لدناتا وطلب منه بشكل مفاجئ المباشرة في البدء باجراءات تأسيس شركة طيران.

وكما يقول فلانجان فانه قدم اقتراحاته للشيخ محمد ومن ضمنها تأسيس شركة طيران جديدة وهي خطوة كانت ثورية وغير متوقعة من قبل دبي ذلك ان سمو الشيخ راشد واولاده ومستشاروه كانوا يفكرون في هذا الوقت خارج الصندوق في سباقهم نحو تلبية احتياجات الامارة الناشئة وسرعة نمو اقتصادها المنطلق بسرعة وكانوا يدركون انهم بحاجة الى حل من نوع آخر قد لا ينفع معه حتى لو استجابت طيران الخليج لتلك المتطلبات.

ويتذكر فلانجان تلك المكالمة الهاتفية التي جاءته اثناء وجوده في فندق انتركونتننتال في اواخر عام 1984 وكان على الخط وزير دفاع الامارات آنذاك صاحب السمو الشيخ محمد وحتى اليوم لا يعرف فلانجان كيف استدل صاحب السمو الشيخ محمد على مكانه عندما فاجأه الشيخ مباشرة بقوله «ماذا تقول عن التاريخ الافضل لانطلاق شركة الطيران؟» .

وكان سبق ذلك مشاورات مكثفة بين مسشاري الشيخ والفريق الذي تم تشكيله برئاسة فلانجان الذي اجاب «جدول رحلات الربيع سمو الشيخ» وانتهت المكالمة.

وتلا هذه المكالمة كثير من المشاورات والمناقشات التي جرت خلف الكواليس بحيث تم تشكيل الادارة التي سيناط بها تشغيل الناقلة وهي من سمو الشيخ احمد بن سعيد الذي سيكون رئيسا وموريس فلانجان نائب الرئيس التنفيذي ثم تيم كلارك الذي انضم بعد ذلك رئيسا للشركة ومحمد الخاجة نائب الرئيس للامن وبيتر هيل الذي عين فيما بعد رئيسا تنفيذيا للخطوط السيرلانكية.

10 ملايين دولار لا غير

بعد ذلك التاريخ بأسبوعين تم استدعاء فلانجان من مكتبه في دناتا على وجه السرعة الى قصر زعبيل للاجتماع مع صاحب السمو الشيخ محمد وكبار مستشاريه وكان من بينهم شاب في منتصف العشرينات من العمر وهو سمو الشيخ احمد بن سعيد.

ثم دخل صاحب السمو الشيخ محمد مباشرة في الموضوع ووجه كلامه الى فلانجان «كم تحتاج لاطلاق شركة طيران؟» وكان الجواب: «10 ملايين دولار سمو الشيخ». وبعد ذلك باسبوع تم استدعاء فلانجان لاجتماع آخر وتسليمه شيكا ب10 ملايين دولار فقط لا غير وهذا يعني ان لديه مع فريقه 5 شهور لاطلاق الشركة الجديدة.

ولم يتأخر فلانجان حيث دعا الى اجتماع عاجل مع فريقه لان الوقت يداهم الجميع وعقارب الساعة تدق، وكان مقر العمل احدى الغرف في دناتا وكانت مزودة بتجهيزات امنية عالية لضمان السرية في العمل وهو عامل حاسم كان لا يدخلها الا عدد محدود جدا من الاشخاص لتجنب فضول المنافسين كما يقول فلانجان.

وجاءت تعليمات محمد بن راشد الى فلانجان وفريقه واضحة في نقطتين اولاهما: لن يكون هناك انصاف حلول بل اعلى معايير الجودة وثانيتهما: لا تعد إلي مطالبا بمزيد من النقود ابدا. وهذا يعني تحديات اضافية ليس فقط في اطلاق شركة طيران بوقت محدد بل ايضا بمعايير جودة عالية وبميزانية محدودة ايضا.

هذا يعني طموحا بان تكون الناقلة الافضل في الشرق الاوسط من خلال تطوير منتجات مبتكرة. ومع وجود هذا المبلغ المتواضع فان شراء طائرات جديدة مستحيل وبالتالي كان الاتجاه نحو خيار التأجير وبالتحديد تأجير طائرتين والتركيز انصب على طائرات مثل بوينغ 737 ب150 مقعدا وطيران 4 ساعات أي انها ملائمة للوجهات الخليجية.

ومع تعذر التأجير من الخطوط الأوروبية كان لفلانجان علاقات جيدة مع الخطوط الباكستانية وبالذات مع مدير عملياتها في دبي وكل هذه الحركات كانت تتم في غاية السرية ويعلم بها فقط عدد محدود من الاشخاص.

التقى صاحب السمو الشيخ محمد مع وقار عظيم مدير عام الشركة الباكستانية ومع العلاقة الدافئة التي كانت تربط كلا البلدين، وعاد الرجل الى باكستان واجتمع مع رئيس الدولة آنذاك وهو الجنرال ضياء الحق الذي اكد دعمه التام لخطوة دبي.

وتم بسرعة تعيين إحدى شركات التصميم العالمية بعقد بلغ 100 الف دولار لانجاز اعمال التصميم الخاصة بالناقلة الجديدة ومنها شعار الشركة وكيفية وضعه على الطائرات والألوان الخاصة بالشعار وغيرها، وللحصول على موافقة رئيس الدولة آنذاك الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله سافر صاحب السمو الشيخ محمد للاجتماع مع الشيخ زايد.

واستطاع سموه اقناع المغفور له الشيخ زايد بالخطوة الجديدة وان تصبح الناقلة ناقلة دولية للامارات وهو قرار مهد لإطلاق طيران الامارات.

وبعد ذلك بدأت أجواء الارتياح على فلانجان وفريقه بهذا التقدم وتم الاتفاق بين دبي والخطوط الجوية الباكستانية على استئجار طائرتين من طراز بوينغ 800-737 وايرباص 300 بي 4 وهما ملائمتان للاسواق القريبة ومنطقة الخليج ولم يتبق سوى انطلاق الشركة وتحليقها في الأجواء حيث تسارعت الاستعدادات .

بما فيها عمليات التصميم لشعار الناقلة والتصميمات الداخلية التي قدمت لصاحب السمو الشيخ محمد ووافق عليها، وبدأت ساعة الحقيقة تدور استعدادا لانطلاق الرحلة الاولى للناقلة.

دراسات التشغيل

تم اعداد الدراسات الاقتصادية اللازمة لعمليات التشغيل من قبل شركة ديلوييت وتوتش وانصب الفريق على اختيار اسم الناقلة والذي كان يتراوح بين طيران دبي وطيران الامارات واختار سموه بعد ذلك طيران الامارات دون تردد.

ومع حلول شهر ديسمبر من العام 1984 كان لدى دبي خطة عمل واضحة وهي اطلاق شركة طيران خاصة بها ترتكز على عمل شركة دناتا التي كانت تعمل في دبي منذ سنين طويلة وكان يترأسها فلانجان وتخدم اكثر من 25 شركة طيران وتضم خبراء وفنيين يمكنهم التعامل مع مستجدات الشركة الجديدة.

وفي ذلك الوقت لم يتوقع احد بما فيهم شركات الطيران العاملة ان تقوم دبي باطلاق شركة طيران وحدها لانه امر شائك ومليء بالتحديات كما انه خطوة لا تخلو من المخاطرة وبدأ الفريق رحلته في سباق مع الزمن لانجاز المهمة في وقتها المحدد.

في مارس من عام 1985 دخل مطار دبي الدولي مرحلة حساسة من تاريخه حيث تراجعت الحركة فيه مع تخفيض طيران الخليج رحلاتها من 84 رحلة اسبوعيا الى 39 رحلة وذهبت هذه الرحلات الى مطارات بديلة مثل الشارقة وابوظبي رغم ان شركات الطيران كانت حريصة على الحصول على حقوق طيران في مطار دبي الذي كان يشهد عمليات نمو واسعة بفضل سياسة الاجواء المفتوحة التي انتهجتها الامارة.

دبي ـ علي الصمادي