ذكر تقرير صادر عن صندوق النقدي الدولي إن التعافي الاقتصادي يمضي في مساره المتوقع بشكل عام، لكن مخاطر التطورات السلبية كبيرة أيضا. فهناك إجراءات تصحيحية كبيرة لا يزال يتعين اتخاذها في معظم الاقتصادات المتقدمة وفي بضعة اقتصادات صاعدة، حيث يسير التعافي بخطى بطيئة وتفرض البطالة المرتفعة تحديات كبرى على المستوى الاجتماعي.

وفي المقابل، بدأ النمو يعود بقوة في كثير من الاقتصادات الصاعدة والنامية، نظرا لأن هذه الاقتصادات لم تشهد تجاوزات مالية ملموسة قبيل فترة «الركود الكبير».

ويتوقف التعافي القوي والمستمر على نوعين من الإجراءات لإعادة التوازن: الأول هو إعادة التوازن الداخلي، من خلال تعزيز الطلب الخاص في الاقتصادات المتقدمة، مما يتيح الفرصة لضبط الأوضاع المالية العامة؛ والثاني إعادة التوازن الخارجي، بزيادة الصادرات الصافية في البلدان التي تسجل عجزا ماليا، كالولايات المتحدة، وتخفيض الصادرات الصافية في البلدان التي تحقق فوائض، ومن أبرزها بلدان آسيا الصاعدة.

وهناك عدة أوجه يتضح فيها التفاعل بين هذين النوعين من الإجراءات. فزيادة الصادرات الصافية في الاقتصادات الصاعدة تعني زيادة الطلب وارتفاع النمو، مما يتيح الفرصة لضبط الأوضاع المالية العامة.

أما تحسن الطلب المحلي فيساهم في تمكين اقتصادات الأسواق الصاعدة من الحفاظ على النمو في مواجهة انخفاض الصادرات. ويقتضي الأمر عددا من السياسات لدعم إجراءات إعادة التوازن المذكورة. ففي الاقتصادات المتقدمة، ينبغي الإسراع بإصلاح القطاع المالي ومعالجة ما يشوبه من خلل حتى يتسنى استئناف النمو الائتماني بمعدلات مرتفعة.

نشاط أقوى

وواصل التعافي الاقتصادي اكتساب مزيد من القوة خلال النصف الأول من عام 2010. فقد توسع النشاط العالمي بمعدل سنوي بلغ حوالي 25, 5% بارتفاع قدره 5, 0% تقريبا عن المتوقع في عدد يوليو من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، أو 25, 0% عما ورد في عدد يوليو 2010 من تقرير مستجدات آفاق الاقتصاد العالمي.

وأدى الارتفاع الكبير في مستوى المخزون، ثم الاستثمار الثابت مؤخرا، إلى ارتفاع حاد في أنشطة التصنيع وحجم التجارة العالمية. ولا يزال الاستهلاك مكبوحا في كثير من الاقتصادات الصاعدة بسبب انخفاض ثقة المستهلكين وتراجع الدخول والثروات في قطاع الأُسر.

وبلغ النمو في هذه الاقتصادات 5, 3% خلال النصف الأول من عام 2010، وهو معدل منخفض بالنظر إلى كونها قد خرجت لتوها من حالة ركود هي الأعمق على الإطلاق منذ الحرب العالمية الثانية.

وسيظل التعافي هشا في هذه الاقتصادات ما دام تحسن استثمارات الأعمال لم يترجم إلى زيادة في توظيف العمالة. غير أن إنفاق الأُسر يحقق أداء جيدا في كثير من اقتصادات الأسواق الصاعدة حيث بلغ التوسع 8% تقريبا حيث يعمل الاستثمار على دفع عجلة إنشاء الوظائف الجديدة. ويتضمن الفصل الثاني تحليلا مفصلا لهذه الفروق بين مختلف الاقتصادات المتقدمة والصاعدة من حيث وتيرة التعافي الجاري.

الاستقرار المالي

أصيب الاستقرار المالي بنكسة كبيرة. فقد زاد تقلب الأسواق وهبطت ثقة المستثمرين وسجلت الأسعار تراجعا في كثير من البورصات، بداية بالأسهم المالية والأسواق الأوروبية. واهتز النظام المصرفي على أثر المبيعات الكثيفة لسندات الدين السيادي المستحق على الاقتصادات الضعيفة في منطقة اليورو، مما أسفر عن أزمة نظامية. وأدى ذلك إلى زيادة المخاوف السائدة بشأن مدى استمرارية التعافي كما تسبب في هبوط الأسهم على نطاق أوسع.

وارتفعت علاوات المخاطر على سندات الشركات، ثم تباطأت إصدارات الشركات حتى أصبحت لا تذكر في شهر مايو الماضي، إضافة إلى الهبوط الحاد الذي سجلته إصدارات الأسواق الصاعدة أيضا.

غير أن الأوضاع المالية عادت إلى التحسن منذ بداية الصيف، فانخفضت مخاطر الأحداث المتطرفة بعد المبادرات غير المسبوقة التي اتُّخذت على مستوى السياسات الأوروبية «برنامج أسواق الأوراق المالية» الذي استحدثه البنك المركزي الأوروبي و«آلية الاستقرار الأوروبي» التي أنشأتها الحكومات الأعضاء في منطقة اليورو وبفضل تركيز الإجراءات المقررة لتصحيح الأوضاع المالية العامة في فترة البداية. غير أن جوانب الضعف الأساسية على الصعيدين السيادي والمصرفي لا تزال تمثل تحديا كبيرا وسط مخاوف لا تزال باقية من مغبة المخاطر التي تهدد التعافي العالمي.

وتيرة التعافي

لا تزال الهشاشة سمة التعافي العالمي نظرا لعدم الشروع بعد في تطبيق سياسات قوية لتشجيع إعادة توازن الطلب داخليا عن طريق نقل التركيز من القطاع العام إلى الخاص وخارجيا عن طريق نقل التركيز من الاقتصادات ذات العجز المالي إلى الاقتصادات ذات الفوائض.

وتشير التنبؤات إلى توسع النشاط العالمي بما يتراوح بين 8, 4% في عام 2010 و2, 4% في عام 2011، وهو ما يتوافق إلى حد كبير مع التوقعات السابقة، بينما تظل مخاطر التطورات السلبية هي السائدة.

وتفيد التوقعات الواردة في تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» بأن الناتج سيسجل توسعا في الاقتصادات الصاعدة والنامية بمعدلات تتراوح بين 1, 7 و4, 6%، على التوالي في عامي 2010 و2011. غير أن النمو في الاقتصادات المتقدمة يُتوقع ألا يزيد على 5, 2%، مع حدوث تباطؤ ملحوظ في بعض الاقتصادات أثناء النصف الثاني من عام 2010 والنصف الأول من عام 2011، يعقبه استئناف للنشاط بوتيرة متسارعة.

ويُتوقع أن يظل التباطؤ الاقتصادي ملموسا والبطالة ثابتة على ارتفاع. ومن المتوقع أيضا أن يظل التضخم منخفضا بوجه عام، مع استمرار الطاقة الزائدة والبطالة المرتفعة، عدا استثناءات قليلة بين الاقتصادات الصاعدة.

أما احتمالات عدم تحقق تنبؤات النمو فهي مركزة على جانب الانخفاض. غير أن حدوث تباطؤ عالمي حاد، بما في ذلك حدوث ركود أو انكماش في الاقتصادات المتقدمة، لا يزال يبدو بعيد الاحتمال.

النهج الاستباقي

طالب التقرير بتعزيز الطابع الاستباقي في السياسات المطبقة حتى تتحقق استعادة التوازن الداخلي والخارجي. فلا تزال أمام معظم الاقتصادات المتقدمة وعدد قليل من الاقتصادات الصاعدة مهمة اتخاذ إجراءات تصحيحية كبيرة، بما في ذلك الحاجة إلى تقوية الميزانيات العمومية في قطاع الأسر، وتثبيت الدين العام المرتفع ثم تخفيضه لاحقا، ومعالجة الخلل في القطاعات المالية وإصلاحها.

وينبغي أن تظل السياسات النقدية داعمة إلى حد كبير في معظم الاقتصادات المتقدمة وأن تكون خط الدفاع الأول ضد أي ضعف في النشاط الاقتصادي يتجاوز الحد الذي يُتوقع حدوثه مع تقلص الدعم المقدم من المالية العامة.

ولما كانت أسعار الفائدة الأساسية قريبة من الصفر بالفعل في الاقتصادات المتقدمة الكبرى، فقد يضطر صناع السياسات النقدية إلى الاستعانة بمزيد من التدابير غير التقليدية إذا ضعف الطلب على نحو غير متوقع مع تراجع الدعم المالي. وينبغي بدء العمل على تصحيح الأوضاع المالية العامة في عام 2011.

وإذا ظهر ما يهدد بتباطؤ النمو العالمي ليصل إلى مستوى أقل بكثير مما تشير التوقعات يمكن إرجاء بعض الخطط المقررة لضبط الأوضاع المالية العامة في البلدان التي يتوافر لها الحيز المالي الكافي لتحمل هذا التأجيل. ومن أكثر التحديات إلحاحا بالنسبة للاقتصادات المتقدمة تشريع خطط تساعد على تحقيق أوضاع مالية قابلة للاستمرار قبل نهاية العقد الراهن.

وقد أصبحت هذه المهمة أكثر إلحاحا مما كانت عليه منذ ستة أشهر لكي تتسنى إعادة بناء الحيز المالي الكافي للتصرف والحركة من خلال المالية العامة إزاء الأوضاع عالية التقلب في أسواق الدين السيادي. وقد تدعو الحاجة إلى استخدام هذا الحيز لأن السياسة النقدية وحدها قد تعجز عن توفير الدعم الكافي لمواجهة احتمال تحول النشاط إلى حالة من الضعف أشد بكثير مما تشير التوقعات.

مخاطر الانكماش

ومن المرجح حدوث انكماش في معظم الاقتصادات بسبب تشديد سياسة المالية العامة، وإن كان قياس مدى الانكماش أمرا صعبا. ومن خلال مسح للتجارب السابقة في هذا الصدد، يخلص الفصل الثالث إلى أن ضبط الأوضاع المالية العامة في الاقتصادات المتقدمة عادة ما ينتقص من النمو على المدى القصير.

ومما يمكن أن يساهم في تقليل الأثر الانكماشي لعملية ضبط الأوضاع المالية العامة على المدى القصير أن تسير هذه العملية وفق خطط موثوقة وداعمة للنمو على المدى المتوسط وهي خطط غير مطروحة حاليا في كثير من الاقتصادات المتقدمة. وينبغي أن تشمل هذه الخطط إصلاحات في برامج الإنفاق المتنامية بسرعة لاسيما برامج المستحقات الاجتماعية وإصلاحات ضريبية تكافئ الإنتاج وليس الاستهلاك.

القطاع المالي

ومن الضروري أن تعتمد الاقتصادات المتقدمة سياسات وممارسات أفضل للقطاع المالي، لكي تزداد قدرة التعافي الاقتصادي على الصمود في مواجهة الصدمات ويكتسب الطلب الخاص صفة الاستمرارية على المدى المتوسط.

وقد سار التقدم في هذا الصدد ببطء بالغ. فما يبدو أنه مشكلات منفصلة في مواضع قليلة متفرقة يمكن أن يولد تداعيات كبيرة في مواضع أخرى عن طريق الروابط المالية المعقدة وتدهور مستوى الثقة الهشة في الأصل.

وكما يوضح عدد أكتوبر 2010 من «تقرير الاستقرار المالي العالمي»، إن عدم اكتمال التقدم في معالجة تركة المشكلات الناجمة عن الأزمة أدى إلى تحويل النظم المالية في الاقتصادات المتقدمة إلى نظم ضعيفة معرضة للخطر. ويأتي الفشل في تسوية أوضاع البنوك الضعيفة أو إعادة هيكلتها أو دمجها وفي إصلاح الخلل في أسواق الجملة بالسرعة المطلوبة .

(وكالات)