بعد أن حقق مؤشر داو جونز مكاسب بلغت 3, 11% خلال الفترة من نهاية أغسطس وحتى اقفال يوم الاثنين 18/10، تراجع المؤشر بنسبة 5, 1% يوم الثلاثاء بتأثير من ارتفاع الدولار الذي نجم عن عودة المستثمرين إليه بعد أن خرجوا جزئيا من الذهب والنفط إلى جانب خروجهم من الأسهم. جلسة يوم الثلاثاء لم تتحرك بفعل

البيانات الرئيسية الصادرة عن الاقتصاد الأمريكي أو حتى بفعل صدور نتائج الشركات الأمريكية التي كان أداء معظمها حتى الآن أفضل من التوقعات حيث حقق بعضها نموا كشركات الطيران والقطاع الصناعي إذ جاءت أرباح شركة بوينج لصناعة الطائرات في الربع الثالث أكثر من 837 مليون دولار مقابل خسائر 1،56 مليارا في الفترة المقابلة وهو ما أعاد التركيز مجددا يوم الأربعاء لينصبّ على نتائج أعمال الشركات وفي الوقت الذي برزت فيه رؤية مغايرة للآثار التي يمكن أن تترتب على قرار الصين رفع الفائدة.

وبذلك القرار استحوذت الصين على تركيز المستثمرين على مستوى العالم أجمع، وذلك عقب قرارها الذي تمثل في رفع أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ العام 2007. وقد تباينت الأسواق في رؤيتها وتحليلها لنتائج القرار الصيني برفع الفائدة على الودائع وعلى الاقتراض.

فالأثر المباشر ظهر يوم الثلاثاء عندما أدت العودة للدخول إلى الدولار والتي جاءت بالدرجة الأساس نتيجة توقع تراجع العجز التجاري الأمريكي مع الصين إلى انخفاض مؤشرات الأسواق الأمريكية وانخفاض الذهب والنفط.

فهذا العجز الذي كان قد توسع خلال شهر اغسطس ليصل إلى ما يقارب من 46 مليار دولار وذلك على الرغم من انخفاض الدولار مقابل العملات الرئيسية يثير قلق هؤلاء باعتبار أنه سيدفع الفدرالي نحو الذهاب بقوة باتجاه سياسات التخفيف الكمي.

فردة فعل المستثمرين تجاه توقع تراجع العجز وبالتالي تراجع مبررات التخفيف الكمي الجديد كانت أقوى من قناعة المستثمرين الذين يعتقدون أن قرار الصين وآثاره ستعطي للفدرالي الأمريكي هامشا أوسع في خيار اتباع سياسة التخفيف الكمي.

سلوك المستثمرين

وقال المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للاوراق المالية الدكتور همام الشمّاع إن هذا التغير في سلوك البعض من المستثمرين في الأسواق الأمريكية والذين عاودوا الدخول إلى العملة الأمريكية بعد ان خرجوا منها في الأسابيع الماضية تجنبا لانخفاضها الذي كان متوقعا بسب سياسات التخفيف الكمي الموعود من قبل الفدرالي، هذا التغير يعبر عما سيحدثه رفع الفائدة الذي أقره بنك الشعب الصيني المفاجئ لنسبة الفائدة لأجل عام بربع نقطة مئوية أو خمس وعشرين نقطة أساس.

هذا الارتفاع في سعر الفائدة سيؤدي إلى ارتفاع قيمة اليوان خصوصا بسبب ارتفاع سعر الفائدة على الودائع والذي ارتفع إلى 5, 2% من 25, 2%. وهو ما يمكن أن يستقطب المزيد من الطلب على العملة الصينية ويسهم في ارتفاع سعر صرفها تجاه الدولار.

وكانت الصين قد اجتذبت استثمارات أجنبية مباشرة بلغت 3, 74 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي بزيادة 6, 16% على الفترة نفسها من 2009، وفقا لوزارة التجارة الصينية.

وفي شهر أيلول وحده استقطبت الصين 4, 8 مليارات دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، مرتفعة 1, 6% عن الشهر نفسه من 2009. وتشهد تدفقات الاستثمارات الأجنبية الى الصين انتعاشا بعد ان تضررت بشدة من التباطؤ الاقتصادي العالمي، وكانت سجلت ارتفاعا حادا في أعقاب انضمام العملاق الآسيوي إلى منظمة التجارة العالمية في 2001.

تداعيات محتملة

ويعد رفع الفائدة الذي سيقود لرفع اليوان، بمثابة التشديد الأول للسياسة النقدية بالصين منذ ديسمبر عام 2007 حيث يأتي استجابة لعوامل كثيرة يتمثل أهمها في ارتفاع مستويات التضخم إلى أعلى مستوياتها في اثنين وعشرين شهراً خلال اغسطس الماضي بنسبة 5, 3%، مع توقعات ببلوغها 6, 3% خلال سبتمبر.

بالإضافة إلى ذلك فان ارتفاع مستويات الإقراض بشكل لافت هو الأمر الذي أجبر صانعي السياسة النقدية بالصين على رفع الاحتياطيات الإلزامية لأكبر ستة بنوك بالبلاد بنصف نقطة مئوية إلى 5, 17% قبل أقل من أسبوعين كنتيجة لارتفاع أسعار العقارات في أكبر 70 مدينة صينية بنسبة 1, 9% خلال سبتمبر بالمقارنة مع نفس الشهر من عام 2009، وهو الأمر الذي يفسر تخوف السلطات من ارتفاع معدلات الإقراض ومن ثم أصدرت قرارها برفع احتياطيات البنوك الستة الكبرى بقيادة البنك الزراعي الصيني.

ويستند تراجع الأسواق الأمريكية منتصف الأسبوع إلى تحليل مفاده أن الفائدة على الودائع الصينية ستجتذب المزيد من الودائع والطلب على اليوان والذي سيقود إلى سلسلة ارتفاعات في قيمة العملة الصينية والتي ستنعكس بدورها على تراجع الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة وبما يرفع تنافسية البضائع الأمريكية أمام نظيرتها الصينية الأمر الذي سيؤدي إلى ارتفاع الطلب على السلع الأمريكية وينعكس ايجابيا على مستويات التوظيف وفرص العمل داخل الاقتصاد الأمريكي.

هذا التحليل الذي يستند إلى توقعات الطلب على السلع الأمريكية يقود أيضا إلى الاستنتاج بأن الفدرالي قد لا يذهب بعيدا وإلى حدود كبيرة في سياسات التخفيف الكمي التي كان رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي قد أوضح الحاجة إليها والتي قد يعمد لبدئها في اجتماعه القادم في نوفمبر وذلك لمواجهة ارتفاع معدل البطالة والتي تمثل خطرا على استدامة الانتعاش.

خصوصا وأن المستوى المنخفض من التضخم والذي ينطوي على مخاطر حدوث انخفاض خطير في الأسعار أكبر من القدر المستحب، كان المحفز الأكبر لاتباع سياسات التيسير النقدي.

تطور جديد

ولكن ومع التطور الجديد الذي تولد عن رفع الفائدة في الصين وما يمكن أن يترتب عليه من تحسن في مستويات التوظيف وارتفاع في مستويات الأسعار بسبب ارتفاع الدولار المتوقع والذي سيؤدي الى ارتفاع أسعار السلع المستوردة فان قوة الإجراءات اللازمة فيما إذا تقرر اللجوء الى جولة جديدة من شراء الأصول أو التيسير الكمي واحتمالات استخدام التخفيف الكمي بتحفظ شديد هي التي كانت وراء انتعاش الدولار وتراجع كل من النفط والذهب والأسواق يوم الثلاثاء. خصوصا وان السياسات غير التقليدية لها تكلفة وحدود تجب مراعاتها عند البت في ضرورة استخدامها ومدى قوتها.

من هنا فقد تولدت شكوك بشأن ما اذا سيباشر الاحتياطي الاتحادي جولة جديدة من شراء الأصول في اجتماعه القادم في الثاني والثالث من نوفمبر أم لا وهو ما سيتقرر في ضوء أن يكون التضخم عند نحو 2% أو أدنى قليلا.

بالمقابل وأمام هذا التحليل الذي يقوم على أساس تراجع العجز التجاري الأمريكي وارتفاع الطلب على السلع المحلية فان تحليلا آخر يستند إلى أن الارتفاع الأخير والتحسن المتوقع في سعر الدولار تجاه اليورو وبقية العملات الرئيسية قد يكون وعلى عكس توقعات الأسواق، عاملا مشجعا للفدرالي للمضي قدما في سياسات التخفيف الكمي.

فمخاطر انحدار الدولار إلى ما دون المستويات المرغوبة والتي قد تهدد مكانته كعملة الاحتياطيات الدولية الأولى في العالم هي دائما حاضرة في ذهن القائمين على السياسة النقدية الأمريكية.

ولذا فان تحسن الدولار يقدم هامشا اكبر وأوسع للفدرالي لخوض غمار سياسات التخفيف الكمي. وهذا ما يتقاطع كليا مع التحليل الأول الذي قاد الدولار نحو الارتفاع والأسواق والذهب نحو التراجع.