يثق المسؤولون في بورصة دبي للطاقة بأن مقومات القوة التي ترتكز عليها البورصة متضافرة مع سجل النجاحات التي حققتها سيقوي حصانتها وقدرتها على تجاوز منعطف الطرق الذي تجتازه في الوقت الحالي والناجم عن دخول دول رئيسية على خط وضع مؤشرات مرجعية لتسعير إمدادات النفط في الأسواق الآسيوية، من بينها روسيا والصين.
وهو المجال الذي تمكنت فيه البورصة من إحراز قصب السبق بإدراجها عقد خام عمان الآجل الذي تمكن خلال فترة زمنية وجيزة من بلوغ مكانة عالمية بوصفه أحد المؤشرات المرجعية لتسعير إمدادات النفط على مستوى العالم، ويثق المسؤولون .كذلك بقدرة البورصة على التعامل الحصيف والحذق مع التغييرات التي تشهدها عمليات تسعير النفط الناجمة بالأساس عن اتجاه المملكة السعودية صوب وضع مؤشر مرجعي لتسعير إمداداتها من النفط للأسواق الآسيوية، وما بين هاتين القوتين الدافعتين إلى التغيير، تبرز بورصة دبي للطاقة بوصفها الخيار الأفضل في تسعير إمدادات النفط للأسواق الآسيوية.
وعبر توماس ليفر الرئيس التنفيذي لبورصة دبي للطاقة عن هذه الثقة بقوله: مع تزايد نفوذ وتأثير الاقتصاديات الآسيوية على أسواق الطاقة الدولية والإقليمية، يتطلع منتجو ومستهلكو الطاقة في المنطقة إلى إدارة مخاطر الأسعار بشكل كفؤ وفعال.
ويعتبر عقد خام عمان الآجل المؤشر المرجعي الوحيد القادر على تلبية احتياجات هذا السوق الأخذ في النمو، بالنظر إلى أنه يوفر مزيجاً من المنافع والفوائد تجمع بين شفافية استكشاف الأسعار، والتسليم العيني لكميات النفط المتضمنة في العقد التي تعززها وتدعمها معدلات إنتاج تتمتع بالموثوقية والقوة، إلى جانب اطلاعه بدور نشط في الأسواق الفورية.
وعلي الرغم من تأكيد أحمد شرف رئيس مجلس إدارة البورصة في حديث أدلي به ل(البيان الاقتصادي) في وقت سابق أن اعتماد الدول المنتجة في المنطقة أسعار بورصة دبي للطاقة في تسعير نفطها يعد قراراً سيادياً تتخذه الحكومات، فهي التي تقرر ما إذا كانت ستعتمد أسعار بورصة دبي للطاقة في تسعير نفطها، أم ستواصل اتباع النهج الذي تتبناه، إلا أنه عبر عن اقتناعه الجازم بأنه في القريب العاجل سيأتي اليوم الذي تتحرك فيه شركات النفط الوطنية نحو اعتماد أسعار بورصة دبي للطاقة لتسعير نفطها.
وتوقع في هذا المجال أن تترسخ القناعة لدى شركات النفط الوطنية بأن البورصة قد أرست آلية سعريه تتمتع بالنزاهة والشفافية، وتنهض على إطار تنظيمي كفؤ وفعال، وتستند إلى نظام متقن للتسليم الفعلي لكميات النفط المتضمنة في العقد، كما أن هذه الشركات تعقد مقارنات بين المؤشرات المرجعية لتسعير النفط، وتتطلع إلى تحقيق أفضل العوائد لحملة أسهمها أي حكوماتها.
مقومات قوة
وتعطي مقومات القوة الانفة في نظر المراقبين الأفضلية لعقد خام عمان كمؤشر مرجعي لتسعير النفط في الأسواق الآسيوية في مواجهة احتمالات بروز كميات النفط الروسي المصدرة للأسواق الآسيوية كمؤشر مرجعي للتسعير، وذلك في ظل اقتراب روسيا من مرحلة بدء تصدير النفط إلى كل من اليابان والصين وكوريا الجنوبية عبر خط أنابيب «إسبو» الممتد من سيبيريا إلى المحيط الباسيفيكي والذي من المتوقع ـ بحسب تقديرات شركة «ترانسنفت» ـ أن تبلغ طاقته التحميلية حوالي مليون برميل يوميا.
ورغم أن المراقبين يقدرون بأن خط الأنابيب المذكور سيسهم في زيادة كمية واردات النفط الروسي للأسواق الآسيوية، إلا أنهم يرون بأن روسيا ليست الدولة الوحيدة التي تدخل حلبة التنافس على تسعير إمدادات النفط للأسواق الآسيوية، بل إن كلا من الصين وهونغ كونغ أعلنتا خططاً ترمي إلى إدراج عقود النفط الآجلة في بورصتيهما اعتماداً على نفوطهما المحلية، كما أن المستهلكين الآسيويين يهتمون بالدرجة الأولى بتوافر مؤشر مرجعي عادل ومستقر لتسعير إمدادات النفط المتجه إليهم، وهو وضع ينطبق على عقد خام عمان الآجل المدرج في بورصة دبي للطاقة، وذلك بشكل أكبر من الاهتمام بالجهة التي تقوم بتحديد السعر.
ويراهن المراقبون بأن عقد خام عمان الآجل سيسهم في تبديد الكثير من عدم اليقين بشأن ما ستؤول إليه التغييرات في مجال تسعير إمدادات النفط لهذه الأسواق، وذلك في ظل إعطاء البائعين والمشترين على حد سواء أولوية الحصول على أفضل مكاسب ممكنة من تجارة النفط الخام، وفي ظل كذلك تصاعد التوقعات بأن النمو القوي للاقتصاديات الآسيوية سيجلب تغييرات كثيرة في آلية التسعير.
فمنذ بداية انطلاق بورصة دبي للطاقة، برز المحور الآسيوي ضمن محاور تحركها ذات الأولوية القصوى، وربما الأمر الذي عزز قدرتها على السير على هذا المحور بسلاسة وقوة، هو حقيقة أن انطلاقها في حد ذاته قد ملأ فراغاً عانت منه الأسواق الآسيوية، وهو غياب آلية تسعير نفط خام الشرق الأوسط الثقيل الذي يشكل القسم الغالب من وارداتها، واعتمدت عوضا عن ذلك على خام غرب تكساس الذي يخدم السوق الأميركية.
وخام برنت الذي يخدم السوق الأوروبية، وعملت تلك النفوط كمؤشر مرجعي في تحديد الأسعار والتي يتم على أساسها شراء وبيع النفط الخام، وبالتالي، وجدت الدول الآسيوية نفسها في وضع أملي عليها الاعتماد على هذه الأسواق، وهو ما جعل الدول الآسيوية تحصل على النفط بسعر أقل (خصم) أو أعلى (علاوة) من أسعار تلك النفوط المرجعية.
وفي هذا المجال، جري إطلاق مصطلح العلاوة الآسيوية على الفارق في الأسعار بين السوقين الأوروبي والأميركي من جانب، والسوق الآسيوي من جانب آخر، وقد أعربت الكثير من الدول الآسيوية وعلى الأخص اليابان والهند عن قلقها بشأن تلك العلاوة، باعتبار أنها تؤدي إلى تبطئه النمو الاقتصادي وتقلل تنافسيتها عالمياً.
ورغم ذلك، بذلت بورصة دبي للطاقة الكثير من الجهد والطاقة لاستقطاب المزيد من السيولة من الأسواق الآسيوية، وذلك من خلال زيادة وعى الشركات الشرق آسيوية بفوائد التداول على عقد خام عمان الآجل، حيث تتبع هذه الشركات أسلوب انتظار من سيقوم باتخاذ الخطوة لكي تحذو بعد ذلك حذوه.
ويؤمن أحمد شرف رئيس مجلس إدارة بورصة دبي للطاقة بأن الكثير من الشركات الشرق آسيوية صارت تتفهم بقوة مزايا التداول في البورصة، إلا أن هناك دائماً حيزاً للمزيد من التحسين بما يسهم في جعل هذه الأسواق على فهم أفضل بعقد خام عمان الآجل، وإمكانية التسليم المادي للكميات المتضمنة فيه.
القرار السعودي المرتقب
وقد حرك قرار شركة أرامكو السعودية الخاص باستخدام مؤشر أرجوس بدلاً من مؤشر خام غرب تكساس الوسيط في تسعير إمداداتها النفطية إلى الأميركيتين الكثير من المياه في مجال تسعير إمدادات النفط، وجاء هذا القرار على خلفية اشتداد حدة تقلبات وتذبذبات أسعار النفط الخام على نحو جعل من الصعب على المنتجين والمستهلكين وضع خطط مستقبلية.
وهو وضع ـ في رأي بعض المراقبين ـ ينصرف بشكل خاص إلى السعودية، فبحكم كونها أكبر منتج للنفط، فهي الأكثر حساسية لمسالة تقلبات الأسعار، الأمر الذي جعل شركة أرامكو تشعر بقلق إزاء إخفاق مؤشر سعر غرب تكساس الوسيط في التعبير بدقة عن العلاقة بين الطلب والعرض في أسواق النفط الخام.
وسلط خالد الفالح الرئيس التنفيذي لأرامكو الضوء على هذا المنطق الداعي إلى التغيير بقوله: كنا نجد كل شهر أن هناك تذبذبات حادة بين الخامات عالية الكبريت والتي يجري تداولها في السوق الفورية للتحميل في خليج المكسيك وبين (شحنات) الخام الأميركي الخفيف أو غرب تكساس الوسيط التي يجري تسعيرها في كوشينج بأوكلاهوما.
وأضاف بقوله: أردنا التأكد من أن خاماتنا يجري تسعيرها على أساس خام قياس يمثل خصائص مماثلة من حيث نسبة الكبريت والوزن النوعي، بالإضافة إلى نفس الموقع الجغرافي وهو خليج المكسيك.
وفي الوقت الحالي، يستند سعر نفط خام غرب تكساس إلى إمدادات النفط العينية في مدينة كوشينج في ولاية أوكلاهوما الأميركية، وتحوي هذه المدينة على مستودعات التخزين يبلغ طاقتها التخزينية 48 مليون برميل من النفط الخام، ومن شأن محدودية الطاقة التخزينية أن قاد في ارتفاع سعر خام غرب تكساس، رغم وفرة المعروض في الأسواق العالمية، فعلي سبيل المثال، عندما وصل سعر النفط الخام إلى 147 دولاراً للبرميل الواحد في يوليو 2008، افترض السوق بأن هناك نقصا حادا في إمدادات النفط الخام، وذلك على الرغم من شكوى شركة ارامكو حينذاك بأنه ليس في مقدورها العثور على مشتريين لكمية نفط قوامها 500 ألف برميل يومياً.
ومع قيام شركة أرامكو بشحن إمدادات نفط إلى الولايات المتحدة بكمية بلغ متوسطها في عام 2009 نحو 5,1 مليون برميل، تزايدت الضغوط عليها بأن تتخذ قراراً بشأن هذه القضية التي كانت محور نقاش منذ عام 2007.
وبعدما تحولت شركة أرامكو بعيداً عن خام غرب تكساس، يثار التساؤل عن الدول التي سوف تحذو حذوها، بالنظر إلى أن هذا القرار سيحفز دولا أخرى على إعادة النظر في آلية تسعير إمداداتها للولايات المتحدة، وتثار التوقعات بأن الدول التالية التي ستقتفي أثر السعودية هي الكويت والعراق.
وفي هذا السياق، نقلت مجلة «ميد» عن مصادر وصفتها بأنها وثيقة الصلة بشركة نفط الكويت تقديرها بأن تحرك الكويت بعيداً عن نفط خام غرب تكساس لا تعدو أن تكون مسألة وقت، ويعتبر هذا التحرك منطقياً بالنسبة للكويت والمصدرين الآخرين في المنطقة مثل العراق وإيران.
وأعرب الخبير النفطي الكويتي كامل الحرمي عن وجهات نظر مماثلة بإشارته إلى أنه إذا ما سار قادة السوق على هذا الطريق، فمن المتوقع أن تحذو الكويت الحذو ذاته، ومع ذلك، فمن المتعين الانتظار لرؤية ما سوف يحدث في المستقبل.
وتثور نفس التوقعات بالنسبة للأسواق الآسيوية، حيث يضع المشترون الآسيويون نصب أعينهم على المؤشرات المرجعية في تسعير النفط الخام، وغذى تحول شركة أرامكو بعيداً عن خام غرب تكساس في تسعير إمداداتها النفطية للولايات المتحدة التوقعات بأنها قد تتخذ قراراً مماثلاً قيماً يتعلق بإمداداتها المتجهة إلى الأسواق الآسيوية.
علاقات مشاركة
وفي هذا المجال، طورت بورصة دبي للطاقة على مدار السنوات الماضية علاقات بناءة مع جميع شركات النفط الوطنية في المنطقة، بما في ذلك شركات «أدنوك» و«أرامكو السعودية» و«مؤسسة البترول الكويتية».
ولقد أظهرت كافة شركات النفط الوطنية في المنطقة ـ بحسب تصريحات رئيس مجلس إدارة البورصة ـ اهتماماً بالغاً بأنشطة البورصة، فهم يتابعونها بعناية فائقة، كما أن البورصة تقوم باطلاع شركات النفط الوطنية بمواصفات عقد خام عمان الآجال.
والإطار التنظيمي المعتمد، بما ذلك الجوانب المتعلقة بكيفية الامتثال لقواعد ولوائح البورصة، فضلاً عما سبق، تطلب هذه الشركات من وقت لآخر تحليلات للتطورات التي بشهدها السوق، بما في ذلك تغيرات الأسعار صعوداً وهبوطاً، بالمقارنة مع المؤشرات المرجعية الأخرى.
توقعات اختيار أرامكو عقد خام عمان
في تسعير إمداداتهايراهن بعض المراقبين على أن يقع اختيار شركة أرامكو على عقد عمان الآجل كمؤشر مرجعي لتسعير إمداداتها النفطية إلى الأسواق الآسيوية، بيد أنهم يرون بأن اتخاذ قرار من هذا القبيل ربما يستغرق أشهراً عدة، ونقلت مجلة «ميد» عن أحد الرؤساء التنفيذيين في شركة أرامكو قوله:
أعتقد أن أي تغيير في آلية التسعير سيكون مدفوعاً بطلبات المشتريين في آسيا الذين يميلون إلى التحفظ في إبداء وجهات نظرهم لمورد رئيسي على غرار شركة أرامكو.
وقد سجلت بورصة دبي للطاقة أعلى مستوى تداول في 30 سبتمبر الماضي على عقدها الرئيسي «عقد عمان الآجل للنفط الخام»، وذلك منذ بدء التداول عليه في البورصة في 1 يونيو 2007، حيث بلغ عدد العقود المتداول، وحققت كذلك زيادة بنسبة 130% في حجم التداول منذ عام 2008، وبمعدل 2930 عملية تداول في اليوم منذ بداية عام 2010، أي ما يعادل تقريباً تداول 3 ملايين برميل من النفط يومياً.
دبي ـ مجدي عبيد

