عن عمران بن حصين رضى الله عنهما قال النبي «صلى الله عليه وسلم»: «خيركم قرني ثم الذين يَلونهمُ، ثم الذين يلُونهمُ، ثم انّ بعدِهم قوماً يشهدون ولا يستشهدون ويخُونون ولا يؤتمنون وينُذرون ولا يوُفون ويظهر فيهم الِسَمنْ». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.«رواه مسلم».
أيها الأخوة المؤمنون:
يخبرنا الرسول «صلى الله عليه وسلم» عن بعض المتغيرات في المجتمع الإسلامي والمجتمعات الإنسانية الأخرى التي تعيش فوق هذه الأرض بعد زمنه الذي عاش فيه.
ومن تلك المتغيرات التي أريد الإشارة إليها هنا «ظهور السمن» يبين أنه سيكون ظاهرة تلفت النظر في المجتمع الإنساني فأسلوب الحياة الذي كان يعيشه الإنسان لم يكن يتجاوز الزراعة أو الرعي وكلا الاسلوبين يحتاجان من الإنسان إلى جهد كبير يبذله حتى يستطيع ان يحصل على الرزق.
ولذا لم تكن الحياة وأساليبها توفر للإنسان من وسائل الراحة الكثير حتى التجارة كان أهلها قليل أما اليوم أصبح كل شيء يدعو الجسم إلى السمن فأسلوب الحياة وفر كثير من الجهد فالإنسان من مكانه يستطيع الاتصال بالعالم ناهيك عن الإضافة الأخرى من ناحية الطعام والتطور الكبير الذي طرأ على أسلوب تحضيره وتنوعه وغير هذا.
والحديث يبين أن عصر الرسول هو العصر الذهبي الذي لا يمكن تعويضه ثم في المرتبة الثانية العصر الذي يليه ثم الذي يليه ثم يصف لهم الحبيب المصطفى بالقوم الذين يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤمنون وينذرون ولا يوفون في نهاية الأزمان وهذا واضح في زماننا اليوم.
فأراد الحبيب المصطفى أن يبين لنا من نبوءاته انه سيكون كذا وكذا.
قال «خيركم قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم إن بعدهم قوماً يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن».
وهذا الحديث النبوي الشريف مليء بالبلاغة في جملة وعباراته مليئة بالبلاغة والبديع من البداية حتى النهاية بدأ بقوله خيركم قرنى وهذا أسلوب خبري من كونه ودلالته أفاده القطع أي قطع الخبرية بان قرن الرسول فيه الخير دون سائر القرون.
ولذلك نرى هذا واضحاً في قوله ثم التي تفيد التراخي إشارة إلى أن الخبر يتناقص ببعد الزمان عن أنوار النبوة ثم بقدر ما تفيد التراخي انها هنا لها دلالة على انه يتباطيء الناس في تنفيذ أحكام الله وشرع الله وبالتالي تقل الخيرية والبركة بل وتذهبان عنه وكله يلونهم تعني أن الموالاة ليست موالاة زمنية بقدر ما هي موالاة اتباعية فدين الرسول إتباع وليس ابتداع قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله أي أن الإسلام دين إتباع وليس دين ابتداع إذن يلونهم توحى بان الموالاة ليست موالاة زمنية بقدر ما هي موالاة اتباعية.
مما اتى بتفصيل ذلك في بقية هذا الهدي الشريف ليوضح هذا المعنى ويجليه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم إن بعدهم والمدقق لهذا الحديث يلحظ تنوع الأساليب الخبرية والإنشائية والمقابلات والسجع وغيرها ففي البداية ايجاز بالحذف خيركم قرنى وتلمس فيها بلاغة الاستهلال للحبيب المصطفى.
وإضافة القرن إلى نفسه إضافة تشريف وتمييز وخصوصية لذاته للدلالة على انه قرن فريد حتى الجيل الذي هو فيه جيل فريد ثم استخدام الرسول لحرف العطف «ثم» دون غيره من الحروف وكذلك للالتفات وتنقله من حديث المتكلم إلى الغائب وهو أسلوب بلاغي يجذب الأنظار ويلفت الانتباه.
وفي قوله يشهدون ولا يستشهدون جناس ناقص في الكلمتين وفيها مطابقة والطباق الواضح أيضاً في يخونون ولا يؤتمنون وبين ينذرون ولا يوفون ثم ختام الحديث بظهور السمن وهذه دلالة على البعد عن طريق الله ففي الجملة الخبرية في «خيركم قرنى» تلفت الأنظار وتشد الانتباه والمقابلة والطباق بين لفظين والمقابلة بخلاف الطباق المقابلة تكون بين معنيين أو أكثر ثم يؤتى بشيء ما يقابل ذلك على الترتيب والتوكيد.
د. عثمان الغزالي