كشفت الأزمة المالية العالمية أمس، عن وجهها القبيح في القارة الأوروبية. وأعلنت بريطانيا أمس، عن أكبر خطة تقشف في تاريخها فيما استمرت المظاهرات المناهضة لقوانين التقاعد الجديدة في فرنسا.
وفي شرق القارة العجوز تقدمت المعارضة الرومانية باقتراح لحجب الثقة عن حكومة يمين الوسط لرئيس الوزراء ايميل بوك متهمة اياها بتبني سياسات اقتصادية فاشلة. وفي نيوزلندا تظاهر آلاف العمال ضد خطط حكومة يمين الوسط لتغيير قوانين العمل.
تقشف بريطاني
وأعلن وزير المالية البريطاني جورج اوسبورن في البرلمان ان خطة التقشف في الميزانية التي قررتها الحكومة ستؤدي الى إلغاء قرابة النصف مليون وظيفة في القطاع العام بحلول 2015 وتوقعت بعض الدراسات إلغاء نصف مليون وظيفة اخرى في القطاع الخاص كنتيجة مباشرة لخطة التقشف.
وقال الوزير البريطاني ان مكتب المسؤولية عن الميزانية الحكومي المكلف مراقبة الحسابات العامة قدر بنحو 490 ألفا عدد وظائف القطاع العام التي ستلغى بسبب خفض النفقات العامة مؤكدا ان ذلك هو افضل تقدير. واكد الهدف المعلن في يونيو بخفض النفقات العامة الذي كان محددا بنحو 83 مليار جنيه استرليني اي نحو 95 مليار يورو بحلول 2015.
وستتيح هذه المقتطعات القاسية من الميزانية علاوة على 30 مليار جنيه ستتأتى من رفع الضرائب إلغاء العجز العام تقريباً في المملكة وتقليصه من 10.1 بالمئة من اجمالي الناتج الخام الى 1.1 بالمئة في 2014.
واشار اوسبرون الى ان خفض وظائف القطاع العام ستتم في معظمها بسبب عمليات مغادرة طبيعية محذراً مع ذلك من ان عمليات الطرد لا مفر منها. وتحدث اثر ذلك بالتفصيل عن عمليات خفض الميزانية لكل وزارة. واكد ان الحكومة ليس امامها خيار آخر إذا ما أرادت تفادي افلاس البلاد وابعادها من الهاوية.
تحرك فوري
احتشد عدة آلاف من عمال الخدمات العامة في بريطانيا بالعاصمة لندن احتجاجاً على ما اعتبروه خفضاً تعسفياً للإنفاق العام. وقال مؤتمر النقابات العمالية البريطاني إن نحو 3000 عامل شاركوا في المظاهرة التي جرت أمام البرلمان.
وقال بريندان باربر إن برنامج الحكومة لخفض عجز الميزانية هو اختيار سياسي وليس ضرورة اقتصادية وسوف يجعل بريطانيا أكثر ظلما وانحطاطا وقذارة. ورفع سن التقاعد الحكومي في بريطانيا الى 66 بحلول 2020.
وقال أوزبورن ان سن التقاعد الحكومي في بريطانيا سيرتفع الى 66 بحلول عام 2020. واوضح: رفع سن التقاعد الحكومي هو ما تقوم به دول عديدة الآن وسيوفر بنهاية الدورة البرلمانية القادمة أكثر من خمسة مليارات جنيه استرليني أي نحو 7.86 مليارات دولار سنوياً. وأضاف: سيستخدم لتوفير معاش حكومي أساسي أكثر سخاء بينما نتعامل مع الضغوط الديموغرافية.
الاقتراض العام
أظهرت بيانات رسمية أن الاقتراض العام في بريطانيا سجل مستوى قياسيا مرتفعاً لشهر سبتمبر على غير المتوقع. وقال مكتب الاحصاءات الوطنية ان صافي اقتراض القطاع العام ارتفع الى 15.706 مليار جنيه استرليني في الشهر الماضي من 14.806 مليار جنيه قبل عام مخالفا توقعات الاقتصاديين التي رجحت حدوث تراجع طفيف.
وتتفاوت أرقام الميزانية الشهرية في بريطانيا بشكل كبير تبعاً للعوامل الموسمية وهذا هو أعلى رقم يسجل في سبتمبر منذ بدء الاحصاءات في عام 1993.
مظاهرات فرنسا
وفي فرنسا تعطلت الطرق والمطارات ونفد الوقود من نحو ثلث محطات الوقود نتيجة المظاهرات الاحتجاجية ضد خطة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لإصلاح نظام معاشات التقاعد، مما يهدد بإصابة البلاد بحالة من الشلل.
وأفادت تقارير إعلامية فرنسية بأن المتظاهرين أغلقوا الطرق المؤدية للمطارات في مدن تولوز وبوردو ونانت وكليرموند فيراند فيما عطل سائقو الشاحنات حركة المرور في أكثر من 10 طرق في أنحاء فرنسا.
ونفد الوقود في أكثر من 4000 محطة من إجمالي 12 ألفاً و500 محطة وقود نتيجة لإضراب العمال في مصافي النفط، اضافة الى الحواجز التي أقيمت حول عدد من مستودعات الوقود.
ويأتي ذلك بعد يوم واحد من تظاهر نحو 3.5 ملايين شخص حسب تقديرات النقابات احتجاجا على خطة إصلاح معاشات التقاعد. وقدرت الداخلية الفرنسية المشاركين في المظاهرات بنحو 1.1 مليون شخص.
وكشف استطلاع للرأي نشرت نتائجه في صحيفة ليزيكو الاقتصادية بأن أغلب الفرنسيين يؤيدون مواصلة الاحتجاجات. وقال 59% من المشاركين في الاستطلاع إنهم يريدون أن تواصل النقابات الاحتجاجات والإضرابات حتى بعدما تصبح هذه الخطة قانوناً.
جدل كبير
وتقضي خطة إصلاح نظام معاشات التقاعد بزيادة سن التقاعد تدريجياً من 60 إلى 62 عاما بحلول عام 2018. وقد حظي مشروع القانون بموافقة الجمعية الوطنية الفرنسية ومن المقرر طرحه للتصويت بمجلس الشيوخ الأحد المقبل على أقصى تقدير.
وقال وزير الداخلية بريس هورتفو في مؤتمر صحافي بالعاصمة باريس إن الحكومة ستواصل محاولات فتح الطرق إلى مستودعات الوقود بالقوة ووصف وضع الحواجز بأنها تصرفات غير مقبولة. وقال إن الحكومة ستتخذ إجراءات صارمة ضد المتظاهرين الذي اشتبكوا مع الشرطة خلال احتجاجات بالشوارع وفي مقدمتهم طلبة المدارس الثانوية.
وتمسكت الحكومة المنتمية ليمين الوسط برئاسة نيكولا ساركوزي بموقفها في وجه موجة من الاحتجاجات والاضرابات منذ الصيف والتي اكتسبت زخماً في الاسبوع الماضي بعد اضراب العمال في المصافي وحصار مستودعات الوقود. وقال ساركوزى: اسفرت الاضطرابات التي نجمت عن الحصار الى العديد من الممارسات غير العادلة.
وأضاف: إذا لم تنته هذه الاضطرابات التي تهدف الى إصابة البلاد بالشلل سريعاً قد يكون لها تداعيات على عمليات التوظيف حيث ستلحق الضرر بالنشاط الاقتصادي. وأشار ساركوزى إلى أنه سيمضي قدماً صوب الإصلاح حتى النهاية.
أزمة رومانيا
وفي رومانيا تقرر مناقشة اقتراح سحب الثقة والتصويت عليه الأسبوع المقبل في مجلسي البرلمان. وتقول المعارضة ان الحكومة شنت حرباً على شعبها عن طريق الاجراءات التقشفية التي اتخذتها بينما لم تفعل شيئاً لحث الاقتصاد على النهوض.
ووافقت رومانيا على تطبيق اجراءات تقشفية قاسية بهدف الحصول على مساعدة انقاذ تبلغ 20 مليار يورو أي نحو 27.6 مليار دولار من صندوق النقد الدولي ومقرضين اوروبيين عام 2009.
وتعهدت رومانيا التي تضررت بشدة من الركود العالمي بإقالة عشرات الآلاف من موظفي الحكومة بحلول نهاية 2010. ورفعت هذا العام بالفعل قيمة الضريبة المضافة من 19 الى 24 في المئة بينما خفضت أجور القطاع العام بنسبة 25 في المئة. وقالت المعارضة انه اذا لم ينجح اقتراح حجب الثقة الذي تقدمت به فإنه ستطلب تولية حكومة طوارئ واجراء انتخابات مبكرة في غضون ستة أشهر.
تغييرات نيوزلندا
وتسمح التغييرات المقترحة لأصحاب العمل في نيوزلندا بفصل العمال الجدد خلال فترة 90 يوما من دون إبداء الأسباب ويجعل رؤساء العمل يطلبون شهادة طبيب بالنسبة لأي أجازة مرضية وتقليل فترة راحة تناول الوجبات وتقييد حرية وصول نقابات العمل إلى أماكن العمل.
وقالت هيلين كيلي، رئيسة مجلس النقابات المهنية إن العمال يتحملون بالفعل عبء زيادة جديدة بنسبة 2.5% في أسعار السلع وضريبة الخدمات لتصل إلى 15% وحصلوا على تخفيضات ضئيلة في الضرائب تعويضاً لهذه الزيادة.
وأضافت: الآن تعتقد الحكومة أن لا ضرر في فصل العاملين مجدداً من خلال تطبيق مجموعة من قوانين العمل الظالمة التي تلغى معظم أساسيات حقوق العمل وتهدف على المدى البعيد إلى تقليل الأجور. ولم يبد رئيس الوزراء جون كي الذي يترأس الحكومة الوطنية المحافظة إكتراثا بالمسيرات ال28 المنفصلة التي نظمتها النقابات.
وقال: دائماً ما تقع إضرابات عن العمل عندما يكون لدينا حكومة وطنية فهذه هي الطريقة التي تبدى بها النقابات رد فعلها. وقال المجلس إن أكثر من 22 ألف عامل شاركوا في المسيرات في أنحاء البلاد. واستغل حزب العمال المعارض المظاهرات لتوجيه انتقادات لخطط الحكومة.
وقال تريفور مالارد المتحدث باسم الحزب «هذه السياسات ليست فقط ضد العاملين ولكنها ضد نيوزيلندا لان الانتعاش الاقتصادي للبلاد يعتمد على العاملين الكادحين الذي تتزايد معاناتهم لمواجهة احتياجاتهم بأجورهم الحالية.
ثمن باهظ
جدد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون الذي يدرك ان القرارات الأخيرة لن تلقى حتما شعبية، انه ما من خيار امامه ان اراد انقاذ البلاد من الافلاس. بيد انه وعد بأن لا تشمل هذه الاجراءات خدمات الصحة العامة التي نهضت لتوها، وايضاً المساعدة الخارجية للتنمية.
اما في ما تبقى من القطاعات فإن لائحة التضحيات ستكون طويلة من وزارة العدل الى وزارة البيئة مروراً بهيئة الاذاعة البريطانية (بي بي سي) التي علمت انه سيترتب عليها مواجهة تجميد للدعم لمدة ستة اشهر وان تمول بنفسها خدمتها العالمية الشهيرة وورلد سيرفس التي كانت تتولاها حتى الآن وزارة الخارجية.
وبشكل عام فإن النفقات الاجتماعية للدولة الحاضنة ستكون من ابرز الضحايا وذلك رغم معارضة الجمعيات والنقابات. وسيتم بذلك تقليص المساعدة على السكن ومنح اصحاب الاحتياجات الخاصة والشيخوخة الى الحد الادنى.
اما وزارة الدفاع التي تعد مستهلكاً كبيراً للقروض فقد توضح امرها منذ الثلاثاء وستكون نسبياً بمعزل من التقشف ولن تفقد الا 8 بالمئة من ميزانيتها بحلول 2015 وسيترتب عليها التخلي عن حاملة الطائرات الوحيدة العاملة في انتظار بناء اثنتين اخريين.
وعنونت صحيفة «ذي غارديان»: رهان اوسبورن: التقشف السريع والدعاء مذكرة بقلق الكثير من خبراء الاقتصاد ازاء قساوة الدواء الذي يمكن ان يجهز على انتعاش اقتصادي هش. وتقول الحكومة انها تعول على القطاع الخاص لإعادة ايجاد فرص العمل وقد دعمتها اوساط الاعمال معتبرة انه لا مفر من التقشف لإخراج البلاد من الوضع الصعب بعد الازمة المالية التي عصفت بها.
كما ان بإمكان كاميرون الاعتماد على دعم قوي من صندوق النقد الدولي الذي اعتبر ان اجراءاته على صعيد الميزانية قوية وذات مصداقية. ويندد العماليون من جهتهم بسياسة ظالمة تسيء للاضعف وبمازوشية اقتصادية تهدد بالتسببب بانهيار البلاد.
الوكالات
